المصالحة الفلسطينية ولعبة الحاوي

حجم الخط
0

رُبّما تقتضي لعبة السياسة أحياناً، الاحتفاظ داخل الجراب، بالشيء ونقيضه، هذه اللُّعبة مارسها ‘أبو عمّار بإتقان’ طيلة فترة حياته السياسيّة، فاحتفظ بعلاقاتٍ جيّدة، مع الشرق والغرب، واليمين واليسار، وفي لبنان جمع حوله الحلفاء من كافّة الأطياف، وحتّى بعد توقيعه لاتّفاقيّة أوسلو، واظب على نفس النّهج تقريباً، ولم يُغيّر فيه كثيراً، فشكّل كتائب شهداء الأقصى، واحتفظ بحركة حماس تحت جناحه، وأبقاها داخل دائرة الولاء، ولعلّه لم يدرك تماماً، أنّه بعد أوسلو، أصبحت هذه اللّعبة من المحرّمات، في العيون الإسرائيليّة، أو أنّه أدرك ومع ذلك اختار المغامرة، مستنداً إلى رصيده الوطني، وتقدّم خطوةً أخرى فأشعل فتيل انتفاضة الأقصى، ورُبّما لم يُقدّر أن الأمور محتقنة، للدرجة الّتي ستحدث انفجاراً بهذا الحجم!
بطريقة ما، وضعت إسرائيل نهاية لحياته، ودفعت خلفه ‘عبّاس’للمشي بجانب الحائط، خشية أن يلاقي نفس المصير!
وما دام ذاك كذاك، فما الّذي يدفع بالرئيس عبّاس، إلى عقد مصالحة مع حماس ومواجهة الغضبين الإسرائيلي والأمريكي؟!
هذا السؤال يحتمل إجاباتٍ عديدة، واستناداً إلى فرضيّاتٍ معيّنة، أوّلُّها أنّ الرئيس عبّاس حصل على غطاءٍ أمريكي، أو هزّة رأس من الرئيس أوباما، الّذي ضاق ذرعاً بمسلك نتنياهو وتبجّحه، ويريد أن يضع على كتفه مزيداً من الضغط، باستخدام عبّاس كأداة، تصريحات وزيره كيري، عن تحوّل إسرائيل إلى دولة عنصريّة بإفشالها المفاوضات، تؤشّر في هذا الإتّجاه! كما تدُلّ على ذلك تصريحات محمود عبّاس ذاته الّذي شرب إكسير الشجاعة فجأة وأعلن رفضه القاطع للدولة اليهوديّة أو يهوديّة دولة إسرائيل!
وهذان السياقان متوافقان تماماً، فحديث كيري عن العنصرية يتساوق تماماً مع رفض عبّاس ليهوديّة الدولة!
الإحتمال الثاني:أنّ الرئيس عبّاس والرئيس أوباما، يهدفان من وراء هذه الخطوة، إدخال حماس إلى بيت الطاعة السياسي، وجذبها إلى دائرة الحوار، تماماً كما فعلت الإدارة الأمريكية من قبل، مع جيري آدامز، رئيس الجناح السياسي لجيش التحرير الإيرلندي، والّذي كان مصنّفاً أنذاك كمنظّمة إرهابيّة!
الإحتمال الثالث أن تكون دوائر البحث والقرار الأمريكيّة، قدّمت مشورتها للبيت الأبيض على أساس أنّه لا بدّ من القضاء على المطلب الإسرائيلي بالدولة الدينيّة في مهده، لأنّ مسايرته ستفتح أبواباً مغلقة، وتشجّع ما تسميّه أمريكا الإرهاب الإسلامي، على شرعنة مطلبه بالدولة الإسلاميّة، وفي ظل الإقرار لإسرائيل بيهوديّة الدولة، سيجد شعار الدولة الإسلاميّة أرضاً جديدة يقف عليها، ومسنداً يتكىء عليه لإحداث صدى جماهيري، على حساب الإسلام المموه والديمقراطي، والّذي خرج من معركته مثخناً بالجراح، بسبب تواطؤ أو تراخي السياسات الامريكيّة ذاتها، وتقاعسها الصارخ عن مؤزارته أو حتّى استخدامه وتوظيفه!
ومن هنا اختارت الولايات المتّحدة أخفّ الضررين، وتقديم أرخص القرابين، الدولة اليهودية، والّتي رُبّما لا تزيد في نظر الإدارة الأمريكيّة، عن بدعة من بدع نتنياهو، والّذي يكنّ له الرئيس أوباما ضغائن قديمة، ويسعى إلى تحجيمه، أما وقد تهيّأت الفرصة، فلماذا لا ينتهزها الرئيس أوباما، ولو من خلال مد اليد لحماس، ولو من تحت إبط الرئيس عبّاس!
من هنا يمكن تفسير شجاعة عبّاس في الإقدام على هذه الخطوة، وثقته واطمئنانه الباديان، في المضيّ بها قدماً! لحماس بطبيعة الحال حساباتها، فقد أرهقها الحصار والجوع، وفقدت كثيراً من شعبيّتها، ودبّ الخلاف غير المعلن بين قياداتها السياسيّة والعسكريّة، وفقدان التحالف الإيراني السوري، بفعل تغيّر ميادين المواجهة، جفّف موارد الدّعم العسكري، وأضحت المصالحة تمثّل لها مخرجاً وطنيّاً مشرّفاً، من هذه الضائقة الّتي وجدت نفسها فجأة داخل حلقتها الّتي تضيق أكثر وأكثر، بفعل الحصار المصري، عقب الإنقلاب على حكم الإخوان !
فكيف وقد جاء العرض من طرف السلطة الفلسطينيّة، فقد تلقّفته تلقُّف الملهوف وستمضي به حتّى النهاية من غير تردّد!
الكرة الآن تتدحرج بحرّية في الملعب الإسرائيلي، وقد بدأت إسرائيل، بالحصارالإقتصادي للسلطة، وحجز إيراداتها الجمركيّة الّتي تمثّل رافداً رئيساً لميزانيّتها! ولكنّ البديل متوفرمن خلال دعم ٍعربي يمُرّ عبر البوّابة المصرية، والّتي أعطت إشارتها واضحة في الإستعداد لبسط قبضتها تشجيعاً للوحدة، بإيعازٍ امريكي من جهة، وفي ظل انتخاباتٍ رئيسيّة، يأمل الإنقلابيّون أن يضفوا عليها نوعاً من الشرعية، أو لضمان دعمٍ أمريكي، أو على الأقّل غضٌ للطّرْف، وكبتٌ للصوت، لحين العبور بأمانٍ إلى الضفّة الأخرى وحينئذٍ سيكون لكُلّ حادثٍ حديث!
نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية