المسجد‭ ‬فضاء‭ ‬ثقافيا

هذا‭ ‬موضوع‭ ‬شائك‭ ‬محفوف‭ ‬لاشكّ‭ ‬بمحاذير‭ ‬شتّى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬دينيّة‭ ‬بالأساس،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬سياسيّة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬الخوض‭ ‬فيه،‭ ‬ونحن‭ ‬جميعا‭ ‬نشهد‭ ‬ونعيش‭ ‬من‭ ‬التغيّرات‭ ‬والانقلابات‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬وفي‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬فضاءاتنا‭ ‬مقدّسة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مقدّسة؛‭ ‬وهي‭ ‬كلّها‭ ‬فضاءات‭ ‬للعيش‭ ‬معا،‭ ‬تتّسع،‭ ‬وتعبّر‭ ‬تعبيرا‭ ‬صريحا‭ ‬أو‭ ‬مضمرا‭ ‬عن‭ ‬شك‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬فاعلية‭ ‬القيم‭ ‬المتوارثة‭ ‬وفي‭ ‬جدواها،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬انفصام‭ ‬رهيب‭ ‬في‭ ‬شخصياتنا‭ ‬إذ‭ ‬نتأرجح‭  ‬بين‭ ‬أوضاع‭ ‬وحالات‭ ‬شتّى‭: ‬انعزال‭ ‬نسبيّ‭ ‬أو‭ ‬شغف‭ ‬بالتقاليد‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الهوس،‭ ‬وانفتاح‭ ‬قويّ‭ ‬مُشرع‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الغربي؛‭ ‬أو‭ ‬سيادة‭ ‬التفكير‭ ‬العلمي‭ ‬العقلاني‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬التفكير‭ ‬الغيبي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بسطوته‭ ‬وفتنته‭

  لم تتهيّأ للمسجد  الفرصة لتعديل ساعته، والسير في اتجاه حديث لا يتعارض وقداسته أو ما نسمّيه «هويّة ثقافيّة»

. ‬وعلى‭ ‬رواج‭ ‬مفردات‭ ‬الثقافة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬فضاءاتنا،‭ ‬فإنّ‭ ‬المسجد‭ ‬لم‭ ‬تتهيّأ‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬فرصة‭ ‬تعديل‭ ‬ساعته،‭ ‬والسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬حديث‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬وقداسته‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬نسمّيه‭ ‬‮«‬هويّة‭ ‬ثقافيّة‮»‬‭. ‬إنّ‭ ‬مجال‭ ‬‮«‬العيش‭ ‬معا‮»‬‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬مبادئ‭ ‬هي‭ ‬عهود‭ ‬ومواثيق،‭ ‬وفي‭ ‬عدم‭ ‬الإيفاء‭ ‬بها‭ ‬يتصرّم‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬شكّ‭.‬

وممّا‭ ‬يزيد‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬حدّة‭ ‬الوضع‭ ‬العالمي‭ ‬المعقّد،‭ ‬وظهور‭ ‬الإسلاموفوبيا،‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬يشحذ‭ ‬في‭ ‬الشعور‭ ‬الجمعي‭ ‬رماد‭ ‬التناقض‭ ‬القديم‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هما‭ ‬عالمان‭ ‬منفصلان‭ ‬مختلفان‭ ‬متعارضان‭ ‬في‭ ‬السجايا‭ ‬والخصال‭ ‬والقيم‭ ‬الجوهريّة؛‭ ‬ويذكي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭. ‬والمسألة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تختزل‭ ‬في‭ ‬العبادات،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بالدولة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدينيّة‭ ‬وصيانتها‭ ‬والإنفاق‭ ‬عليها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬‮«‬السياسي‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحزبي‭ ‬الضيق‭ ‬للكلمة‭ ‬فهذه‭ ‬أمور‭ ‬لها‭ ‬منابرها‭ ‬وفضاءاتها‭.‬

يمكن،‭ ‬من‭ ‬ثمّة،‭ ‬أن‭ ‬يلتبس‭ ‬أمر‭ ‬‮«‬الفضاء‮»‬‭ ‬بـ‮«‬المكان»؛‭ ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬الظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬دعوة‭ ‬لاستحداث‭ ‬صيغ‭ ‬وجود‭ ‬وصيغ‭ ‬معرفة‭ ‬غير‭ ‬مألوفة‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬تتعارض‭ ‬والسنن‭ ‬والتقاليد‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تهدأ‭ ‬الأخلاط،‭ ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬انبرى‭ ‬خطاب‭ ‬الحداثة‭ ‬بمفهومه‭ ‬المعرفي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬الأشمل‭ ‬يثبّتُ‭ ‬مقولات‭ ‬مثل‭ ‬العقلانيّة‭ ‬والعَلمانيّة،‭ ‬وشتّى‭ ‬النظريات‭ ‬والمذاهب‭ ‬تسحب‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬على‭ ‬مضامينها‭ ‬ومنجزاتها،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬تعارضها‭ ‬وتدحضها‭. ‬بيْد‭ ‬أنّه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬مقاصد‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬فرز‭ ‬الأخلاط،‭ ‬وإنّما‭ ‬قصارى‭ ‬الأمر‭ ‬تدارك‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬نسيناه‭ ‬من‭ ‬‮«‬فضائيّة‮»‬‭ ‬المسجد،‭ ‬وما‭ ‬اضطلع‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭. ‬بل‭ ‬لعلّه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ ‬بتأسيس‭ ‬الثقافة‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬بشتّى‭ ‬مفرداتها‭ ‬من‭ ‬علوم‭ ‬وآداب‭ ‬وفنون‭. ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬أحيل‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬أنا‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مسجد‮»‬‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬المعارف‭ ‬الإسلاميّة؛‭ ‬وما‭ ‬كتبه‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬‮«‬ضحى‭ ‬الإسلام‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بواسطة‭ ‬العربيّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتردّد‭ ‬فيها‭ ‬أصداء‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬الشرقي‭ ‬واليوناني‭ ‬والروماني‭. ‬ولكنّ‭ ‬المسجد‭ ‬فقد‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬أو‭ ‬أكثره،‭ ‬وصار‭ ‬فضاء‭ ‬ثقافة‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسها‭ ‬محاكاة‭ ‬ونسجا‭ ‬على‭ ‬منوال؛‭ ‬وكأنّ‭ ‬وعي‭ ‬التاريخ‭ ‬وعي‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ممّا‭ ‬تأصّل‭ ‬منذ‭ ‬انقلاب‭ ‬المتوكّل‭ ‬على‭ ‬المعتزلة‭ ‬عام‭ ‬232‭ ‬هـ،‭ ‬وتحديدا‭ ‬مع‭ ‬ابن‭ ‬قتيبة‭ ‬داعية‭ ‬مذهب‭ ‬السنّة‭ ‬والجماعة‭ ‬المحافظ،‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الأدبي‭ ‬والمعرفي،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ (‬التاسع‭ ‬ميلادي‭). ‬وفيه‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬تيميّة‭: ‬‮«‬كلّ‭ ‬بيت‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬تصنيفه‭ [‬ابن‭ ‬قتيبة‭] ‬لا‭ ‬خير‭ ‬فيه‮»‬‭. ‬وليس‭ ‬أدلّ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬سلطانه‭ ‬المعرفي‭ ‬المحافظ‭ ‬المبسوط‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬ممّن‭ ‬جاؤوا‭ ‬بعده‭ ‬بقرون‭. ‬وليس‭ ‬هذا‭ ‬مجال‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬تشدّد‭ ‬ابن‭ ‬قتيبة،‭ ‬وفي‭ ‬مطاعنه‭ ‬على‭ ‬الجاحظ‭ ‬المفكّر‭ ‬الساخر‭ ‬الذي‭ ‬يشبّهه‭ ‬ميتز‭ ‬بفولتير،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬أدبه‭ ‬امتدادا‭ ‬لابن‭ ‬المقفّع،‭ ‬وتفاعلا‭ ‬خصبا‭ ‬مع‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬أي‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭: ‬الهند‭ ‬وفارس‭ ‬واليونان‭.‬

كلّنا‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الطابع‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬مجازا‭ ‬‮«‬روح‭ ‬العصر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭. ‬وليس‭ ‬أدلّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تغليب‭ ‬قيمة‭ ‬الاستعمال‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬التبادل،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬القرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬نفسه‭ ‬والقرار‭ ‬المجتمعي‭ ‬بشكل‭ ‬عامّ،‭ ‬مرجعيته‭ ‬الثقافيّة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقتضي‭ ‬تطوير‭ ‬المفاهيم‭ ‬الثقافية‭ ‬بحيث‭ ‬نتجنّب‭ ‬النظرة‭ ‬‮«‬الثقافوية‮»‬‭ ‬المبتورة‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬المكان‭ ‬والفضاء‭: ‬واحد‭ ‬مندمج‭ ‬بشكل‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الثقافي‭ ‬الحضاري‭ ‬أو‭ ‬يكاد،‭ ‬وآخر‭ ‬منغلق‭ ‬هو‭ ‬المسجد‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬دارت‭ ‬في‭ ‬رحابه‭ ‬سجالات‭ ‬العلماء‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والكتّاب‭ ‬والشعراء؛‭ ‬بل‭ ‬نشأت‭ ‬المذاهب‭ ‬جميعها،‭ ‬بل‭ ‬حدث‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬ينافي‭ ‬قداسته،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬ساقه‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬السيوطي‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬‮«‬التحدّث‭ ‬بنعمة‭ ‬الله»؛‭ ‬بما‭ ‬يذكّر‭ ‬بفضاء‭ ‬الكنيسة‭ ‬حديثا‭ ‬وقديما‭. ‬فقد‭ ‬ساق‭ ‬دون‭ ‬أيّة‭ ‬مواربة،‭ ‬وصفا‭ ‬دقيقا‭ ‬للمكان‭ ‬وقد‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬‮«‬سيئ‭ ‬السمعة‮»‬‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬خلق‭ ‬كثير‭ ‬‮«‬على‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الفساد‭… ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬المسجد‭ ‬ينتظرون‭ ‬انتهاء‭ ‬النوبة‭ ‬لهم‭…‬‮»‬‭.‬

كان‭ ‬معاوية‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سفيان‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬عيّن‭ ‬قاصّا‭ ‬رسميّا‭ ‬للدولة‭ ‬هو‭ ‬سليم‭ ‬بن‭ ‬عتر‭ ‬التجيبي

على‭ ‬أنّنا‭ ‬نحبّ‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬ناحيتين‭: ‬نشأة‭ ‬فنّ‭ ‬القص‭ ‬في‭ ‬المساجد،‭ ‬وسيرة‭ ‬الحكيم‭ ‬الفذّ‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭. ‬والأولى‭ ‬دارت‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬ثقافي‭ ‬كما‭ ‬يبيّن‭ ‬محمد‭ ‬أركون،‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬مفردات‭ ‬المعيش‭ ‬واليومي‭ ‬والدنيوي‭ ‬عامة؛‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬وأدب‭ ‬وتاريخ‭ ‬ومغازي‭ ‬واقتصاد‭… ‬في‭ ‬أهميّة‭ ‬مفردات‭ ‬الدين‭ ‬نفسها‭. ‬وكان‭ ‬معاوية‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سفيان‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬عيّن‭ ‬قاصّا‭ ‬رسميّا‭ ‬للدولة‭ ‬هو‭ ‬سليم‭ ‬بن‭ ‬عتر‭ ‬التجيبي؛‭ ‬لما‭ ‬صار‭ ‬للقصّ‭ ‬من‭ ‬حظوة‭ ‬عند‭ ‬العامّة،‭ ‬وانتشاره‭ ‬بعد‭ ‬الفتنة‭ ‬الكبرى‭. ‬وربّما‭ ‬سعت‭ ‬الدولتان‭ ‬الأمويّة‭ ‬والعبّاسيّة،‭ ‬بهذا‭ ‬‮«‬الأدب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أرثوذكسيّة‭ ‬دينيّة،‭ ‬وثقافة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تثبّت‭ ‬دعائم‭ ‬ملكهما،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬السلطة‭ ‬السياسيّة‭. ‬وكان‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الأدب‮»‬‭ ‬وقتها‭ ‬فضفاضا؛‭ ‬فكلمة‭ ‬أدب‭ ‬التي‭ ‬نديرها‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬ألسنتنا‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬اليسر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬دائما‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الاصطلاحي‭ ‬الإنشائي‭ ‬المبذول‭ ‬الذي‭ ‬يختصّ‭ ‬به‭ ‬صنف‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭: ‬الأدب‭ ‬الجميل‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬الرفيعة‭. ‬إنّما‭ ‬كانت‭ ‬الكلمة‭ ‬تعني‭ ‬السلوك‭ ‬والأخلاق‭ ‬والتأديب‭.‬

