باريس-»القدس العربي»: يُقدَّر عدد المساجد في فرنسا اليوم بألفين وخمس مئة مسجد وفق إحصائيات مكتب الشعائر الدينية في وزارة العمل الفرنسية ومسجد باريس الكبير. وإذا كان بناءُ المساجد في ازدياد في هذا البلد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فإن عدداً من المساجد التي أقيمت في البلد تشكل علامات بارزة في تاريخ علاقة فرنسا بالإسلام والمسلمين.
يقول المؤرخون المهتمون بهذا الموضوع إن أولَ مسجد أقيم على الأراضي الفرنسية يعود إلى عام 719 ميلادي، أي السنة التي استطاع خلالها الوالي الأموي في الأندلس السمح بن مالك الخولاني السيطرة على مدينة أربونة الواقعة في جنوب فرنسا الغربي والتي تسمى اليوم ناربون.
وبالرغم من أن المؤرخين لم يعثروا في هذه المدينة حتى الآن على حجج ملموسة بشأن أول مسجد أقيم في الأراضي الفرنسية ـ فإنهم يرون أنه أقيم على جانب من كنيسة من كنائس هذه المدينة لسبب بسيط هو أن الضرورة كانت تدعو لذلك انطلاقا من موقعها الاستراتيجي. فقد اتُّخِذت المدينة قاعدة عسكرية سمحت للمسلمين بتوسيع الفتوحات من حول أربونة في عدة اتجاهات للوصول إلى مدن أخرى منها قرقشونة التي تحمل اليوم اسم كركاسون وطولوشة أي تولوز ونميش أي نيم وغيرها من المدن التي كان بعضها في جنوب فرنسا الشرقي أي على الحدود الفرنسية الإيطالية.
مساجد بواتييه وأسطورتها
ومن أهم المساجد التي بنيت في فرنسا والتي لديها دلالات خاصة في علاقة هذا البلد بالإسلام والمسلمين المسجد الذي أقيم في السنوات الأخيرة في مدينة بواتييه الواقعة في الوسط الفرنسي والتي تظل ترمز في المِخْيال الفرنسي بشكل خاص والأوروبي إلى الموقع الجغرافي الذي استطاع فيه شارل مارتيل أحد قادة ما يُسمى «الممالك الفرنكية» في عام 732 أو 733 وضع حد للفتوحات الإسلامية على ضفاف المتوسط الشمالية. ويُذكر أن عددا من المؤرخين الفرنسيين وغير الفرنسيين سعوا إلى تقديم إضاءات جديدة عن علاقة بواتييه بالإسلام والمسلمين من خلال الاعتماد على وثائق وشهادات وأبحاث تاريخية فيها حيز مهم للجوانب الأثرية. وتخلص هذه التوضيحات التي وردت مثلا في أبحاث المؤرخ الفرنسي جان دفيوس إلى أن ما يسمى «معركة بواتييه» أو معركة «بلاط الشهداء» لم تحصل. كل ما في الأمر أن مناوشات حصلت بين قوات شارل مارتيل من جهة وقوات المسلمين بقيادة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من جهة أخرى في مكان يقع بين مدينتي بواتييه وتور.
ويشاطر هذا الطرح المؤرخ المغربي شرف الدين مسلم الذي قضى سنوات طويلة في إجراء أبحاث حول بدايات الوجود الإسلامي في فرنسا. ويقول بدروه على غرار المؤرخ الفرنسي دفيوس إن موت عبد الرحمن الغافقي خارج القتال هو الذي دفع بجيش المسلمين إلى الانسحاب ليلا من الأماكن التي كان منتشرا على خطوط المواجهة مع قوات شارل مارتيل. يرى المؤرخ المغربي شرف الدين مسلم ومؤرخون فرنسيون وغير فرنسيين أن شارل مارتيل بالغ في تضخيم انتصاره على جيش الفاتحين المسلمين في بواتييه للظهور بمظهر الملك الفرنكي الذي استطاع إيقاف هذه الفتوحات في ضفة المتوسط الشمالية. وفعل ذلك للتخفيف من وطأة التهمة التي كان متهما بها من قبل الكنيسة الكاثوليكية ومفادها أنه نهب جزءا كبيرا من أموالها بحجة التصدي للإسلام والمسلمين. ومهما يكن الأمر، فإن كثيرا من المؤرخين يرجحون عدم إقامة مساجد في بواتييه في القرن الثامن ميلادي لأن المسلمين لم يمكثوا فيها بعد انسحاب قوات عبد الرحمن الغافقي على عكس مدن أخرى في جنوب فرنسا الغربي وحتى الشرقي والتي سكنوها وأقاموا فيها مساجد.
مساجد ما وراء البحار
طوال الفترة التي كانت خلالها لفرنسا مستعمرات، سعى عدد من الذين تصدوا للاحتلال الفرنسي إلى استخدام بعض المساجد سرا للقيام بنشاطهم النضالي أو على الأقل إلى حث مرتادي عدد من المساجد الشهيرة في هذه المستعمرات على ضرورة مقاومة المحتلين وبخاصة المستوطنين ورموز الاحتلال الأخرى. ومن هذه المساجد على سبيل المثال في البلدان المغاربية، مسجدان اثنان هما مسجد عقبة بن نافع في تونس ومسجد سيدي عقبة في الجزائر.
ومن أهم المساجد الموجودة اليوم في فرنسا غير القارية أي في أقاليم ما وراء البحار الفرنسية مسجد تسينغوني الذي أقيم في جزيرة مايوت الواقعة في المحيط الهندي في عام 1588. ويُعَدُّ هذا المسجد أعرق مساجد فرنسا منذ نهاية القرون الوسطى. وقد بُني في عهد الحضارة الشيرازية نسبة إلى الشيرازيين، إحدى مجموعات السواحليين العرقية والتي كانت تقيم في مناطق الشرق الأفريقي الساحلية. وقد رُمِّم المسجد عدة مرات وبقي يرمز إلى وحدة جزيرة مايوت وهويتها الإسلامية. وظل محرابه أصيلا مما جعل فرنسا تدرجه في عام 2012 في قائمة معالمها التاريخية.
أما مسجد نور الإسلام الذي تم تدشينه في عام 1905 في مدينة سان دونيه عاصمة جزيرة الريونيون الفرنسية الواقعة هي الأخرى في المحيط الهندي، فقد استمر بناؤه سبع سنوات كاملة بمبادرة من تجار مسلمين استقروا في هذه الجزيرة وجاؤوا من الهند. وقد سعى مسلمو هذه الجزيرة الفرنسية خلال مختلف عمليات ترميم مسجد نور الإسلام أو توسيعه إلى جعله يتكيف مع أمرين اثنين هما تنوع مرجعيات سكان الجزيرة الدينية والعقائدية ومع مبادئ الجمهورية الفرنسية، ومنها مبدأ العلمانية الذي كُرِّس عبر قانون سُن في العام الذي شُيِّد فيه المسجد أي عام 1905.
مسجد باريس الكبير
دُشن هذا المسجد في السادس عشر من شهر تموز/يوليو عام 1926 من قِبل رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك أي غاستون دوميرغ وبحضور سلطان المغرب في ذلك الوقت مولاي يوسف. وكانت عملية البناء قد بدأت في التاسع عشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 1922. ولابد من التذكير هنا بأن إقامة هذا المسجد جاءت بعد مساع عديدة باءت بالفشل لإقامة مسجد في العاصمة الفرنسية وكان وراء هذه المساعي أساسا ممثلو السلطنة العثمانية في فرنسا وكذلك ممثلو السلطان المغربي وملوكِ مصر في القرن التاسع عشر.
لقد حرص رئيس فرنسا الأسبق غاستون دوميرغ في خطابه وهو يدشن فتح مسجد باريس عام 1926 إن بناء هذا المسجد كان عربونا على ما وصفه «الصداقة الفرنسية الإسلامية». ولكن مصالي الحاج أحد زعماء الرعيل الأول من قادة النضال الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي كان قد ألقى عشية تدشين مسجد باريس خطابا حمل فيه بشدة على تشبث فرنسا باحتلال الجزائر منذ عام 1830 واعتبر أن إقدام السلطات الفرنسية على إقامة مسجد باريس الكبير إنما هو في الحقيقة أمر يندرج في إطار عمل دعائي وأنه ليست فيه أية نية للاعتراف بحقوق الشعوب التي كانت فرنسا تستعمرها فرنسا آنذاك. وخلال الحرب العالمية الثانية، ساعد العاملون في مسجد باريس الكبير والمشرفون عليه في إنقاذ مئات اليهود من خطر الإبعاد والموت على أيدي النظام النازي الذي كان قد احتل عدة مدن فرنسية منها باريس.
ويسعى عميد مسجد باريس الكبير الحالي شمس الدين حفيظي – وهو فرنسي من أصل جزائري- إلى جعل هذا المسجد رمزا من رموز ما يسمى «الإسلام على الطريقة الفرنسية» أي ذلك الذي يكون بموجبه أئمة مساجد فرنسا قادرين على المساهمة في التعاطي مع مسلمي فرنسا من خلال منهجية تسمح لهم بالقيام بشعائرهم الدينية وباحترام أتباع الديانات الأخرى وعدم أتباع الديانات انطلاقا من مبادئ الجمهورية الفرنسية.