المسرح الملحمي فضاء مفتوح للتساؤل والتأمل في الهموم المحلية: هل يستعيد دوره التنويري؟

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

في تصوره للمسرح الملحمي، لم يقدّم برتولد بريخت (1898- 1956) وصفة جاهزة بقدر ما طرح رؤية للعالم المسرحي بوصفه مختبرًا فكريًا يتقصى أزمات الإنسان الحديث، ويقاوم استلاب الوعي تحت وطأة الأيديولوجيات والسلطة. من هنا، فإن المسرح الملحمي يصبح ملحًّا حين تتحول الخشبة إلى مساحة مقاومة، وحين يستدعي الواقع الاجتماعي والسياسي قراءة نقدية ترفض التلقين العاطفي أو الاستغراق في العاطفة الجمالية المجردة. في لحظات الأزمات الاقتصادية أو الحروب أو تبدل البنى الاجتماعية، يصبح المسرح الملحمي ضرورة لأنه يواجه المتفرج بأسئلته، ويمنحه فرصة المشاركة العقلانية في فهم الواقع بدل الاستسلام لسطوة الحبكة الدرامية أو إغواء المشهدية.
إن المسرح الملحمي، في عمقه، ليس مجرد تقنيات تغريب أو كسر للجدار الرابع أو تعليق للأحداث، بل هو مشروع فكري يعيد تعريف وظيفة المسرح: من الترفيه إلى التنوير، ومن المتعة العابرة إلى التأمل الجدلي. وحين يصبح المجتمع في حالة استلاب أو استكانة إلى الخطاب الواحد، يتوجب على المسرح الملحمي أن ينهض، لأنه يخلق مسافة بين المتلقي والعمل، ويتيح إمكانية التساؤل: لماذا يحدث هذا؟ وما البديل؟ وما موقفي أنا كمتفرج لا كمتلق سلبي، أمام هذه المأساة أو هذه الكوميديا؟
والمسرح الملحمي الذي اجترحه بريخت يصبح تجربة تفرض نفسها على الواقع المسرحي عندما تقتضي اللحظة التاريخية والفكرية مقاربةً فنية تتجاوز الترفيه إلى الفعل النقدي والوعي الجمعي، وعندما يعجز المسرح التقليدي- بميله نحو الإيهام وتغريب المتفرج في عالم افتراضي- عن تأدية دوره في مساءلة الواقع وكشف تناقضاته. ففي أزمنة التحولات الكبرى، حين يتفكك المعنى السائد وتنهار السرديات المسيطرة، يظهر المسرح الملحمي كضرورة فنية، لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الفن والواقع، ويقترح مقاربة جديدة تقوم على كسر التماهي، وزعزعة التلقي، واستفزاز المتفرج للتفكير بدل الانغماس في العاطفة.
كذلك، حين تصبح الأسئلة الكبرى حول العدالة والسلطة والحرية والطبقية معلقة، وحين يغدو التاريخ ذاته مادة للصراع والتأويل، يفرض المسرح الملحمي حضوره، لأنه لا يقدّم أجوبة جاهزة بل يطرح الأسئلة ويؤجل الحلول، معلنًا أن المسرح ليس ملاذًا للهروب بل فضاء للتفكير، وفي زمن تسيطر فيه ثقافة الاستهلاك، والإنتاج البصري المفرط، وتغدو فيه الأعمال الفنية مجرد سلع عابرة، يصبح ضرورة لأنه يعيد الاعتبار للعقل، ويدعو المتفرج ليكون شاهدًا ناقدًا، لا مستهلكًا مندهشًا.

سؤال جوهري

لماذا المسرح الملحمي في المنطقة العربية تراجع بسرعة كبيرة ولم يتمكن من أن يجذر ملامحه؟
حين نحاول قراءة السؤال، نجد أنفسنا أمام سؤال مركب، تتداخل فيه الأبعاد الجمالية والاجتماعية والسياسية. فالمسرح الملحمي، بما هو مشروع فكري وجمالي، كان بطبيعته مرهونًا بوعي جماعي يدرك قيمة النقد ويؤمن بأن المسرح أداة تغيير لا مجرد وسيلة تسلية. غير أن هذا الشرط الفكري لم يتحقق بعمق في معظم البيئات العربية، حيث ظل المسرح في كثير من الأحيان محاصرًا بثنائية الفن الترفيهي أو الخطابي المباشر، ما أعاق إمكاناته في التحول إلى فضاء جدلي قائم على النقد والسؤال.
في التأليف ظهر المسرح الملحمي في المنطقة العربية عبر تجارب فردية متقطعة، استلهمت تقنيات مسرح بريخت كما عند سعد الله ونوس، عز الدين المدني، بعض محاولات يوسف إدريس، لكنه لم يترسخ كمشروع جماعي مستمر، لأن البنى الفكرية التي تدعمه لم تكن مستقرة. لقد واجه المسرح العربي، في معظم مراحله، مأزقًا مزدوجًا: من جهة، غياب البنية التحتية الثقافية التي تحمي التجريب وتحتضن الأسئلة الكبرى؛ ومن جهة أخرى، هيمنة السلطة السياسية والرقابة، التي غالبًا ما خشيت من المسرح النقدي وحاصرته، ما جعل المسرحيات التي تميل إلى الخطاب السياسي المباشر أكثر رواجًا وسرعة في الانتشار، لكنها في الوقت ذاته، تآكلت بسرعة لأنها لم تنتج وعياً نقدياً عميقاً، بل ظلت أسيرة الشعارات واللحظة الراهنة.
إضافة إلى ذلك، اصطدم المسرح الملحمي في سياقه العربي بعقبتين رئيسيتين: الأولى، أن المتلقي العربي لم يكن مهيأ بالكامل لفكرة «التغريب» البريختي، بمعنى أن الجمهور غالبًا ما كان يذهب إلى المسرح بحثًا عن المتعة أو التماهي العاطفي، لا المشاركة الفكرية.
الثانية، أن المسرح العربي ذاته كان في صراع دائم مع أسئلة الهوية واللغة والمرجعية: هل يتجه إلى التراث ليستلهم صيغًا شعبية قريبة من الجمهور كما في مسرح الحكواتي أو الكوميديا الشعبية؟ أم إلى استلهام التجارب الغربية مثل بريخت؟ وفي هذا التيه، تراجع المسرح الملحمي لأنه بدا في كثير من الأحيان مستورداً أو معزولاً عن السياق الاجتماعي الذي لم يكن مستعدًا لتلقيه كحاجة، بل كصيغة تقنية عابرة.
ثم جاءت التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة- من الأزمات الاقتصادية إلى الحروب والنزاعات- لتفرض على المسرح العربي أولوية البقاء على قيد الإنتاج، في حين أن المسرح الملحمي بطبيعته عمل شاق يتطلب إعدادًا فكريًا مستمرًا، ووعيًا جماعيًا يعتبر المسرح مساحة للمساءلة، لا فقط للفرجة.
إن المسرح الملحمي لم يغِب في المسرح العربي لأنه تجربة فاشلة، بل لأنه لم يجد التربة الملائمة ليزهر، ولم يُحتضن كمشروع جماعي طويل النفس، بل ظل حبيس المحاولات الفردية، التي غالبًا ما انطفأت سريعًا تحت ضغط الرقابة، أو ذابت في زحمة التحولات السياسية والاجتماعية الطارئة. غابت المؤسسة المسرحية الداعمة، وغاب التعليم النقدي الذي يصنع جمهورًا متذوقًا لفعل التغريب والسؤال، فظل المسرح العربي أسيرًا لنموذجين: إما مسرح الإيهام والفرجة، أو المسرح المباشر الخطابي، وكلاهما نقيض لفكرة المسرح الملحمي كما حلم به بريخت.
لذا، يمكن القول إن تراجع المسرح الملحمي عربيا لم يكن نتيجة نقص في التجارب أو المواهب، بل نتيجة غياب الوعي الجماعي بضرورته، وغياب الحاضنة الفكرية والمؤسساتية التي كان يمكن أن تزرع بذوره وتجعله جزءًا حيًا من نسيج المسرح العربي، لا مجرد تجربة عابرة في دفتر التاريخ.

تجارب فردية عربية

وكما أشرنا حاول بعض المسرحيين العرب استلهام تجربة المسرح الملحمي وتطويعها للواقع المحلي، إلا أن هذه المحاولات، رغم أهميتها، ظلت محدودة ولم تستطع أن تؤسس لحركة مسرحية متجذرة. ففي أعمال سعد الله ونوس، خاصة في مسرحيته «الملك هو الملك»، نجد أثرًا واضحًا لفكرة التغريب البريختي. ومع ذلك، لم تتحول هذه المحاولة إلى تيار مستمر، بل ظلت جزءًا من مشروع ونوس الفردي. كذلك في أعمال عز الدين المدني، نجد حضورًا لفكرة المسرح الجدلي، حيث يستلهم شخصيات وأحداثًا من التاريخ العربي لطرح أسئلة معاصرة، إلا أن هذه المحاولة، أيضًا، لم تجد بيئة مسرحية مستعدة لاحتضان هذا النمط الفني، وظلت تدور في إطار التجريب الفردي. كما حاول يوسف إدريس في تجربته «الفرافير»، أن يكسر الإيهام التقليدي ويدخل المتفرج في لعبة المسرح، ومع ذلك بقيت هذه المحاولة معزولة في جزيرة أعمال إدريس، بدون أن تجد امتدادًا.
وفي لبنان لا يمكن إغفال محاولات روجيه عساف عبر فرقة الحكواتي، التي دمجت بين تقنيات السرد الشعبي وبعض ملامح المسرح الملحمي، لكنها ظلت محصورة في تجارب فردية، لم تتراكم بشكل كافٍ لتكوين تيار راسخ.
وفي العراق تأتي تجربة قاسم محمد لتشكل واحدة من المحطات المهمة لإدماج المسرح الملحمي في السياق العربي، خاصة أنه قدّم قراءة خاصة للمسرح الملحمي، ودمج تقنيات بريخت مع التراث الشعبي العراقي، خاصة في تجاربه داخل فرقة المسرح الفني الحديث. غير أن هذه التجربة، شأنها شأن مثيلاتها في المشرق العربي، ظلت أسيرة ظروفها السياسية والاجتماعية الخاصة، ولم تتحول إلى مدرسة قائمة أو مشروع مستمر، إذ اصطدمت بعوائق عديدة، من الرقابة إلى غياب الدعم المؤسسي، فضلاً عن كونها ولدت في بيئة مسرحية لم تكن مهيأة بالكامل لاستيعاب هذا النمط المسرحي النقدي والتفاعلي.
وفي المغرب، قدّم الطيب الصديقي أعمالًا وظّفت السرد التراثي ضمن إطار كسر الإيهام، متيحًا للمتفرج مساحة للتفكير بدلًا من الاستغراق في التماهي. وفي تونس، برزت أعمال توفيق الجبالي لتطويع المسرح الملحمي في معالجة قضايا سياسية واجتماعية حساسة، وكسر الإيهام عبر تقنيات التغريب واللوحات المسرحية المتقطعة، مع إدخال الأغاني والتعليقات المباشرة.
أما في فلسطين، فقد كان للمسرح السياسي الذي تأسس في سبعينيات القرن العشرين تأثير واضح من المسرح الملحمي، حيث كان المشهد المسرحي أداة لتذكير الجمهور بواقع الاحتلال والقهر اليومي، مع كسر الجدار الرابع وتحويل الجمهور إلى شريك في الفعل المسرحي.
وهذه المحاولات، رغم تراجعها، تبقى شاهدة على قدرة المسرح العربي على الانفتاح على التجارب العالمية الكبرى، وعلى إمكانية استلهامها وتطويعها، إذا ما توفرت الظروف الملائمة والدعم الثقافي والمؤسساتي. وربما يبقى السؤال مفتوحًا أمام الأجيال الجديدة من المسرحيين العرب: هل يمكن استعادة روح المسرح الملحمي في زمن التغيرات الكبرى والانفجارات الرقمية، وإعادة طرحه كمساحة للتفكير النقدي والجدل الحر، بدلًا من الاكتفاء بنسخ تجارب الماضي أو الانغماس في الترفيه الاستهلاكي؟
إن مستقبل المسرح العربي- إن أراد أن يستعيد دوره التنويري- لن يكون إلا بقدرته على إعادة ابتكار أدواته وتجديد صيغ تعبيره، وربما بالعودة إلى المسرح الملحمي، كفضاء مفتوح للتساؤل والتأمل، لا كقالب جاهز أو وصفة مسرحية مستوردة، بل كحالة إبداعية متجددة تتجذر في الهموم المحلية وتتشابك مع الأسئلة الكونية للإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية