قبل حوالي أسبوع، هاجم مستوطنون راعي أغنام فلسطينياً وأبناء عائلته الذين هبوا لمساعدته. استخدم المستوطنون، وعدد منهم مسلحون، العصي والقبضات. من جانبهم، اعتقل أفراد الجيش والشرطة المعتدَى عليهم: ثمانية فلسطينيين. ونقل هؤلاء إلى معسكر قريب للجيش، وطلب الجنود من المستوطنين خلال عرض تشخيصي التعرف على “مهاجميهم”. وهناك ضرب مستوطنون المعتقلين، بحضور الجنود. أطلق سراح أربعة من بين الثمانية في اليوم نفسه، فيما احتُجز الآخرون داخل المعتقل لأربعة أيام أخرى، وفي جلسة تمديد اعتقالهم أُطلق سراحهم بدون كفالة وبدون لائحة اتهام.
هذا هو ملخص ما جرى لأبناء عائلة عوض، وهي عائلة من تجمع أم الجمال، الواقع في منطقة عين المالح شرقي بلدة تياسير الواقعة شمال شرق نابلس. والآن إلى التفاصيل كما وصفوها يوم الخميس بعد أقل من 24 ساعة من إطلاق سراحهم.
إسماعيل عوض، ابن الـ 20 خرج السبت حوالي الساعة الثامنة صباحاً مع قطيع أغنام العائلة (حوالي 300 رأس معظمها من الأغنام) إلى التلال الواقعة جنوب الخيمة التي تسكن فيها العائلة. رافقه اثنان من أقاربه أبناء 11 و12 عاماً. كانت التلال مخضرة تبعث على السعادة، تسلق الثلاثة تلّتين ونزلوا منهما إلى أن وصلوا إلى واد يسمى مراح الفارس. جلسوا لشرب الشاي من الإبريق الذي يعلوه الشحار والذي حملوه في جعبة ظهرهم مع طعامهم.
“جلستُ، وفجأة رأيت “تراكتور” صغيراً يسير نحونا. كان فيه 5 أو 6 مستوطنين” يقول إسماعيل. حسب أقواله، نزل في هذه اللحظة أحد المستوطنين من التراكتور، وقال بالعربية: لماذا أنت هنا؟ “وكان معه عصا وبدأ بضربي”، واصل إسماعيل: “أنا أعرفه لأنني أراه يرعى البقر في المنطقة. هذه هي المرة الأولى التي هاجمني فيها، وكنت رأيته قبل أسبوع وهو يدهس بالتراكتور الصغير مرياعنا “الكبش الذي يقود القطيع”. لقد نجحت في الهرب، وحينئذٍ اتصلت بأخي أحمد. ولكن أربعة منهم ركضوا خلفي وأحدهم يقود التراكتور. التراكتور فرق الأغنام، وحينئذٍ جاء اعتقلني الجنود وقيدوا يدي وعصبوا عينيّ. ثم جاء مستوطن وضربني في حضورهم”. قدّر بأنه نجح في الاتصال بأخيه أحمد حوالي الساعة 11.
الأخ ابن 28 عاماً، سارع وأبلغ رئيس مجلس التجمعات الفلسطينية عمّا يحدث، وهذا أبلغ الشرطة وأعضاء لجنة الارتباط الفلسطينية الذين هم على اتصال بإدارة التنسيق والارتباط الإسرائيلية. أحمد، وابنه ابن الثامنة حمد، وأخ آخر له محمود ابن 32 عاماً، ذهبوا مشياً على الأقدام نحو أخيهم وأغنامه. المسافة من الخيمة إلى المرعى الذي كان فيه إسماعيل وأغنامه حوالي 3 كم بخط جوي، ولكن يكتنفها التسلق على تلتين وهبوط إلى أودية. لقد وصلوا إلى هناك، حسب تقدير أحمد، حوالي الساعة 12:30. رأوا إسماعيل عن بعد، ولكنهم لم يستطيعوا الاقتراب منه “لأن مستوطنون اقتربوا منا وأمرونا بالتوقف”.
لقد كان معهم “ع “، الذي له بؤرة استيطانية وأغنام، قال أحمد. “كان معه سلاح، ووجهه نحوي وقال “قف”. عندما وصلت كان هنالك حوالي 20 مستوطناً. وربما 30. لقد جاؤوا من عدة بؤر استيطانية في المنطقة بالتراكتورات الصغيرة وبسيارات الدفع الرباعي. نعرفهم، فعندما نخرج للرعي دائماً، نراهم يتجولون في المنطقة مع أغنامهم وأبقارهم. كان معهم “عوزي” وأسلحة أخرى. ابن عمي مهند 21 عاماً والذي خرج هو أيضاً، كان هو أول من وصل لإسماعيل، فأمسكوا به. عدد من المستوطنين قيدوا يديّ وأيدي محمود بحبل. بعد ذلك، جاء أخونا الأكبر أبو وسيم 35 عاماً، وابن العم حذيفة 21 عاماً. ربط المستوطنون أيديهما بالحبل نفسه”. في هذه المرحلة، حسب أقواله، وأثناء كونهم مربوطين، قام مستوطنون بضربهم “أحدهم ضربني بالعصا، هنا”، قال محمود وهو يشر إلى منطقة حساسة. “لقد ضربني بعصا على رجلي اليمنى وعلى البطن” قال أحمد، أما حذيفة فقد ضربه المستوطنون على كف يده اليسرى، بعد ذلك اتضح أن عظام كف يده اليسرى قد كسرت. أثناء كونهم مربوطين بالحبل، خطف أحد المهاجمين هاتف أحمد، الذي بواسطته كان قد نجح في التصوير في البداية. ابنه حمد أعاده له بعد ذلك: مكسراً ومعطوباً.
أثناء وقوفهم مربوطين ويتعرضون للضرب، جاءت سيارة للجيش والشرطة والإدارة المدنية، وكذلك سيارات إسعاف إسرائيلية، قال أحمد. “أمرَنا الجنود بالجلوس على الأرض. في هذه الأثناء، أحضر المستوطنون إسماعيل مهند وعمنا محمد ابن الـ 48 عاما والذي هو أيضاً سارع للمكان من أجل تقديم المساعدة. المستوطنون ضربوا كل من جاء لمشاهدة ما يحدث أو للمساعدة، وحتى عليّ الذي يسكن في خيمة مجاورة. وهو ابن 29 ولكنه مريض ولا يعمل”. أحدهم ضرب مهند على الرقبة. العم محمد ضربوه أيضاً، لقد سقط وجُرح وسال الدم من رأسه. أما حمود فضربوه ثانيةً وهذه المرة على رقبته. وحدث ضرب المستوطنين هذا بحضور الجيش. هذا ما قاله أبناء العائلة.
حسب تقديرهم، فإن المستوطنين احتجزوا هؤلاء، وبعد ذلك تعرضوا أيضاً لاحتجاز من قبل الجيش لحوالي 20 دقيقة، في هذه المرحلة، بدّل الجنود الحبل بالأصفاد، ونقلوهم إلى معسكر للجيش في “أريوت هايردين” (أسود الأردن)، الواقع في مدخل محمية أم زوكا، الواقعة شمالي الغور. مهند وعلي، نقلا بسيارة عسكرية، والباقي اثنين اثنين بسيارات الشرطة. شباك السيارة التي أدخل إليها إسماعيل كان مفتوحاً، مر مستوطن وضربه بقبضته على وجهه. “قلت للمرأة (جندية أو شرطية ع.ه) والتي كانت في السيارة التي أدخلت إليها، إن “علي” مريض، وإنهم ضربوه، قال إسماعيل. “فقالت لي: أنت كذاب”.
حذف التوثيق عن التلفون
أدخل الثمانية إلى غرفة في معسكر الجيش معصوبي الأعين. دخل مستوطنون إلى تلك الغرفة. اتضح أن الجنود قاموا بعرض تشخيصي، وطلبوا من المستوطنين أن يشخصوا أيهم الذين تعرضوا للضرب. “جاء أحد ما وأنزل العِصابة عن عيني قليلاً، وقال “هذا رمى عليّ حجراً” قال أحمد. “أيضاً هناك في المعسكر، ضربني أحد ما بعصا على رأسي”. نظراً لأنهم لم يكونوا يحملون هويات، فإن الجنود أمروا بأن يرسل أبناء العائلة صوراً عن الهويات عبر تلفوناتهم. أخذ الجنود التلفونات مع الصور التي وصلت. وحينئذٍ أعادوها. وبعد ذلك اكتشفنا أن الصور التي استطعنا تصويرها في الموقع المتعلقة بالاعتداء قد محيت”. قال إسماعيل.
رداً على سؤال “هآرتس”، جاء من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أنه: “لم يُطلب بأي مرحلة من المراحل من المشبوهين محو شيء عن تلفوناتهم الشخصية.
بعد حوالي ساعة أو ساعتين، أطلق الجنود سراح أحمد، وأخيه أبو وسام، وحذيفة وعليّ، وأعطوهم استدعاءات للحضور إلى الشرطة في اليوم التالي. عندما عاد الأربعة إلى الخيمة، كانت يد حذيفة منتفخة، وتم نقله عبر سيارة الإسعاف إلى مستشفى في طوباس المجاورة. في اليوم التالي، يوم الأحد، حيث كانت يده مجبصنة، وكان الجميع يعانون من الآلام، ذهبوا إلى مركز شرطة بنيامين، كما طلب منهم، ولم يكن هنالك محقق، وقيل لهم بأن يأتوا ثانيةً يوم الاثنين، وهكذا عادوا في اليوم التالي. جرى التحقيق مع أبو وسيم لوقت قصير، ثم أطلق سراحهم جميعاً.