وأمّا‭ ‬الثانية‭ ‬فهي‭ ‬مفارقة‭ ‬لا‭ ‬نخالها‭ ‬إلّا‭ ‬مثيرة،‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬عندنا،‭ ‬عندما‭ ‬استحكم‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الحكمة‭ ‬والشريعة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬المسجد،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬عندما‭ ‬احتدم‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬الرشديّة‭ ‬وخصومها‭ ‬واضطرت‭ ‬الكنيسة‭ ‬عام‭ ‬1271م‭ ‬وعام1277م،‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬لائحة‭ ‬تدين‭ ‬الطروح‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬‮«‬الرشديّة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعارض‭ ‬العقيدة‭ ‬المسيحيّة‭ ‬أو‭ ‬تناقضها،‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬الحاصلة‭ ‬من‭ ‬تأويل‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وأتباعه‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬المدرسيّين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬اللاتيني،‭ ‬لفلسفة‭ ‬أرسطو‭. ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتصوّر‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬ذلك‭ ‬المسلم‭ ‬المالكي‭ ‬بدور‭ ‬رائد،‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الغرب‭ ‬ومعتقداته‭ ‬الدينيّة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭(‬م‭)‬،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬إلاّ‭ ‬لأرسطو؟

وهو‭ ‬ليس‭ ‬فيلسوفا‭ ‬فحسب‭ ‬وإنّما‭ ‬هو‭ ‬طبيب‭ ‬وقاض‭ ‬أيضا‭ ‬وعالم‭ ‬بالشعر‭ ‬والرياضيات‭ ‬والفلك،‭ ‬ولم‭ ‬يقدّم‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬الحكمة‭ ‬على‭ ‬الشريعة،‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬أحكم‭ ‬الصلة‭ ‬بينهما‭. ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬أنّ‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬كليهما،‭ ‬يتعلّق‭ ‬بحقيقة‭ ‬واحدة‭.‬

لا‭ ‬رأي‭ ‬مستوثق،‭ ‬ولا‭ ‬تصوّر‭ ‬متناضج‭ ‬حدّ‭ ‬الإفحام‭. ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬تتشاكل‭ ‬المنظومات‭ ‬وتتجانس،‭ ‬لولا‭ ‬فسحة‭ ‬الـتأويل‭ ‬تسوّغ‭ ‬الاستئناس‭ ‬بمقولة‭ ‬التأصيل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬وتستنكر‭ ‬إقحامها‭ ‬في‭ ‬تلك‭. ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬مصطلح‭ ‬التأويل‭ ‬نفسه‭ ‬ذو‭ ‬سياق‭ ‬مضلّل‭ ‬مراوغ،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬قرين‭ ‬‮«‬التأصيل‮»‬،‭ ‬إذا‭ ‬نحن‭ ‬أخذنا‭ ‬بالاعتبار‭ ‬جذر‭ ‬كلّ‭ ‬منهما‭: (‬أ‭.‬و‭.‬ل‭) ‬و‭(‬أ‭.‬ص‭.‬ل‭). ‬وكلّ‭ ‬تفكير‭ ‬معقود‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المقولة،‭ ‬تميد‭ ‬من‭ ‬تحته‭ ‬المراجع‭ ‬ويضطرب‭ ‬التنظير‭. ‬فالتأصيل‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬عن‭ ‬الوجود،‭ ‬ونحن‭ ‬نقصد‭ ‬به‭ ‬جملة‭ ‬المعاني‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تبلورت‮»‬‭ ‬مفهوما‭ ‬لحظة‭ ‬الحداثة‭ ‬ـ‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬الحداثات‭ ‬ولحظاتها‭ ‬ـ‭ ‬وإنّما‭ ‬نعني‭ ‬تخصيصا‭ ‬لحظة‭ ‬الحداثة‭ ‬الفلسفيّة،‭ ‬طالما‭ ‬أنّها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬استوعبت‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتهيّأ‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬قراءاتنا‭ ‬ـ‭ ‬قِران‭ ‬النقد‭ ‬والتأسيس،‭ ‬وعَقَدَتْ‭ ‬مهمّة‭ ‬هذا،‭ ‬مثلما‭ ‬عَـقَـدَتْ‭ ‬مهمّة‭ ‬ذاك‭ ‬على‭ ‬العقلانيّة‭ ‬دون‭ ‬سواها‭.‬

ليس‭ ‬شأننا‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬أصل،‭ ‬فمثل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬هو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬صديقنا‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العالي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يؤسّس،‭ ‬إنّه‭ ‬يربك‭ ‬ما‭ ‬ندركه‭ ‬ثابتا،‭ ‬ويحرّك‭ ‬ما‭ ‬نفترضه‭ ‬ساكنا،‭ ‬ويجزّئ‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬موحّدا،‭ ‬ويفكّك‭ ‬ما‭ ‬نعتبره‭ ‬متطابقا‭. ‬تقصّي‭ ‬الأصول‭ ‬والحالة‭ ‬هذه‭ ‬هو‭ ‬التقويض‭ ‬الدائم‭ ‬لهويتنا،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬نسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬وإخفائها‭ ‬تحت‭ ‬قناع،‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬إلا‭ ‬محاكاة‭ ‬ساخرة‭: ‬فالتعدّد‭ ‬يقطنها‭ ‬ونفوس‭ ‬عدّة‭ ‬تتنازع‭ ‬داخلها‭ ‬والمنظومات‭ ‬تتعارض‭ ‬فيها‭ ‬ويقهر‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‮»‬‭.‬

وعليه‭ ‬فإنّ‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬فضاء‭ ‬ثقافيّا‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬من‭ ‬مكتبات‭ ‬حديثة‭ ‬تضمّ‭ ‬كلّ‭ ‬صنوف‭ ‬الآداب‭ ‬والعلوم‭ ‬والفنون،‭ ‬وليس‭ ‬مجرّد‭ ‬بيت‭ ‬للصلاة،‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تهيئة‭ ‬الحاضر‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الحال‮»‬‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يسمّيه‭ ‬أسلافنا،‭ ‬للمستقبل؛‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬أو‭ ‬سيرورة‭ ‬أو‭ ‬طريقة‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬مختلف‭ ‬الإمكانات‭ ‬القابلة‭ ‬للتحقّق،‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنهض‭ ‬على‭ ‬إحكامات‭ ‬وتراتيب‭ ‬وإصلاحات‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تجري‭ ‬مختلف‭ ‬مفارقات‭ ‬الوجود‭ ‬البشري‭. ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬نبدأ‭ ‬في‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬لاختبار‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفعله‭: ‬هنا‭/‬الآن‭.‬

‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬البعيد‭ ‬زمانا‭ ‬يخدم‭ ‬القريب‭ ‬زمانا،‭ ‬ويمنحه‭ ‬أفقا‭ ‬ويضفي‭ ‬عليه‭ ‬معنى؛‭ ‬فإنّ‭ ‬كلّ‭ ‬فعاليّة‭ ‬مستقبليّة‭ ‬تعني‭ ‬أنّ‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬مكتوبا‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬القدر‭. ‬إنّما‭ ‬هو‭ ‬صنيعنا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬صانعنا‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية