المسلمون في بلاد العلمانية والعلمانيون في بلاد الإسلام؟

حجم الخط
0

زرت هولندا الأسبوع الماضي لأربعة أيام فقط، فبعد أن رد الله غربتي وعدت قبل سنتين ونيف إلى أرض الوطن بفضل ثورتنا الجليلة، اقتصرت زياراتي للبلد الأوربي الجميل الذي وفر لي الملجأ الآمن لفترة قاربت السبعة عشر عاما، على مدد قليلة بين الفترة والأخرى لا تزيد الواحدة منها عن أسبوع إن طالت، وتجد الحنين إلى الوطن والأهل غلبني وأجبرني هوى الخضراء على العودة سريعا.
و قد سررت في زيارتي الهولندية الأخيرة بلقاء الشيخ أبو القاسم الناعس أكثر من مرة، وهو رجل خمسيني سمح متدين صاحب لحية كثة يحسبه أغلب الناس أفغانيا، ويتعجبون غالبا عندما يخبرهم بأنه تونسي من أفريقية. وينتمي الشيخ الناعس لجيل المهاجرين التونسيين الذي يصفه الهولنديون بـبالعمال الضيوفب ممن قدموا إلى الأراضي المنخفضة أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي للعمل في ورشات إعادة الإعمار والبناء، لكنهم سرعان ما اندمجوا في المجتمع الهولندي واستقدم كثير منهم عائلته من بلده الأصلي، ليكونوا النواة الصلبة للجالية التونسية والعربية، وقد تناسلوا وتكاثروا حتى بلغوا ميلاد جيلهم الرابع حاليا.
غير أن الشيخ الناعس لم يكن اعاملا ضيفاب من النوع التقليدي، فهو رغم هجرته إلى هولندا سنة 1974، إلا أنه لم يأت البلاد عاملا في ورشة بناء أو مصنع، بل قدم إلى روتردام من باريس طالبا مغامرا سرعان ما ارتبط بفتاة هولندية اعتنقت الإسلام ولبست الحجاب والتزمت التزاما كاملا عن قناعة بشعائر الدين الحنيف، وأنجبت من الشيخ اقاسمب أربعة بنات وبنين، من بينهم اليوم الطبيبة وخريج إدارة الأعمال من جامعة اإيراسموسب أرقى الجامعات الأوربية وطالب العلم والقرآن. وتعود علاقتي بالشيخ الناعس إلى فترة يعدها أصعب فترات حياته، حين حمل في مطلع هذا القرن حلم إنشاء أول اثانوية إسلامية حكوميةب في هولندا وسائر البلاد الغربية، وقد نعته حينها كثير من المسلمين بالجنون، بل خذلته حتى جماعات الإسلاميين، ومن بينهم إسلاميون تونسيون كانوا في تلك البلاد من فئة اللاجئين السياسيين، لم يجدوا ما يقدمونه للرجل غير كلمات الإحباط والتثبيط، ونصائح عجفاء بأن لا يضيع وقته في رهان مستحيل.
وقد وجد في الرجل النصير، ربما لعصبية الدم والوطن فقد كنا معشر التونسيين قلة قليلة داخل الجالية العربية والإسلامية، وربما إيمانا مني بأن الدولة الديمقراطية والعلمانية التي اندمجت في أوساط نخبها الثقافية والسياسية وساهمت في ترجمة دستورها إلى لغة الضاد في نسخة معتمدة من المؤسسات الحكومية، لن تضيع حقوق المسلمين باعتبارها حقوقا دستورية مكنت غيرهم من مسيحيين ويهود وبوذيين وهندوس من إنشاء مستشفيات ومدارس وجامعات.
و لم أتردد في صحبة الشيخ الناعس إلى بعض القادة السياسيين ممن كنت أعرف، ومن بينهم أعضاء في البرلمان من أصل عربي ومسلم، كما كتبت في الصحافة المحلية والعربية مدافعا عن المشروع ومنوها بأحقيته وأهميته وقانونيته، ولم ينس الرجل لي هذه الصحبة وظل مدافعا عني أمام خصومي من الإسلاميين وغير الإسلاميين، ممن لم أرغب في خصومتهم أبدا، إنما كان ضيقهم بالنقد ومسارعتهم إلى التخوين والتفسيق والتكفير بليتهم المصاحبة إلى يومنا هذا، ولا أظن وصولهم إلى الحكم يغير من خصالهم غير الحميدة، بل لعله يزيدها تعفنا وتأججا.
و قد نجحت مساعي الشيخ الناعس بعون الله، وافتتحت الثانوية الإسلامية سنة 2000، وهي ممولة من خزينة الدولة الهولندية العلمانية مثلما يقتضي دستور البلاد، الضامن للصرف على التعليم بشقيه العلماني والديني، وقادت إلى تخريج آلاف التلاميذ من أبناء المسلمين، من عرب وترك وأمازيغ وهنود، وكانت أبوابها مفتوحة دون تمييز طائفي أو ديني أمام المسلمين سنة وشيعة، وأمام غير المسلمين أيضا، وكانت بشكل أو بآخر تشبه مؤسسها، الذي ينتمي إلى نوع من السلفية الجميلة، التي تناهض العنف ولا تؤمن بالإسلام السياسي، وتركز على الدعوة إلى الله بالحسنى، ولا تعمل فرض ما تعتقد أنه حقيقة على الآخرين، وهو ما أرى السلفيين في بلادنا في أمس الحاجة إلي تعلمه سريعا، وبعضهم يتحصن اليوم بجبالنا العالية لقتال إخوانه المسلمين وقتلهم وترويعهم، بدل مجاهدة النفس والإقبال على العلم والمساهمة في تنمية الخير العام وتنظيف شوارع المسلمين.
ففي هولندا البلد العلماني العريق الذي عشت فيه قرابة ثلث العمر، يوجد ما يزيد عن الألف مسجد ومركز إسلامي، كما أنشئت أربعون مدرسة ابتدائية وثانوية إسلامية حكومية ممولة بالكامل من المال العام، وأقيمت جامعات إسلامية من بينها جامعة روتردام الإسلامية التي درست فيها واحتفلت قبل أشهر بمرور خمسة عشرة سنة على تأسيسها، فضلا عن ثمانية نواب من أصل إسلامي في برلمان لا يزيد عدد أعضائه عن المائة والخمسين، وعشرات المستشارين البلديين في كبريات المدن الهولندية، من ضمنها روتردام العاصمة الاقتصادية التي يشغل منصب العمدة فيها ‘أحمد أبو طالب’ إبن المهاجر المغربي الذي جاء إلى البلد مراهقا وأصبح فيها وزيرا ثم شيخ مدينة يشار إليه بالبنان. هكذا هو وضع المسلمين في بلاد العلمانية، فماذا ترانا نقول عن وضع العلمانيين في بلاد المسلمين؟ تلك سيرة أخرى سنأتي على ذكرها في حينها.

‘ كاتب تونسي
مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي ـ لاهاي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية