القاهرة ـ «القدس العربي»: تتفاوت نظرة الفنان إلى المرأة من حيث صياغة العمل الفني، الذي يتوسل بها، كفكرة وكقيمة جمالية، من دون أن تخفى وجهة النظر الذكورية في العديد من هذه الأعمال. لكن ومن جهة أخرى يحاول البعض من الفنانين أن يصوغ فكرته الجمالية عبر الجسد الأنثوي مُعبّراً من خلالها عن قضايا ومشكلات اجتماعية، يشعر معها المتلقي أنها بالفعل قضايا حقيقية تؤرق الفنان، أو تقتصر فقط على الاستعراض، كألعاب فارغة من المعنى، يبدو أنها تحتفي بالجسد وتجربة صاحباته، إلا أن حقيقتها تكشف عن مدى استخدام هذا الجسد كسلعة يحاول الفنان تسويقها وتسويق نفسه من خلالها، ناهيك عن المبالغات في حرية الفن والفنان، وما شابه من المقولات والعبارات المعهودة.
وباستعراض بعض أعمال الفنانين المصريين، سواء المقامة حالياً أو التي أقيمت مؤخراً في بعض غاليرهات القاهرة، يمكن أن نجد هذه الفكرة مُتحققة بشكل أو بآخر. تجارب فنية متفاوتة جمالياً وفكرياً، قد يصدق أصحابها في تجربتهم، أو ينكشف الادعاء الفني، مهما حاول الفنان مداراته ونفيه في الوقت نفسه.
حكايات ريا وسكينة
تستحضر الفنانة غادة النجار عالم ريا وسكينة، خلال معرضها المقام مؤخراً في غاليري «آرت كورنر». وتحاول النجار أن تسرد حكاية أشهر صاحبات الجرائم في مصر، باحثة عن تفاصيل هذا العالم البعيد زمنياً إلى حدٍ ما. وبالطبع هناك صورة تتجسد في مخيلاتنا عن هذه الحكاية، وعن القسوة التي تتسم بها كل من الشقيقتين. لكن الفنانة هنا تحاول الرؤية من وجهة أخرى، بأن تُجسد قوة المرأة من خلالهما، فنجد امرأة متسلطة على عالم الرجال، تقود الجميع الذين يذعنون لها في استسلام. من ناحية أخرى تحاول النجار أن تبرز جانباً أنثوياً في كل من ريا وسكينة ــ بخلاف الصورة المعتادة ــ كنساء أولاً وأخيراً، يبدو ذلك في لقطات من الحكاية المعروفة، كالسير في الأسواق للإيقاع بالضحايا في ملابس ذلك العصر، إضافة إلى رقصهن والضحية بينهما في لحظاتها الأخيرة. لا تجد النجار سوى الخطوط الحادة لرسم الأجساد، مؤكدة فكرة قوة صاحبتها، من دون الاهتمام بملامح الوجه كثيراً، فالإيحاء يطغي على فكرة التجسيد، ربما قوة الشخصية هي الأكثر تأثيراً وسطوة.
ملاذ آمن
تحت هذا العنوان يأتي معرض الفنان علي حسان، والذي أقيم بغاليري «ليوان» والملاذ الآمن هنا يتجسد في «الحلم» وهو الذي يستدعي عوالم غرائبية بطلتها (امرأة) تلوذ بعالم أحلامها، حتى يمكنها التنفس. هنا نجد أسماكاً تتراقص وتعيش خارج بيئتها. المرأة نفسها تعيش حلماً متواصلاً يجعلها لا تفرّق ما بين الطفولي والواقعي المضروب بالطفولة وعوالمها، لها أن تجتلس دراجة بخارية أو أرجوحة، مع مخلوقات غير متوقعة الحضور .. ببغاء، أسماك، قرود، دجاج، صقور، وضباع. حالة من التصالح التام مع الطبيعة أيضاً، متمثلة في استئناس ما تعارف عليه من شراسة. وكان لابد وان يتحقق ذلك أيضاً على المستوى اللوني، من حيث الألوان الحارة المُبهجة والمتداخلة، التي توحي بجو كرنفالي، ولكن .. في الحلم فقط. فالمرأة تنظر إلى المتلقي وكأنها تؤكد له أنها تحلم، وألا يصدق ما يحدث، فهي لحظات مُختَلَسة، بديلاً عن معاناة لا تُحتمَل.
مسيرة الضحايا
ونأتي لمعرض الفنان وليد عبيد، الذي عنونه بـ «عد تنازلي» والمقام في غاليري «ضي» ليرسم حالات صادمة ومتفاوتة لفتيات ونساء يحكين حكاياتهن وأحوالهن، يائسات، منتحرات، ضحايا فكرة أو رجل قد يظهر في صلف في بعض اللوحات، أو عبء لا يُطاق، حتى في لحظات حميمية يمكن أن توحي بعكس ذلك، لكنه ــ الرجل ــ لا يبتعد عن المشهد، حتى وان لم يتواجد. هناك ثقل وخلاص وحيد لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الدماء. عد تنازلي .. بداية من دماء العُرس وحتى لحظة الاختيار أو الخلاص التي لا تتم إلا بالانتحار.
فكرة العزلة أيضاً والتماهي مع الطبيعة الصامتة أو الحيّة تتأكد أيضاً من خلال اللوحات، لتؤكد بدورها حالات الانعزال والإقصاء. ويبدو أن الأمر ليس جديداً، ففي إحدى اللوحات نجد قيدا حديديا ينتمي للعصور الوسطى، وعصا كاهن فرعوني موضوعة على الأريكة التي تجتلسها الفتاة، في زي عصري، وديكور حجرة تنتمي لوقتنا الراهن، فهناك إرث ممتد لن تكون نتيجته سوى محاولات مستميتة للخلاص، حتى ولو تمثل في جريمة يحمل وزرها المجتمع.
إحتفى الفنان كثيراً بالجسد الأنثوي وجمالياته، وهو احتفاء يتسق وفكرة إهدار الجمال واستغلاله، بل وتسليعه في الكثير من الأحيان، من دون الاهتمام بروح صاحبته. وهو ما يُفسر الحالة العامة لهذا الاستغلال، فالأجساد مختلفة وكذلك أعمار النساء، ما بين تفاصيل تمتلك تاريخها وأخرى على وشك فقدانه، لكن جميعهن يستعرضن ما حدث من حكايات ووقائع، ويضعن أمام المتلقي مصيراً مُفزعاً كقربان أملاً في الخلاص.
عبث
وفي الأخير يأتي معرض الفنان ياسر نبايل، المقام في غاليري «ليوان» والمعنون بـ «عبث» ويتخذ بدوره من الجسد الأنثوي صيغة عامة في لوحاته. لكن هذا الجسد يبدو أنه مختلف من عدة وجوه، بداية من ضخامته بالنسة للمشهد ككل، وكأنه مدينة بكاملها ترد على واقعها، فتتطاول وكأنها في مقام البنايات المرتفعة، وكأنها أحد مظاهرها. من ناحية أخرى تبدو هذه الأجساد وصاحباتها في حالات متفاوتة من مقاومة إلى استلقاء أو غفوة. كذلك وكأنها في الأخير ككروت البوستال، التي تجسد حال المدينة التي تحيا بها أو من خلاها. نساء نبايل هنا مختلفات تماماً عن نساء وليد عبيد، هنا تبدو المقاومة أكثر وكأنها تنوء بنفسها عن كونها سلعة أو مظهرا سياحيا لمدينة أوروبية في الغالب. هنا يظهر أنه استدعاء صعب لحالة موهومة، يريد صاحبها ــ الفنان ــ التلويح بها، دون هم حقيقي يريد التعبير عنه ــ ربما نجح فقط في عنوان معرضه ــ حالة مزعومة يغلب عليها الافتعال، ومحاولة الإدهاش الفارغة. مَن هذه المرأة؟ وما هي مشكلاتها وصراعاتها؟ أسئلة لن تجد لها إجابات أو مدلولات بصرية تساعد على التواصل معها. مجرد استعراضات تقنية ولونية لا أكثر ولا أقل.
لم تزل سلعة
رغم الأحاديث والحوارات التي تتواري خلف كلمات منمقة ومتجاوزة، إلا أن المرأة كمادة للموضوع الفني لم تزل سلعة يتم التعامل معها من وجهة النظر هذه. وما الحرية المزعومة والمناداة بتجاوز الموروث إلا خيبات يمكن الكشف عنها ببساطة من العمل الفني نفسه، حتى ولو نادى صاحبه بعكس ذلك. فالجسد الأنثوي يحمل من الدلالات ما يفوق الكثير، ويكشف تجسيده عن لاوعي الفنان رغماً عنه، ولدينا تاريخ فني يكشف زيف أصحابه، رغم خطابهم المناضل الخائب، والوقوف وراء الضحايا والمهجورات والبائسات. تاريخ سخيف سواء على مستوى الكتابة أو الفن التشكيلي، إلا مَن حَمَل هماً حقيقياً معياره الصدق الفني، سيستشعره المتلقي حتماً، بعيداً عن لعب الثلاث ورقات.