وضعت كورونا العالم على العموم والنظام الصحي في تمظهراته الاستشفائية في وضع تفاوضي، حول محاولات الفهم من جديد، لقيم الاستشفاء وما يتفرع عنها من معايير الحياة والموت، فالهلع الذي أصاب القائمين، سواء على هرم السلطة في المجتمع الدولي، أو أولئك المعنيين مباشرة بأنظمة الصحة، كشف بما لا يدع مجالا للشك، عن خواء منظومات الصحة العالمية، من الثقة وحسن تسيير الوضع الاستثنائي وإدارة وتدبير الشأن الاستشفائي، حسبانه تعبيرا عن الوضع الإنساني في عقلانياته المنوط بها التسيير الحيوي للجسد.
المستشفى ومعيارية الحياة:
تشتغل البنى الاجتماعية داخل نسق المؤسسة، ومن ثم ينبثق مفهوم العلاقة أبستيميا، كرابط منطقي بين المفاهيم والتصورات والكيانات، وضمن هذه الرؤية تتأسس العلاقة المعرفية التي تحدد طبيعة حركة المستشفى كمؤسسة خدمية تساهم في ترميم وإصلاح العطب، بما يؤدي مفهوم العلاج داخل نسق الطبابة، والمُنْصب حول تضاريسية الجسد، لكن هل مفاهيمية العلاج تتحدد بالدواء، كمنتوج صيدلاني موجه لمعالجة المرض؟
إن الوضع الوبائي جعل النظام الصحي يقف أمام مرآة واقعه البائس، إذ لم يتحقق حضور الدواء في وقت الداء، فتحول وباءً، واعتبرت الوقاية الحل الأسرع والأقرب لنجدة الواقع المرضي الحال، وتحول مفهوم المستشفى، من حاضنة للعلاج إلى بوتقة للحجر، كل ما عليها هو محاولة منع انتشار الوباء، وعُلل ذلك بالإحاطات التفسيرية، التي أصبحت فرقعات إعلامية أكثر منها إفادات صحية.
إن العلاقة الشائكة التي ترى المستشفى أداة من أدوات التغيير والدافعية المجتمعية، الهادفة إلى التطوير والتنمية، تنبثق من كونه مؤسسة ناظمة لعلاقات الاستمرار في الحياة، أي أن المعنى في الاستشفاء يأخذ دلالته من معنى الحياة، وعليه يتأسس مفهوم الموت مُقَاوَمًا داخل منظومة الاستشفاء، فالوعي الاستشفائي تشكله قصدية إنتاج الحياة، فنحن نقصد المستشفى لنعالج عطب الجسد، ونحافظ على استمرارنا في الحياة، لكن جدل الحياة يعتبر خالقا في نسقيته لأضداده، بمعنى أن المستشفى ذاته، يمكن أن يكون منتجا للموت، حين يتشكل القرار طبيا وديونطولوجيا بممارسة الطبيب لعملية الإجهاض، فهنا الجسد ينتقل إلى المستشفى حيا ويخــرج منه ميتا، فانطواء المستشفى على تناقض حياة/موت يجعله مؤسسة ترتبط بالحياة في أنطولوجيتها المعبرة عن نسق الاستمرار، فالموت يعتبر نظاما داخل نسق الحياة، التي وجدت أولا، وبالتالي يكون المستشفى حتى في حالات الضرورة التي ينتج فيها الموت محققا للحياة، لأن مهمته إنقاذية.
الموت كأفق للاستشفاء
هل يمكن اعتبار الموت أفقا استشفائيا، باعتبار «الأوثنازيا» Euthanasie أو «الموت الرحيم»، يمثل حالة من حالات طلب الموت لإزالة المعاناة، لأنه إنهاء لآلام المريض الذي لا يرجى شفاؤه، لكن الموانع القانونية وقبلها الشرعية الدينية تقف حائلا أمام هذا الإجراء، لأننا لا نملك الروح التي وُهبناها، وليس من حقنا إزهاقها، ولعل هذا ما يزيد من غموض موضوع الموت واستعصائه على الفهم. فهل يمكن أن يكون الموت عنصرا للعلاج تحت سقف المستشفى؟
يتدخل الموت في لحظات لا يدرك حقيقتها سوى من أوجده، لأنه من توابع الغيب، ولهذا لا يمكننا إدراك تلك الحقيقة، فحين تجيش في أعماقنا ذكريات من أحببناهم، نتمثل العجز عن استعادتهم بالمحبة، فالمحبة مستوى وجداني لاستعادة من فقدناهم.
تواجه حالات الموت داخل المستشفى بالرفض والازدراء، لأن الشك يبقى قائما في عدم تقديم الإسعافات لأجل إنقاذ حياة المريض، وإعلان موت المريض داخل المستشفى يواجه بالرفض من أقربائه، يتم التعبير عنه بسلوك عنفي، فقد يبادر أقارب المتوفى إلى أعمال تخريبية تطال تجهيزات المستشفى، لكن الواقع أن الطاقم الاستشفائي قدم ما يمكن للإسعاف إلا أن الموت الواجب حضوره في اللحظة والمكان سبق لإنهاء حياة المريض، وفي هذه الحالة قد يعاني الطاقم المعالج من العَرَض الرافض للموت كما أقارب الميت، إلا أن التعبير عنه يكون في مستويات نفسية عميقة أيضا، عن طريق ما يسميه سيغموند فرويد «الجرح النرجسي الذي لا يعالج» فطاقم الاستشفاء بكل ما توفر لديه من أجهزة وعتاد غاية في الدقة والتطور يقف عاجزا أمام جبروت الموت.
يكشف التعبير العنيف عن المحبة في مواجهة الموت، ومواجهة المؤسسة الاستشفائية أيضا عن المحاولات البائسة لاستعادة من فقدناهم، لكن العجز يؤُول بالذات الرافضة للموت، إلى القرار عند مستوى القبول بالأمر الواقع والمحتوم، ويحاول الأفق المجروح أن يتواءم مع موضوع الموت لتغطية العجز بدفن الجثة كتعبير خالص عن الاستسلام للقدر، ولعل هذا المستوى يعود بنا إلى الموضوع الأول المتضمن في اعتبار الموت أفقا استشفائيا، ولكن ليس بمعنى الموت الرحيم (الأوثنازيا)، بل بمفهوم التوافق مع الموت كقوة ميتافيزيقية، وهو الحاصل في حالة الوضع الوبائي، الذي حوّل المستشفى إلى بؤرة منتجة للموت، لكن باعثة أيضا للإحساس التوافقي معه، باعتباره حالة منتظرة في الراهن، وهو ما كان مغيبا في الوضع اللاوبائي، باعتبار الموت حالة مستقبلية مستبعدة، ما كرّس اللاتوافق معها.
يتدخل الموت في لحظات لا يدرك حقيقتها سوى من أوجده، لأنه من توابع الغيب، ولهذا لا يمكننا إدراك تلك الحقيقة، فحين تجيش في أعماقنا ذكريات من أحببناهم، نتمثل العجز عن استعادتهم بالمحبة، فالمحبة مستوى وجداني لاستعادة من فقدناهم. إن الألم كظاهرة مصاحبة للحياة، يعتبر من مفردات الواقع، ولهذا فهو ليس بالضرورة طريقا إلى الموت، أي ليس ترتيبا، حين يشتد يسبب الموت، أو تنقص حدته فيؤول الجسد إلى الحياة، لأن الموت من مفردات الغيب، وحقيقته تبقى غيبية وعصية على الفهم، فالألم أشد ارتباطا بالحياة في تحولاتها وزينتها الوجودية، وحينما لا يستطيع الجسد مواكبة ذلك، يقترح «الموت الرحيم» في المجتمعات الغربية، كتعبير عن التعلق الشديد بالحياة، وكحل لمعضلة الألم في تعالقه بموضوع الحياة، باعتباره قطيعة مع موضوع اللذة، وهذا خلاف الرؤية العقدية، التي ترتاح أخيرا إلى الموت كاستسلام للقـــــدرة الإلهية، وما يستتبع ذلك من راحة (لذة)، تنبثق في أعماق المؤمن كتعبير عن الطاعة.
النموذج المجتمعي/العلاقات المرضية الهادمة:
إن العلاقة الاستشفائية تتمثل في طبيب يعالج، ومريض يطلب الشفاء، وأي خلل في هذه العلاقة إنما يعكس خلالا عاما في بنية المجتمع، لأن العلاقة المرضية تنبثق في خضم حركة الأفراد داخل المجتمع، فهي إما نفسية بسيكوسوماتية، أو اجتماعية في عمومها، من خلال الفرضية القائمة بالدليل، على أن الأمراض ما هي سوى نتيجة لانعدام التوافــق البشري مع كيانية المجتمع في انفصاله عن قيم الوقاية والأخلاق والنظام، وهو ما أثبته الوضع الوبائي، والدعوة الكونية من علماء التغذية والأوبئة، إلى ضرورة تغيير النظام الغذائي والبيئي من أجل حلول نظام صحي مستدام. والحال هذه، يمثل حضور المريض لدى الطبيب إدانة من كليهما للبنية المجتمعية المثخنة بالتلوث والإهمال والفوضى، حتى إذا لم يجد المريض ما يطلبه عند الطبيب من علاج، تصبح إدانته أكثر توسعا لتطال النظام الاستشفائي/المجتمعي برمته، فتفقد الثقة بينهما، ويصبح ما يربطهما محاطا باللامبالاة، منحصرا في العامل الصيدلاني.
يتوجه المريض على إثر هذا الشرخ، خصوصا في المجتمعات التقليدية إلى الشعوذة، كتعبير عن فقدان التواصل، وهو ما يجعل العلاقة المرضية تواجه أزمة تتمثل في صعوبة التفاهم بين مريض يطلب الشفاء وطبيب تملأه الرغبة في العلاج، والكيان المقابل (الشعوذي) يبدو من خلال تمظهره الدجلي في المجتمع، أنه يحوز عامل التواصل، لأن الفرد أنثربولوجيا يستطيع أن ينخرط في منظومة الشعوذة الناجزة في وعيه بمفردات تاريخيته البدائية. فالأزمة التي تكشف عنها العلاقة المرضية تتمثل في فقدان النموذج الاجتماعي، الذي يعني الاتفاق البدئي في توصيف التصور لشكل المجتمع وجوهره، وعلاقاته الناظمة لحركته، وهو ما سهل إعادة بناء المجتمعات الأوروبية المنهارة على وقع الحرب العالمية الثانية، حيث بادرت إلى تفعيل منظورات العقد الاجتماعي البنائية والبناءة.
٭ كاتب جزائري