استمرت تلك الرحلة الشاقة لهؤلاء الأربعة من أبناء عائلة عوض 4 أيام أخرى: إسماعيل وهو أول من هوجم، ومهند ومحمود ومحمد. لقد تم نقلهم إلى مركز شرطة بنيامين في جيب اعتقالات، ووصلوا حوالي الساعة 18:00 مقيدين ومعصوبي الأعين، وهكذا أُجلسوا على مقعد طويل، ثم استدعي كل منهم للتحقيق، وأعيد إلى مكانه، استمر التحقيق مع كل واحد حوالي نصف ساعة حول ما إذا رشق حجارة. أنكروا التهم التي وجهت ضدهم، وقالوا ما يعرفونه. “الذي كتب الأقوال على جهاز الحاسوب قال لي أنت كذاب” قال أحمد. وقال مهند للمحقق: “اُتهمت بأنني ضربت رأس مستوطن بحجر، وأن أبقاره اختلطت مع أغنامنا، وأن المستوطنين جاؤوا للفصل بيننا، ولكنني لم أوافقه على ذلك، ولم يكن هنالك أصلاً أبقار”.
حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، تم نقل أبناء العائلة إلى منشأة اعتقال عسكرية في قاعدة للجيش في حوارة بالقرب من نابلس، وكما قال محمد ومهند “كان الجو بارداً في الغرف، وليس هنالك ما يكفي من بطانيات، وكانت الحنفية تسرب الماء والأرضية رطبة. كانت الحمامات في الخارج، وكان يتوجب انتظار أن يسمع الجندي ضرباتنا على الباب ليفتح الباب. كنا نخرج إلى الساحة 3 مرات في اليوم، مرتين لمدة نصف ساعة، ومرة في الظهر لساعة، وفي فترات الانتظار كنا نأكل الأكل الذي يتركه لنا الجنود خارج الباب، ولكن كان هنالك قطط تقترب من الصحون. في النهاية، أكلنا الخبز فقط”.
الثلاثاء، تم نقلهم إلى المحكمة العسكرية في عوفر، الواقعة غربي رام الله، وحينئذٍ أبلغهم الجنود أن هنالك بلبلة: وستعقد جلسة تمديد الاعتقال في الغد. تم نقلهم مقيدين ومعصوبي الأعين إلى منشأة اعتقال عسكرية في “غوش عتصيون”. في اليوم التالي، الأربعاء تم نقل 3 منهم إلى المحكمة العسكرية. بقي العم محمد في “عتصيون” لعدم وجود مكان في السيارة التي نقلتهم. مثلتهم المحامية رهام نصرة. لقد عرضت الفلم الوحيد الذي كان لديهم، والذي تمكن إسماعيل من إرساله والذي يظهر التراكتور الصغير وهو يتقدم نحوه ويحمل رقم رخصة 51575102.
قدمت المحامية نصرة وثائق طبية عن الإصابات: حذيفة تحت الجبص، والباقون يعانون من إصابات وكدمات. لم تقدم الشرطة أي دليل يؤيد ادعاء المستوطنين بأن إسماعيل وأقاربه هم من هاجموه، وأطلق القاضي المقدم يئير ليحم سراح الـ 4، وعارضت نصرة طلب الشرطة بأن يدفع كل منهم 1000 شيكل كفالة: “تعرض إسماعيل لإصابات في الأذن، ومحمد مع قطب في الرأس، وهذه إصابات وقعت بعد أن اعتقلوا”، قالت القاضي بأنه لا يتوجب عليهم دفع كفالات، ولكن القاضي وضع شرطاً ألا يقتربوا من المرعى الذي هاجمهم فيه المستوطنون لمدة الـ 30 يوماً القادمة، وهذا بالضبط ما أراد المعتدون تحقيقه منذ البداية: أن يقلصوا مساحات رعي الأغنام للسكان الفلسطينيين قدر الإمكان.
وورد من الشرطة: “فوراً لدى تلقي التقرير عن الحادث، تم إرسال قوات شرطة إلى المكان، ولدى وصولهم قاموا بعملية فحص مع من له علاقة، وخلال ذلك تم احتجاز 4 ومن ثم أطلق سراحهم، و4 آخرين اشتبه بقيامهم بالاعتداء اعتقلوا وأُحضروا إلى المركز، خلال التحقيق طرحت ادعاءات باعتداءات متبادلة؛ لهذا استدعي عدد من المشاركين الآخرين للتحقيق. ما زال التحقيق جارياً، وسنواصل التحقيق بصورة جذرية، بهدف الوصول إلى الحقيقة”. ولم يجب المتحدث باسم الشرطة عما إذا كان قد اعتُقل مواطنون إسرائيليون.
وردنا من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “في 25 كانون الأول، ورد تقرير حول احتكاك بين مستوطنين وفلسطينيين… قوات من الجيش الإسرائيلي التي وصلت للمكان فصلت بين الطرفين واحتجزت المشاركين المشبوهين حتى وصول الشرطة. وكل ادعاء يقول إن الجيش يؤيد عنف المستوطنين ويسمح به هو ادعاء كاذب ويجانب الحقيقة. سيواصل الجيش الإسرائيلي العمل لاجتثاث العنف في المنطقة، ويمكّن من سير الحياة الروتينية الآمنة في المنطقة لكل السكان”.
بقلم: عميرة هاس
هآرتس 2/1/2022