المصلى القوطي المشع في باريس وأسراره

حجم الخط
0

نموذج بارز من الإنشاءات القوطية المشعة التي تطورت منذ بدايات القرن السابع الميلادي في فرنسا – تاريخ ظهور الفن القوطي البدائي لأول مرة شمال باريس، في كنيسة «سان ديني»- هو المصلى المقدس أو «جوقة التراتيل» في «جزيرة الحي» في باريس، الذي تم تمتين بنائه إبان حكم الملك لويس التاسع ( 1226-1270) حيث كان يَعُد قبل ذلك مركز نفوذ مملكة كلوفيس الأول، أول ملوك فرنسا (ابن شيل دريك الكبير) منذ القرن السادس ميلادي، وذلك قبل تَحولِ مركز الحكم إلى قصر اللوفر، ثم إلى قصر فانسان، شرق باريس بسبب اِغتيال مستشاري الملك جون الثاني الملقب بالخير في 1358.
عظمة الإنشاء والجانب القدسي والديني المعتبر في أوروبا والعالم، جعله نقطة حج وإشعاع عالمي استغرق بناؤه أكثر من ست سنوات، إلى جانب جاذبية النمط الفرنسي المتميز والبعد الاعتباري الضمني في إشهار الديانة المسيحية، بعد أن كانت ديانة سرية لأكثر من ثلاثة قرون. كلها عناصر مهمة شكلت مع وجود مقر المراقب بمحاذاته (قصر العدالة الحالي) مركزا متقدما للتسيير، وجمع الضرائب وحل النزاعات والإشعاع المعماري والديني للتاريخ المسيحي حتى نهاية القرن الخامس عشر.

قام الملك لويس التاسع، الذي أصبح فيما بعد يسمى بالقديس لويس، والذي توفي في المملكة التونسية (حسب نظامها وتسميتها آنذاك) في 1270 ميلادية، قام بشراء بقايا وأغراض يسوع المسيح من ملك القسطنطينية (مركز حكم إمبراطورية الغرب الأوروبي بعد انهيار روما في 476 ميلادية) ومن ذلك التاج الشوكي المذنب، الذي كان يرتديه المسيح وقت صلبه، عدا عن عدد من الأغراض والملابس، إضافة إلى البعض من أدوات تعذيبه من طرف أصحاب الديانة – الأخرى – السائدة (اليهودية) حتى يرد الاعتبار لمملكة فرنسا المنقسمة آنذاك إلى عدة دويلات بأقاليم متفاوتة تصل إلى حدود أقصى شمال أوروبا، باعتماد حكم شبه مركزي (الأب يسير نفوذ أبنائه وحاشيته). وقد تجاوزت تكلفة «الروليكارReliquaire»(بقايا المسيح) تكلفة بناء الكنيسة نفسها، وهو سعي مدروس، يأتي في إطار نقل مركز الاهتمام الديني من القدس إلى باريس، حتى أن هذا التمشي سُمي بـ»القدس الموعودة» أو «القدس السماوية» وكان يعمل أساسا على رد الاعتبار للعالم الغربي في القرون الوسطى، لاسيما بعد اِنهيار الامبراطورية الرومانية وتحول مركز الثقل إلى الشرق (بيزنطة) وبالخصوص بعد سيطرة الجيوش الإسلامية على المقدسات، مع تحرير فلسطين من الاحتلال الروماني سنة 638 ميلادية. شكلت حقبة «لويس المقدس» (الذي سميت الجزيرة الصغيرة وسط باريس بكنيته) فترة اِزدهار روحي لم تدم طويلا، في ضوء تزايد التقاتل من أجل النفوذ والصراع على السلطة، ونتيجة لاِختلاف في الفهم الديني اليسوعي (توجد أربعة نسخ أناجيـل «كانونية» Canonique رسمية وعدد غير محدد من النسخ الموازية المسماة اصطلاحا «أبروكريف Apocryphes».

ما أدى إلى اِنتقال مركز الثقل إلى شبه الجزيرة الاِيبيرية وبالخصوص مدينتي «لوورد» و«سان جاك ديكومبـــــوستال» الواقعتين في منطقة «قاليسيا» شمال غرب إسبانيا كمركزين للإشعاع الديني والثقافي للحجيج المسيحيين، شهد توافدهم من عدة أصقاع قبل أن يفكر الملوك وأصحاب الجاه والثروة آنذاك في تحويل مركز الاهتمام إلى المشرق، أي القدس بالتحديد، حفاظا على مصالحهم ودرءاً لأخطار التطاحن والتقاتل، التي اِزدادت آنذاك نتيجة ِاختلافات دينية وصعوبات اِقتصادية وتكاثر الأوبئة. ما فتح المجال للحملات الصليبية منذ 1099 ميلادية.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية