غزة- “القدس العربي: منذ ساعات الفجر الأولى، يبدأ الحاج عبدالله عبد (75 عامًا) رحلته اليومية من خيمة النزوح في غرب خان يونس نحو مستشفى ناصر، محاولًا التغلب على أوجاعه المزمنة، متكئًا على عصا خشبية قديمة، وشبه أمل. يقطع المسافة التي تتجاوز 5 كيلومترات تحت شمس الصيف الغزية التي لا ترحم، وعيناه تتحاشيان النظر إلى أكوام الركام التي تذكّره بأن لا مستقرّ هناك، لا بيت، ولا شارع، ولا ظل.
على بوابة المستشفى، يقف في طابور طويل ممتد كالصبر، وحين يحين دوره يسأل عن جرعة الأنسولين أو أقراص الضغط التي يستحيل عليه مواصلة يومه دونها. لكن الإجابة غالبًا ما تكون بالنفي. النقص في الدواء أصبح مأساة مستمرة، والرجوع خالي الوفاض بات أمرًا معتادًا. يعود محمود إلى خيمته بخطى أبطأ من ذي قبل، يحمل معها وجعًا أكبر من مجرد مرض عضوي، إنه وجع الكرامة المهدورة.
داخل خيمته المهترئة، لا يجد سوى حصيرة وبعض الأغطية التي لا تصلح لصدّ برد الليل أو حرّ النهار. يجلس بصمت، ينظر في الفراغ، يتساءل كم مرة سيضطر للسير هذه المسافة من جديد، وكم مرة سيعود دون دوائه؟ بل كم مرة سيتحمّل جسده كل هذا العناء؟ الوجع لا يُختزل في أعراض الضغط أو ارتفاع السكر، بل يتمثل في شعور مستمر أنه مجرد “حمولة زائدة” على عالم يتساقط من حوله.
الليالي لم تكن أرحم من النُهُر. حين تهبط العتمة، ينكمش الحاج عبد الله داخل خيمته، يستمع إلى أنين أجسادٍ أخرى لأشخاص في مثل سنّه، تنهشهم الأمراض ولا تواسيهم حتى الكهرباء. تتجدد الأسئلة في صدره كل ليلة: من سيتذكّرنا؟ من سيأتي بدوائنا؟ من سيعيد إلينا سقفًا من الطوب بدل قماشٍ مثقوب؟
وفي كل مرة يغفو، يشعر أنه قد لا يصحو، لا لأن الموت قريب فقط، بل لأن الحياة في ظل هذا الواقع صارت بعيدة جدًا، موحشة جدًا، وقاسية إلى حد لا يطاق.
موت بطيء داخل الخيام
في قطاع غزة، يعيش أكثر من مئة ألف من كبار السن، وفق تقرير حديث صادر عن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في أيار / مايو 2025.
أولئك ليسوا مجرد أرقام صامتة في دفاتر الإحصاء، بل هم أرواح تئن في الظل، وأجساد تتآكل ببطء داخل خيام لا تليق بمن أنهكتهم السنون ولا تصلح لحماية من أكلت الحرب ما تبقى من أعمارهم. أكثر من 96% من هؤلاء يعانون أمراضًا مزمنة، لا يحتملون تأجيل علاجها أو تعذر الحصول عليه، ومع ذلك يضطرون إلى التكيف مع واقعٍ خالٍ من الغذاء الدواء والكهرباء والرعاية.
وسط هذه الأجواء الخانقة، يبرز الموت بوجهه البارد، لا على هيئة قصفٍ مفاجئ فقط، بل في صيغته الأبطأ والأقسى: الإهمال، النسيان، والعجز عن الوصول إلى جرعة دواء. ليس غريبًا أن تُسجل وزارة الصحة في غزة سقوط نحو 3839 شهيدًا من كبار السن منذ اندلاع الحرب في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 وحتى نهاية آذار / مارس 2025، وهو رقم يمثل ما يقارب 6.8% من إجمالي الشهداء الذين تجاوز عددهم حتى تموز/يوليو 2025 سقف الـ56.500 شهيد. هؤلاء لم يُقتلوا وحدهم تحت القصف، بل قضى كثيرٌ منهم بفعل الجفاف، وغياب الدواء، وتوقف الأجهزة الطبية، وانقطاع الكهرباء الذي عطّل برادات الأنسولين.
وما يزيد هذا الموت فجيعة، أنه غالبًا ما يمر بلا وداع ولا حتى إشعار، إذ لا تُوثّق أسماؤهم في نشرات الأخبار، ولا تُحفظ وجوههم في أرشيفات الصور. يموتون داخل الخيام كما يعيشون فيها: بصمتٍ ثقيل، وتحت خيوط نايلون مثقوبة لا تردّ حرًّا ولا تقي وجعًا. لا أحد يسمع صوت الحاج الذي أغمض عينيه جائعًا، ولا يعلم متى توقّف قلب الحاجة التي انتظرت قارورة دواء لم تأتِ.

السير فوق اللهيب
تحدث الحاج يوسف النجار، رجل مسن من مدينة غزة، عن معاناته اليومية التي تبدأ منذ شروق الشمس ولا تنتهي مع مغيبها. يقول بصوت متقطع ونظرات واجمة إنه يخرج كل يوم سيرًا على قدميه باحثًا عن نقطة مياه صالحة للشرب أو قطعة خبز تكفي زوجته المريضة وابنه المعاق. “لم نعد نطلب شيئًا كبيرًا، فقط ماء نقيا وأقراص ضغط تحمينا من السقوط المفاجئ”.
يروي الحاج يوسف خلال حديثه لـ«القدس العربي» أنه أُجبر على ترك منزله في حي الشجاعية بعد تعرضه للقصف، واتجه إلى رفح ثم إلى خيمة في خان يونس. قطع عشرات الكيلومترات خلال أيام قليلة، وهو في السبعينات من عمره، يُمسك ذراع زوجته بيد ويمسك قلبه باليد الأخرى. يقول إن التعب تسلل إلى عظامه ولم يغادر منذ ذلك اليوم، وإن جسده لم يعد قادرًا على مجابهة ما هو قادم، لكنه لا يملك خيارًا آخر.
ورغم هذا الإنهاك، لا يستطيع التوقف عن المشي، فكل ما يحتاجه لبقائه على قيد الحياة بات يتطلب مشيَ مسافاتٍ طويلة، من الماء إلى الدواء إلى الطعام. ومع ذلك، لا يحصل دائمًا على ما يطلب، وأحيانًا يعود بخفي حنين، لكنه يعود، لأنه لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه، ولا وقتًا ينتظر فيه الموت.
حين سألناه عن حالته الصحية، ابتسم بحزن وقال: “نسيت آخر مرة تناولت فيها دوائي كما ينبغي، أحيانًا أقطع القرص إلى نصفين، وأحيانًا أتناوله كل يومين… الموت أقرب مما تتخيل، لكنه لم يعد يخيفني”.
ليلة من دون دواء
في الجهة الأخرى من القطاع، تقيم الحاجة كوثر سليم في خيمة تقع على أطراف مخيم النصيرات. جلست على حافة فراشها الممزق، تحدق في سقفها القماشي المثقوب الذي لا يقيها حرّ النهار ولا برد الليل. تقول بصوت خافت إنها لا تنام ليلًا إلا قليلاً، إذ لا تجد الهواء ولا تجد الراحة، ويؤرقها خوفها الدائم من أن تنسى جرعة دوائها اليومية وسط كل هذا الفوضى.
تتحدث عن رحلة يومية إلى مركز طبي قريب، حيث تسير نصف ساعة كاملة بحثًا عن قرص واحد من دواء الضغط. أحيانًا تحصل عليه، وفي كثير من الأيام لا تجد شيئًا. يعود جسدها مرهقًا، وتجلس ساعات طويلة في الخيمة دون أن تتحرك. النعاس لا يزورها، ولا حتى النوم العميق. فقط القلق المتواصل، والدوخة التي لا تفارق رأسها.
تحاول تنظيم جرعاتها بتقليل الجرعة اليومية إلى نصفها، فتأخذ نصف قرص كل صباح وتحتفظ بالباقي لما قد يأتي من انقطاع طويل. تقول خلال حديثها لـ«القدس العربي» إنها أصبحت تحفظ نفسها عن ظهر قلب، وتعرف متى سيتوقف جسدها عن التحمل، لكنها تستمر في المقاومة، ليس لأنها قوية، بل لأن لا أحد آخر سيهتم بها إن سقطت.
عندما سألناها عن الأمل الذي تعيش عليه، أشارت إلى صورة حفيدها الصغير، الذي لم تره منذ بداية الحرب. تقول: “أريد فقط أن أعيش حتى أراه مرة أخرى.. حتى لو كنت بلا دواء”.

يذوبون في الأركان المظلمة
في تصريح لـ«القدس العربي»، تحدث إياد حلس، مدير “جمعية رعاية كبار السن في غزة”، بصوت يشوبه القلق والمرارة، قائلًا إن الأوضاع التي يعيشها المسنون في القطاع تُعد من أكثر الأزمات الإنسانية تجاهلًا وتهميشًا. ويؤكد أن هذه الفئة لم تكن مجهّزة أصلًا للتعامل مع الحروب، فكيف بها تصمد في حربٍ طويلة تجاوزت العشرين شهرًا دون غذاء كافٍ، أو دواء متوفر، أو حتى مكان مناسب للراحة.
ويقول حلس إن مئات المسنين يموتون بصمت كل شهر دون أن تصدر أي جهة بيانات رسمية توثقهم، وإن أغلبهم لا يدخل ضمن أرقام الشهداء لأنهم لم يُقتلوا بقصف مباشر، بل ماتوا من المرض أو العطش أو الحُزن. ويوضح أن الخيام لا تصلح حتى للشباب، فكيف لكبار السن أن يتحملوا الجفاف وحرارة تصل إلى الأربعين؟.
ويضيف: “نحن نناشد منذ شهور بفتح ممرات إنسانية عاجلة تتيح وصول الأدوية والمستلزمات الأساسية لكبار السن، لكن لا أحد يستجيب”.
ويختم بقوله إن غزة اليوم لا تودّع أطفالها فقط، بل تودع حكماءها وكبارها الذين بنوا هذا المجتمع، دون حتى أن تُمنح لهم لحظة وداع تليق بهم: “إنهم يذوبون في الأركان المظلمة… في الخفاء”.

نهاية تحت الرماد
في خضم هذه الحرب الطويلة، بات المسنون في غزة صورة نادرة في الرواية الإعلامية، رغم أنهم يواجهون واحدة من أقسى صور الانهيار الإنساني. ما بين حرّ الخيام، ونقص الدواء، والرحلة اليومية التي لا تُطاق، يعيشون على فتات الأمل. يخشون أن يُنسوا، أن يغيبوا في الظل، وأن يصبح وجودهم مجرد سطر في تقارير لا تُقرأ.
إنهم لا يطلبون الكثير.. فقط شيئا من الكرامة، ودواء لا ينفد، ومأوى لا يحترق، ويدًا تمتد إليهم لا لتجرّهم نحو النهاية، بل لتمنحهم الأمان.
ورغم كل شيء، لا تزال غزة تقاوم وفي زواياها الموجعة، يهمس المسنون كل يوم بصوت متعب: لسنا بقايا نحن التاريخ.