يكاد يتفق الباحثون على أن أول عرض مسرحي عراقي كان بتوقيع هرمز نرسو الكلداني عام 1888 وقد حمل عنوان «نبوخذ نصر» حيث تم تقديمه في المدرسة الأكليركية بمدينة الموصل التابعة للآباء الدومنيكان، الذين كان لهم الفضل والسبق ليس في استنبات بذرة المسرح في العراق من خلال مدينة الموصل، بل في أنهم أول من أدخل ماكنة للطباعة، وأصدروا مجلات وكتبا باللغة العربية والسريانية وترجموا مطبوعات مكتوبة باللغة الفرنسية والإنكليزية.
وبعد مضي ما يقرب إلى قرن ونصف من الزمان على أول عرض مسرحي، واستمرار الإنتاج بما شهده من توسع في حلقات الاشتغال المسرحي، سواء من حيث عدد العاملين أو الفرق المسرحية أو المؤسسات الأكاديمية التي يتخرج منها سنويا أعداد كبيرة من المسرحيين، لابد من أن تطرح مجموعة أسئلة مهمة على سبيل المثال: إلى أين وصل المسرح العراقي مقارنة بمسارح الدول المتقدمة؟ هل تمكن العاملون فيه من أن يؤسسوا نظريات فلسفية في العرض من وحي تجربتهم؟ هل يمكن القول أن هناك مسرحا يحمل ملامح فنية لهوية عراقية؟ هل أفرز النشاط المسرحي بعد هذا التاريخ الطويل عن مُخرج له نظريته ومفاهيمه الخاصة بالشكل الذي يمكن القول بأنه علامة فارقة ورمزا ملهما للآخرين بأفكاره إلى خارج حدود البلاد؟ علما أن بعض الأسماء التي كنا نمجدها إلى فترة قريبة باعتبارها صاحبة مسرح خاص بها من حيث المفهوم، واقتفى أثرها أجيال من الشباب المسرحي، اتضح وبفضل الإنترنت واليوتيوب، أنها لم تأت بجديد، وأنها كانت تعيد إنتاج ما سبق أن شاهدته أثناء دراستها في أوروبا دون أن يكون لها إضافة تستحق التمجيد.
قد يكون السؤال الأهم الذي يتقدم على كل الأسئلة: إلى أي مدى تمكن المسرح العراقي في أن يبدي استعداده للاستجابة للتحولات التقنية المؤثرة والمهيمنة في حياة الإنسان، بالشكل الذي يمكن أن يتحول من فعل ثقافي بمنظومة وأدوات تقليدية إلى فاعل متماه مع حركية الزمن بتمظهراته التقنياتية الرقمية داخل الحياة الاجتماعية المعاصرة لتمتد تأثيراته وتفاعلاته خارج أطر التجمعات الثقافية التقليدية النخبوية؟
وإلى جانب ما قدمناه من تساؤلات، هناك أسئلة أخرى لا تقل عنها أهمية إذا ما توقفنا طويلا ونحن نتأمل الكم الهائل من العروض التي حفل بها تاريخ المسرح العراقي، والذي يدعونا إلى طرحها، ما نحمله من قناعة بأن المسرح العالمي كان شاهدا على متغيرات تقنية هائلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بعد أن هيمنت على الإنسان وسائل الإعلام والميديا والتقنيات الرقمية، ولم يعد أي واحد منّا قادرا على أن يتحكم بها مثلما هي باتت تتحكم بنا حتى أنها جعلتنا أسرى، ما يقرره عالمها الافتراضي من خيارات شملت كافة جوانب حياتنا الواقعية طيلة ساعات الليل والنهار، وما من أحد يستطيع أن ينكر اليوم بأن الحياة الواقعية أخذت تتراجع وتنهار حدودها وقيمها وآلياتها الإنسانية أمام الحياة الافتراضية، حتى أنها حلت بديلا عنها، وهذا ما كان له تأثير واضح في تراجع قائمة أولويات اهتماماتنا التقليدية الواقعية، والمسرح في مقدمة الأنشطة الإنسانية التي انعكس عليه هذا التأثير سلبيا على عكس فنون أخرى مثل السينما، التي استوعب العاملون فيها هذه التحولات التقنية الهائلة، وانسجموا معها بشكل لافت، وتمكنوا من توظيفها لصالحها بشكل مبهر، وبذلك حقق الفن السينمائي بفضلها ما كان يعد مستحيلا أو يصعب تحقيقه إلاّ في عالم الأحلام، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا هذه الأيام في النتاج السينمائي الجانح إلى الخيال العلمي والفنتازيا، حتى أنها باتت الأكثر شيوعا مقارنة بالأفلام التي تستجيب للبناء الواقعي.
في الجانب الآخر نجد أن العاملين في المسارح الغربية على وجه خاص أزاء هذه الإشكالية، يحاولون العمل على استيعاب هذه التحديات التقنية والتفاعل معها، حتى لا يصبحوا خارج حركة الزمن المتسارعة، بالتالي حتى لايفقدوا ما تبقى لديهم من جمهور، ونجحوا في عملية اللحاق والتماهي مع الزمن إلى حد كبير، ولعل أبرز مثال حديث على ذلك تجسد في العرض الفرنسي الأخير «كلكامش الأم – الأرض» للمخرج اللبناني الأصل الفرنسي الجنسية بيير أودي الذي تم تقديمه في مدينة لينتز النمساوية بتاريخ 10 أيلول (سبتمبر) 2022 ونُقل بشكل مباشر إلى جميع أنحاء العالم عبر منصة ستريم، وأتاح العرض لنا ولكل العاملين في المسرح العراقي ممن شاهده الإطلاع على مدى وحيوية التفاعل والتداخل بين التقنيات التقليدية للعرض المسرحي، وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الرقمية من تقنيات فديوية وصوتية ومساحات خيالية في تطبيقات الكرافيك.
يأتي كل هذا الجهد الذي أتيح لنا متابعته على الهواء مباشرة، في إطار سعي المسرحيين الغربيين إلى ردم الهوة بين أدوات وتقنيات المسرح التقليدية وما يحصل من تحولات هائلة في وسائط التفاعل الرقمي والميديا، بغية أن لا يصبح المسرح عاجزا ومتخلفا عن استقطاب المتلقي المعاصر، طالما أن المتلقي يبقى العنصر الثالث الأساسي في مثلث التجربة المسرحية إلى جانب المخرج والمؤلف، ولكي لا يتحول المسرح بأدواته وتقنياته إلى ما يشبه الموتيفات الفولكلورية التي لا نتجرأ على تغييرها أو تعديلها ونكتفي فقط بالدوران من حولها حفاظا على أصالتها، والمسرح ليس فولكلورا، طالما يستمد حضوره وتجدده شكلا ومحتوى من تفاعله مع الإنسان وما يواجهه من تحولات داخلية وخارجية مرتبطة بشكل أو بآخر بالحياة الواقعية، وبتأملاته وعذاباته وتفاعلاته مع التاريخ والحاضر والمستقبل، وهذا هو سر بقاء الدراما المسرحية عصية على الاندثار ومحتفظة بسحرها.
فإلى أي مدى يمكن للمسرح العراقي أن يصمد أمام هذه التحولات والتحديات التقنياتية التي أخذت تخطف منه جمهوره يوما بعد آخر؟
اتساع الخطوط الحمراء
منذ تأسيس أول فرقة مسرحية عام 1922 وكانت تحمل إسم «جمعية التمثيل العربي» واجه المسرح في العراق تحديات كبيرة وكثيرة، في مقدمتها الصراع مع السلطات السياسية التي كانت تتوجس خيفة من العروض المسرحية، خشية أن يتحول العرض إلى مادة تحرِّض المتفرجين وتدعوهم للتمرد عليها، وهذا الهاجس الأمني يشمل جميع الأنظمة والحكومات منذ العام 1921 وحتى هذه اللحظة. وإذا كان البعض يدعي بأن حرية التعبير بعد العام 2003 باتت مكفولة في العراق، ولم تعد هناك قوانين وإجراءات تمنع أي عرض، إلاّ أن الواقع يقول شيئا آخر غير هذا الادعاء، فبعد أن تغوَّلت سلطة رجال الدين والميليشيات والعشائر وتراجعت أمامها سلطة الدولة وقوانينها المدنية، فالخطوط الحمراء التي يتوجب على المسرح عدم الاقتراب منها اتسعت وتعددت بتعدد القوى المهيمنة على المجتمع، ولم تعد مقتصرة على النظام السياسي، بل لم يعد للنظام السياسي أي خطوط حمراء يضعها أمام المسرحيين، بعد أن صار بالإمكان انتقاد سياساته وانتقاد شخوصه وممارساتهم ابتداء من أعلى منصب وانتهاء بأصغر مسؤول، وما يتم تداوله من نقد وانتقاد قاسي في الحوارات السياسية على شاشات الفضائيات يكفي المسرح أن يمنحه الحجة لينأى بعيدا عن هذا المستوى من الخطاب المباشر، ويبحث عن آفاق تقنية جديدة تنقله الى مستوى آخر تدور في إطار التفكير الجمالي المنسجم مع حيوية الزمن وتوقيعاته التقنية.
وإذا كان المسرحيون قبل العام 2003 قد استطاعوا أن يحتالوا على رقابة السلطة وأجهزتها الأيديولوجية والأمنية، عبر الاتكاء على الترميز والتشفير في إيصال خطابهم الفني الذي يناهض خطاب السلطة، فإن هذه التقنية لم تعد تجد نفعا مع شعب فقد إجماعه الوطني وبات منقسما على نفسه، فتشظى إلى قبائل وجماعات إثنية وقومية ومذهبية متناحرة مع بعضها البعض، حتى اتسعت مساحة الشك والتخوين في ما بينها.
مسرح ما بعد الدراما
عام 1987 أطلق الباحث المسرحي الألماني أندريز فيرت مصطلح «ما بعد الدراما» وكان يقصد به أن «مسرح اللغة لم يعد قادرا على الصمود وسط عالم تسيطر عليه وسائل الإعلام والميديا، وأن مسرح ما بعد الدراما يأتي محاولة لاستيعاب التحولات وتجاوز اللغة التقليدية في العرض».
كما أجرى الألماني هانز تيس ليمان بحوثا على عروض مسرح ما بعد الدراما، في ثمانينات القرن الماضي فتوصل إلى أن «جميع العروض قدمت دراما تورجيا جربت كل شيء لإنتاج عروض فرجوية».
والسؤال الذي نطرحه هنا على الباحثين الأكايميين: أين هم من عروضنا المحلية؟ هل تقصوها؟ هل قرأوها؟ لماذا هناك عزوف من قبلهم عن الاقتراب منها وقراءتها في الدراسات والرسائل والأكاديمية؟ أليست هي الأَولى بالاهتمام من التجارب الأجنبية التي نالت الكثير من القراءات؟ وبغض النظر عن مستواها الفني مقارنة بالتجارب الأجنبية، ألا تفضي قراءتها أكاديميا إلى نتائج مهمة تكشف عن مناطق ضعفها الفني والتقني، وبنفس الوقت ستضع تصورات جديدة عما يمكن الاشتغال عليه من أفكار ومعالجات؟
وعلى ذلك نتطلع إلى أن تولي المؤسسات الأكاديمية هذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام، بغية التوصل إلى رهانات منهجية وتقنية حتى يكون لمسرحنا فرصة التماهي مع حركية الزمن.