المطابقة بين الخطي الصوتي في القراءة

أضاعت العربية على مدى أزمنة استعمالاتها كثيرا من التقابلات الصوتية التي كانت لها عند النطق قديما – لكن الكتابة التي هي تصوير للفظ بالخط على حد عبارة القدامى – حافظت على هذا التمييز. المجال الذي تدرس فيه علاقات المطابقة بين الخطي والصوتي يسمى الغرافو فونيتيك Grapho-phonétique وهو مجال يتقاطع فيه الصوتي في الخطاب المسموع أو الكلام والخطي في الكتابة. فعلى سبيل المثال فإن حرف التاء، وهي بلغة علماء الأصوات «صوتم» حرفي، لها في الكتابة تحققان مختلفان هما التاء المفتوحة والتاء المربوطة؛ ولا يعنينا في المربوطة هنا ما يقوله النحاة إنها إنما كتبت كذلك لأنها قد تنقلب هاء في الوقف، بل يعنيننا أن لها شكلين في التحقق عند الكتابة فهما بديلان خطيان على صوتم واحد.
ومن جهة أخرى، قد نجد تمثيلين لصوتمين مختلفين، لكنهما فقدا عبر العصور وفي إنجازات كثيرة وجوه تميزهما، وأبرز مثال لذلك الضاد التي في (ضياء) والظاء التي في (ظلام) صحيح أن بعض الإنجازات اللهجية العربية في هذا القطر العربي، أو ذاك، قد تميز بين الصوتمين، لكنه يظل تمييزا لهجيا لا نعرف في غياب الحجج المادية أكان هو التمييز القديم أم لا.
الإنجاز اللهجي للعربية أو لغيرها من اللغات، هو أن تسيطر طريقة الأداء الصوتي للهجة على الأداء الصوتي الحقيقي الذي يقضيه النطق في لغة لها باللهجات علاقة. فلا أحد يستطيع اليوم أن يبين لنا كيف كانت «العربية القُدمى» كما يقول سيبويه تنطق الأصوات التي ننطقها اليوم تحت تأثير نطقنا للهجاتنا العربية. فلتحديد معالم طريقة الأداء الصوتي لصواتم العربية المعيارية Standard Arabic فحتى الآثار القديمة، التي وصفت هذا الحرف أو ذاك، وضبطت مخارجه وصفاته ودرجات انفتاحه، قد تكون نقلت تلك المعلومات بالاعتماد على أداء لهجي قديم لتلكم الأصوات. وما دام الأمر يتعلق بأداء لهجي فلا شك أنه سيكون موضوع خلاف أدائي، مع عدد آخر من اللهجات يقل أو يكثر. حسب مقياس التواتر الأدائي هناك شكل نطقي سائدٌ للأصوات العربية، وشكل فرعي له؛ لكن هذا المقياس ليس عادلا لأنه يوزع النطق على جماعات لغوية غير متكافئة من جهة العدد. فمن الممكن أن تنطق جماعة لغوية واسعة العدد صوتا ما لا يعجب النحوي المقعّد، أو اللغوي الجماعة فيصدر في شأنه تقييما معياريا يلغيه، على الرغم من وفرة عدد المتكلمين به. ولنا أمثلة اليوم في لهجاتنا العربية لنطق بعض الأصوات نطقا ليس مطابقا للحرف العربي مثل القاف والجيم والثاء.
كثيرة هي الأخطاء التي يرتكبها التلاميذ في الكتابة لأنهم لم يحكموا الربط بين الخط والصوت. فتتسرب إلى بعض المتعلمين في مستويات متقدمة، نعني في مرحلة الإجازة وما بعدها أخطاء في التفريق بين الضاد والظاء، نتيجة لهذا التداخل بين الإنجازين؛ ويزداد الأمر تعقيدا عند وجود كلمات متشابهة في النطق مختلفة في الخط مثل (ظن: اعتقد) و(ضن: بخل) وما يزال العائق كبيرا أمام رسم الطلاب في المراحل المختلفة للهمزة، لأن هناك وحدة في الصوت وتعددا في تمثيله بالخط. وفي عصر الكتابة الرقمية في وسائل التواصل الاجتماعي اختلط الرسم المطابق للهجة مع الرسم المطابق للغة، فمثلا ترسم الذال زايا في اللهجات التي تطابق بين نطقيهما فـ(ذكريات) مثلا تصبح (زكريات) و(ثامر) يصبح (تامر) وقس عليهما بقية التحريفات. لا أحد يفكر اليوم في تغيير الكتابة لأنها الشكل الخطي الموحد الذي تجمع عليه الجماعات اللغوية إجماعا ترسخه المدرسة وتعاقب كل من خالفه وتسميه خطأ في الرسم. لكنها تتعامل مع الخطأ في النطق تعاملا فيه تسامح؛ والحقيقة أنهما في المستوى نفسه من الخطأ، إذ فيهما تحريف للأصول. التحريف في النطق تؤيده العادة اللهجية أي الإنجاز الشفوي، واللهجات عادة ما لا ينظر إليها على أنها يمكن أن تكون مكتوبة مثلما نظر إلى الفصحى على أنه لغة مكتوبة. لذلك يمكن أن يدرّس المعلم الصبيان العربية بنطق لهجي وليس بنطق أصلي لها، ولا يرى أن ذلك يمثل خطرا على الأداء الصحيح للأصوات.
ما زال النص القرآني يحافظ على طريقة قديمة في الرسم، وما يزال الناس يقدسون تلك الطريقة، على الرغم من أن كثيرا منها لم يعد محتفظا به ولو كتب في المدارس لعد من الأخطاء. ربما اكتسب الخط قداسته وبالتالي ثباته من قداسة النص. طبعا نحن لا نتحدث هنا عن رسم العلامات التي تتعلق بطرق القراءة والتجويد، بل عن الحروف الأصلية.
في الدراسات الصوتية الحديثة يميز الدارسون بين الصوتم والصوت، الصوتم هو شيء مجرد أو خطاطي، ولكن الصوت شيء منجز. بعبارة أخرى يتألف الكلام من صواتم حرفية أو حركية، وحين ينجزها كل شخص منا ينجزها بطرق أدائية مختلفة (طبعا تراعي رغم الاختلاف السمات الأساسية المميزة) لذلك نحن لا ننجز الصواتم، بل ننجز الأصوات. بعبارة أخرى نحن حين نتكلم لا نتكلم بالصواتم أي بالأشكال المجردة للأصوات، بل نتكلم بالأصوات التي قد تختلف باختلاف ناطقيها من جهة النغمة والنبر وغيرها من أشكال الأداء الفردي. نحن في اللهجة التونسية ننطق التاء في (تَمْر) نطقا مختلفا بين من يرقق (تْمَرْ) التاء مثلما هو الأمر في الفصحى، ومن يفخمها حتى لكأنها طاء، ومن يلحق بها زائدة حرف الشين لتصبح التاء مركبا من صوتين (ت وش) فيقول أهل الجريد عندنا (تْشَمْرْ). لو أردنا أن نكتب التحققات اللهجية لهذا الاسم لكتبنا التاء بأشكال ثلاثة مختلفة، ليست هي رسما لصوتم التاء، بل لأصوات بديلة ومتنوعة من ذلك الصوتم تسمى بديلات صوتية لهجية، لأنها تختلف من لهجة إلى أخرى. الكتابة التي نستعملها في العربية هي كتابة تمثل الصواتم ولا تمثل الأصوات، ولذلك تعمد المعاجم الأجنبية إلى المراوحة بين الكتابتين (تسمي ما يوضع بين قوسين النسخ الصوتي) ولكن ليس لنا في العربية إلى اليوم كتابة صوتية مثلما يمكن أن نجد لها في لغات أخرى، فالمتعلم اليوم ما يزال يحدس بنطق الأصوات المختلفة مستعملا عادته اللهجية، التي يمكن أن توقعه في الخطأ. لكن المستشرقين حين اكتشفوا العربية ولهجاتها المعاصرة حاولوا أن يجدوا لها رموزا جديدة في الكتابة اللاتينية، التي وجدوا حروفها غير وفية للرسم اللاتيني لصواتمهم.
في عام 1816 تأسست في باريس الجمعية الدولية للصوتيات International Phonetic Association (API) ووضعت قائمة تشمل مختلف الرموز المناسبة لأغلب الحروف والحركات في اللغات الطبيعية، بما فيها أصوات العربية المميزة مثل (الهمزة، والقاف والضاد والظاء)؛ ورسمت الحركات المتشعبة في اللغات التي فيها نظام حركي معقد، وسعت إلى تحيين تلك القائمة وإضافة الأصوات التي لم تتضمنها من قبل. كان ذلك محاولة لرصد الألفبائية الصوتية العالمية International Phonetic Alphabet. لكن مسألة توحيد الكتابة الصوتية باستعمال رموز معينة لا يمكن أن يحل الإشكالات المرتبطة بتعدد السياقات التي فيها يتلون نطق الصوت الواحد بألوان من التأثر بالجوار الصوتي أو باللهجة، فعلى سبيل المثال يعيننا هذا النظام على أن نرسم حرف P في العربية في كلمات من نوع (ابتكر) و(ابتهج) التي تنطق فيها الباء نطقا قريبا من الـP في بعض اللغات الأوروبية المعروفة. نظامنا الصوتي السياقي فيه ما لا يوحي به نظامنا الخطي المألوف، الذي يجعلنا نظن أن الباء لا يمكن أن تنقلب P وأن نظامنا الصوتي يخلو من هذا الحرف خلوه مثلا من حرف V.
الكتابة بما هي تمثيل للفظ تظل رمزية في علاقتها بالأصوات وتظل شحيحة مهما حاولت أن تفصل تمثيلاتها؛ غير أنها تظل، لكونها محافظة، شاهدا على أن أصواتا كانت مختلفة باتت متشابهة، وذلك لكسل في الأداء أو لتحريف قلده مستعملون حبا في لسان من حرفه، أو مواضعة له، وليس غريبا أن يتواضع الناس على تحريف أو زيغ أو ضلالة في الفكر فما بالك في الصوت.

٭ أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية