المرحلة الجديدة للحرب على غزة تقترب من التنفيذ

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: بالرغم من التوصل إلى اتفاق تهدئة بين حزب الله اللبناني ودولة الاحتلال، والذي توقفت بموجبه الحرب ضد لبنان، إلا أن سكان قطاع غزة لا يتوقعون حصول تهدئة قريبة تنهي مأساتهم المستمرة منذ 14 شهرا، ذاقوا خلالها ويلات لم تكن تخطر بأحلامهم، ويستدلون على ذلك من الأفعال والمجازر المستمرة ضد غزة، ومن تصريحات قادة الاحتلال الأخيرة.

وعملت حكومة الاحتلال اليمينية على ترجمة خططها القادمة ضد غزة بعد الانتهاء من ساحة لبنان، ففي الوقت الذي كان اتفاق وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ، وتتوقف بموجبه آلة الحرب الإسرائيلية عن القتل والتدمير في مدن لبنان والمناطق الجنوبية بالتحديد، كانت آلة الحرب الإسرائيلية ترتكب المجازر الوحشية في قطاع غزة، فتقصف مراكز الإيواء التي تضم آلاف النازحين، وتواصل عمليات التشريد لنازحين جدد، أجبرتهم على ترك منازلهم، واللجوء إلى مراكز الإيواء الممتلئة والتي تتعرض للتدمير، مثلها مثل باقي المناطق.
وسجل بعد ساعات قليلة من دخول قرار وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ، شن طائرات الاحتلال سلسلة هجمات دموية، قصفت فيها مناطق التوغل البري شمال غزة، ومناطق أخرى في مدينة غزة، ركزت فيها على المنازل التي تأوي السكان المدنيين، ومراكز الإيواء، على وقع عمليات نسف عديدة للمباني التي تقع شمال ووسط وجنوب القطاع، في رسالة أرادت منها حكومة الاحتلال القول إنها ستستمر في هذه السياسة الدامية التي بدأتها منذ اليوم الأول للحرب بنفس الوتيرة.
ولذلك يتوقع سكان غزة والمراقبون للمشهد، أن هجمات جيش الاحتلال سوف تزداد شراسة على غزة، بعد إراحة الجيش الإسرائيلي من ساحة لبنان، وتكريس قتاله على ساحة غزة، والتي حسب التقارير الإسرائيلية السابقة أشارت إلى أن جيش الاحتلال اضطر مع بدايات التصعيد الكبير على لبنان قبل شهرين، سحب قوات من غزة ودفعها للحرب هناك.
وفي هذا السياق، ذكرت تحليلات صحافية، أن من بين أسباب موافقة إسرائيل على وقف الحرب ضد لبنان، هو إراحة الجنود، باعتبار أن الذين يقاتلون في لبنان، هم من كانوا يشنون الحرب ضد غزة، في ظل الحاجة إلى إراحتهم قليلا، ما يعني التخطيط لإعادتهم للقتال في غزة.
وكان أكبر دليل على هذه النوايا المبيتة ضد غزة، هو ما أعلنه صراحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أكد في تصريح صحافي أن من بين أسباب القبول بوقف إطلاق النار مع حزب الله، هو إعطاء قواته قسطًا من الراحة وتجديد مخزون الأسلحة، وكذلك فصل الجبهات وعزل حماس.
وقال «فمنذ اليوم الثاني للحرب، كانت حماس تعتمد على حزب الله للقتال إلى جانبها. ومع خروج حزب الله من الصورة، تُترك حماس وحدها، وسنزيد من ضغوطنا على حماس وهذا سيساعدنا في مهمتنا المقدسة المتمثلة في إطلاق سراح رهائننا» وكان بذلك يعلن بشكل صريح أنه متجه لتصعيد الحرب على قطاع غزة بشكل ربما يكون أكثر مما كانت عليه الحرب طوال الأشهر الماضية.
وكان بداية البرهان على هذه التهديدات، هو توسيع رقعة التوغلات البرية لجيش الاحتلال في قطاع غزة، من خلال دخول قوات الاحتلال مناطق جديدة شمال القطاع، وانذار أحياء أخرى في مدينة غزة يلجأ إليها النازحون، بالإخلاء ومنها حي الشجاعية، على وقع المجازر الدامية، التي تهدف بالأساس إلى احتلال كامل للمناطق الواقعة شمال وادي غزة، بعد طرد سكانها بالكامل لتنفيذ «خطة الجنرالات» الرامية لعودة الاستيطان في غزة.

رسالة نتنياهو

وفي خضم المجازر التي يقترفها جيش الاحتلال في غزة، في سياق «حرب الإبادة الجماعية» وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رسالة تهديد جديدة لسكان غزة، خيرهم فيها بين الحياة والموت.
وقال في تصريحات خلال اجتماع حكومته اليمينية المتطرفة مخاطبا سكان غزة «عليهم أن يختاروا، بين الموت والحياة» وأضاف «أناشد سكان غزة. يمكنكم اختيار الحياة وضمان مستقبلكم ومستقبل عائلاتكم، أو يمكنكم التشبث بالدمار والموت، القرار لكم. اختاروا الحياة».
وكان بهذه التهديدات يخير سكان غزة، إما بتنفيذ كامل أوامر جيشه بالنزوح والسكن في مناطق مكتظة وغير آمنة، ضمن سياسة الاخضاع الكامل لتنفيذ خططه الاستيطانية، أو الموت لمن يرفض ذلك بأطنان الذخيرة التي تنزل يوميا على قطاع غزة.
هذا وكرر نتنياهو عرضه القائم على منح 5 ملايين دولار لمن يحرر أسيرا إسرائيليا حيا من قطاع غزة، وهو ما يؤكد على عدم رغبته في التوصل إلى صفقة تبادل أسرى، تفضي إلى وقف الحرب المستمرة.
وعاد نتنياهو في تصريحات أخرى ليؤكد نواياه في إطالة أمد الحرب والاحتلال، بالإعلان نهاية الأسبوع الماضي، أنه مستعد لوقف إطلاق نار في قطاع غزة، وليس إنهاء الحرب، مشيرا إلى أن شروط صفقة التبادل تغيرت لصالح إسرائيل بعد اغتيال السنوار وفصل الجبهات بين غزة ولبنان، وكان بذلك يلمح إلى الموافقة على صفقة تهدئة مؤقتة مرتبطة بمدة زمنية وغير دائمة.
أما وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، فقد أشار ضمنا إلى طول الحرب، وقال «إن إسرائيل ستنهي الحرب في غزة عند تحقيق أهدافها» من دون أن يضيف أي تفاصيل، فيما فهم من حديثه أن ذلك الأمر لن يكون بالمنظور القريب.
أما وزير المالية المتطرف تسلئيل سموتريش الذي يحمل ذات الأفكار التي يتبناها نتنياهو تجاه غزة، فكان أكثر وضوحا، فقال وهو يوحي إلى نوايا إسرائيل القادمة تجاه غزة، خلال اجتماع لمجلس المستوطنات في الضفة الغربية إن «هناك حاجة لاحتلال قطاع غزة وخلق وضع يكون فيه عدد سكان غزة خلال عامين نصف ما هم عليه اليوم».
وأضاف «هناك حاجة لاحتلال غزة، لا يجب الخوف من هذه الكلمة، الجيش الإسرائيلي سيضطر لمحاربة الإرهاب، والمحافظة على الأمن ومنع غزة من التسلح مجددا، وبالطريق لذلك يسيطر الجيش الإسرائيلي على الجهود المدنية، هذه هي الطريقة الوحيدة لتدمير حماس».

خطط الاستيطان

وحاول في تصريحاته القول إن ذلك لن يكلف حكومته مالا كثيرا، وقال «إنهم يخيفونني من الزيادة بالتكاليف، وليس هناك كذبة أكبر من ذلك.. هذا لا يكلف الكثير من المال» وتابع وهو يحرض على تنفيذ خطته «قالوا لي هذا يكلف خمسة مليارات، لكن هذا سيكلف بضع مئات ملايين على الأكثر».
ولم تتوقف خطة المتطرف سموتريش عند هذا الحد، فقد دعا إلى طرد سكان غزة، وقال «تشجيع الهجرة الطوعية إمكانية مفتوحة» مشيرا إلى أنه يمكن خلق وضع تكون فيه غزة بعد عامين مع نصف عدد السكان مما هو موجود اليوم، مع سيطرة كاملة لإسرائيل.
وفي سياق دعم الاحتلال الطويل، قام وزير البناء والإسكان الإسرائيلي يتسحاق غولدكنوبف، باقتحام «محور نتساريم» وسط قطاع غزة، برفقة زعيم حركة «نحالا» الاستيطانية دانييلا فايس، وذكرت تقارير عبرية أن هذا الوزير المتشدد تواجد ومعه خريطة تُظهر عليها مواضع نقاط استيطانية في قطاع غزة، ونقلت عنه صحيفة «يديعوت أحرنوت» القول «الاستيطان بغزة يجب أن يكون الرد على 7 أكتوبر وعلى الجنائية الدولية».
وكشف النقاب أن زعيم الحركة الاستيطانية، كان قد اقتحم بتسهيل من جنود الاحتلال مناطق شمال قطاع غزة، وقام بمسح مواقع المستوطنات التي تسعى حركته لإقامتها.
وتدلل هذه التهديدات، على أن إسرائيل رفعت من حساباتها الجلوس على طاولة التفاوض غير المباشرة مع حماس، كما فعلت سابقا مع حزب الله، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، ما يعني نواياها باتجاه استمرار الحرب.

موقف حماس

ولذلك أعلنت حركة حماس، التي رحبت باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، عن التزامها بالتعاون مع أيّ جهود لوقف إطلاق النار في غزة، وقالت إنها معنية بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني ضمن محددات وقف العدوان على غزة التي جرى التوافق عليها وطنياً، والمتمثلة في وقف إطلاق النار، وانسحاب قوات الاحتلال، وعودة النازحين، وإنجاز صفقة تبادل للأسرى حقيقية وكاملة.
ومع تصعيد الاحتلال جرائمه في غزة، دعت حركة حماس الدول العربية والإسلامية الشقيقة، وقوى العالم الحر إلى حراك جاد وضاغط على واشنطن والاحتلال لوقف عدوانه الوحشي على شعبنا الفلسطيني، وإنهاء حرب الإبادة المتواصلة في قطاع غزة.
وأكدت أيضا أن الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، سيبقى على عهده متمسكاً بثوابته الوطنية وحقوقه المشروعة، ومدافعاً عن أرضه ومقدساته، «حتى دحر الاحتلال وزواله، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس».
ويأتي تصميم دولة الاحتلال على استمرار الحرب على قطاع غزة، رغم التحذيرات الدولية من صعوبة الأوضاع، ووصولها إلى مستويات غاية في الخطورة، تهدد السكان بالموت ليس فقط بالصواريخ التي تطلقها قوات الاحتلال، إنما بسلاح الجوع أيضا.
فقد أعلنت الأمم المتحدة من جديد، أن السلطات الإسرائيلية لا تزال تعرقل وصول المساعدات الإنسانية لسكان مناطق شمال قطاع غزة، وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أنه تقدم هذا الشهر بـ41 محاولة، للوصول إلى الفلسطينيين المحاصرين في مناطق شمال غزة بمساعدات منقذة للحياة، وأضاف «لكن السلطات الإسرائيلية لم تُيسر أيا من هذه المحاولات».
وأعاد «أوتشا» التذكير في تصريح نشر على موقع الأمم المتحدة، بأن القانون الدولي الإنساني، يحتم حماية المدنيين وضمان تلبية احتياجاتهم الضرورية للبقاء على قيد الحياة، سواء بقوا في أماكنهم أو فروا منها.
وحسب الأمم المتحدة، فقد أكدت أيضا وهي تتحدث عن مأساة العيش في غزة، أن الأسر التي تفر من شمال غزة بحثا عن الأمن والمأوى في مدينة غزة، تواجه شحا بالغا في الإمدادات والخدمات بالإضافة إلى الاكتظاظ وظروف النظافة السيئة.
وبسبب قلة الطعام في قطاع غزة، يواجه السكان خاصة الأطفال وكبار السن الإصابة بأمراض «سوء التغذية» التي تهدد حياتهم بخطر الموت، وعن هذه المأساة أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» أن الجوع في غزة وصل إلى مستويات حرجة، لافتا إلى أن الناس يبحثون حاليا عن بقايا الطعام في النفايات التي مضت عليها أسابيع، وأكدت وهي تتحدث عن تفاقم الأزمة، أنه مع دخول فصل الشتاء، «تتدهور الأوضاع بسرعة، ويصبح البقاء مستحيلاً بدون مساعدات إنسانية عاجلة» وشددت على ضرورة وقف إطلاق النار.
ومن ضمن فصول العيش المرير في قطاع غزة، لم يبق سوى عربة واحدة للإنقاذ تعمل في مدينة غزة، فيما توقف باقي المركبات الخاصة بالإنقاذ والإسعاف التابعة للجهاز، بسبب نفاذ الوقود،
وهو ما يحول دون قدرة هذه الطواقم على الاستجابة لنداءات المواطنين، ما يعني الحكم بموت الكثير من المصابين، كما يحدث في بلدات شمالي القطاع.
وفي سياق قريب، حذرت بلديات وسط قطاع غزة، من توقف خدماتها الأساسية بشكل كامل وذلك بعد مرور أكثر من 20 يوماً على عدم دخول الوقود اللازم لتشغيل آبار المياه ومضخات الصرف الصحي، وآليات جمع وترحيل النفايات والمعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وفتح الشوارع، وأكدت أن توقف ضخ المياه وطفح مياه الصرف الصحي وتكدّس النفايات في الشوارع «يُنذر بحدوث مكاره صحية وبيئية خطيرة».
ويأتي ذلك كله مع زيادة معاناة سكان غزة جميعا سواء القاطنين في منازلهم التي أصابها نصيب من الدمار، أو في مراكز الإيواء وفي الخيام، مع بدء منخفضات الشتاء الماطرة، التي أدت إلى تلف أكثر من 10 آلاف خيمة نزوح في كافة مناطق القطاع، بعد تسرب مياه الأمطار إليها واتلاف ما فيها من أغطية وملابس، وهو أمر صعب الحياة كثيرا على السكان، فيما لا تزال سلطات الاحتلال ترفض دخول مستلزمات ضرورية تساهم في تخفيف هذه الأزمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية