المعارضة التركية ترشح أوغلو إلى انتخابات الرئاسة

حجم الخط
0

سبق حزبا المعارضة الرئيسيان، الشعب الجمهوري والحركة القومية، حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى إعلان اسم مرشحهما التوافقي، الأمين العام السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو، لمواجهة رجب طيب أردوغان الذي لم يعلن ترشحه إلى الآن، على رغم إجماع التوقعات في هذا الاتجاه.
كان ترشيح إحسان أوغلو مفاجأة لجميع الأطراف في المشهد السياسي التركي الذي يعاني من توتر مزمن بين أقطابه. فالرجل المعروف بسعة ثقافته الإسلامية والغربية ومستواه الأكاديمي الرفيع وإجادته لأربع لغات من بينها العربية بحكم ولادته في مصر، ليس له ماضٍ سياسي، وإن كان ينتمي إلى البيئة الإسلامية المحافظة ولكن بعيداً عن تيارات الإسلام السياسي. حزبا المعارضة الرئيسيان المتحدران من الإرث الكمالي بدعامتيه العلمانية والقومية، «دخلا، بهذا الترشيح المفاجئ، الحديقة الخلفية لرجب طيب أردوغان» على ما كتب المحلل السياسي مراد يتكين في يومية «راديكال». أي كما نقول في التعبير الدارج «يبيعانه من كيسه».
ربما بهذا المعنى، يتمتع ترشيح إحسان أوغلو بشيء من الدهاء السياسي وذلك لأنه يخاطب القاعدة الاجتماعية المحافظة للحزب الحاكم نفسه، فيقدم لها بديلاً مقبولاً عن أردوغان الذي استهلك الكثير من رصيد شعبيته في السنة الأخيرة، بقمعه لاحتجاجات منتزه «غزي» أولاً، وتورط ابنه ووزراء من حكومته في فضائح فساد ثانياً، وصراعه الضاري مع جماعة الخدمة بقيادة الداعية الإسلامي المعتدل فتح الله غولن ثالثاً. هذا العامل الأخير قد يلعب دوراً مهماً في دعم مريدي غولن للمرشح التوافقي إحسان أوغلو، وهم الذين يتمتعون بقوة لا يستهان بها ونفوذ كبير بين أوساط النخبة المتعلمة الإسلامية التي لا تكن الود لأردوغان.
هذا على مستوى الحسابات الانتخابية وتكتيك معركة الرئاسة. لكن ترشيح إحسان أوغلو من قبل حماة الإرث الكمالي ينطوي على ما هو أبعد من ذلك وأعمق، على رأي عاكف أمرة، الكاتب الإسلامي في صحيفة «يني شفق» الموالية للحكومة. هل تعني هذه الخطوة أن الحزب العلماني المتشدد الذي سبق وأخرج مظاهرات صاخبة احتجاجاً على ترشيح – مجرد ترشيح – الإسلامي عبد الله غل بسبب حجاب زوجته، فهم أخيراً الحساسيات الاجتماعية المحافظة وقرر أخذها بنظر الاعتبار؟ أي هل نشهد تحولاً أيديولوجياً في حزب الشعب الجمهوري كان بأمس الحاجة إليه ليجدد نفسه ويحتل موقع الحزب المعارض الأول بجدارة؟ بهذه الأسئلة يقيم عاكف أمرة ترشيح إحسان أوغلو، من غير أن يقدم إجابات.
فالإجابات ستأتي في السياق السياسي، من خلال ردود الفعل على هذا الترشيح من داخل الحزب العلماني بصورة رئيسية. وقد ظهرت بعض ردود الفعل الرافضة والغاضبة من هذا الترشيح من داخل الحزب ومن قاعدته الاجتماعية، لعل أهمها موقف «الجمعية الفيدرالية للعلوية البكداشية»، وهي إحدى المنظمات الاجتماعية لعلويي تركيا، التي يصوت أفرادها تقليدياً لحزب الشعب الجمهوري. فقد رفضت ترشيح «الإسلامي» إحسان أوغلو رفضاً صريحاً وطالبت بمرشح رئاسي يتمسك بالعلمانية.
ما هو، إذن، موقف السكرتير السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي من العلمانية؟
للإجابة على هذا السؤال، ولمعرفة بعض أفكار إحسان أوغلو، قدم كمال غوكتاش، في جريدة «ميللييت»، عرضاً موجزاً لبعض أفكار الرجل التي ضمها كتابه «العالم الإسلامي في القرن الجديد»، فيما يأتي شيء منها:
يؤمن إحسان أوغلو بعدم وجود أي تعارض أساسي بين الإسلام والنظام الديموقراطي التعددي، وبأن تقدم العالم الإسلامي يمر عبر رفض الهيمنة المتبادلة بين ميداني السياسة والدين، وبتطبيق مبادئ الحكم الرشيد.
عن ثورات الربيع العربي، يقول إحسان أوغلو إنه ليس ربيع الشعوب، بل خريف الطغاة، سوف يليه شتاء في غاية القسوة، ليتوج هذا المسار بدفء الربيع. فما حدث خلال السنتين الماضيتين (وقت صدور الكتاب) لم يأتِ بتحقيق الآمال العريضة للشعوب العربية. يحتاج التحول من الاستبداد إلى الديموقراطية، في رأيه، إلى زمن طويل.
يجب رسم حدود واضحة بين الدين والسياسة، ورفض هيمنة أحدهما على الآخر. فالسياسة دنيوية ومتغيرة، في حين أن للدين نوعا من الثبات في الحياة الروحية للمجتمعات. ينبغي إقامة توازن دقيق بين ثوابت الدين ومتغيرات السياسة.
النهوض الاقتصادي – الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية هو الذي سيأتي بالحداثة ويشجع على الاعتدال. حين يحتل الدين موقعه الصحيح في المجتمع، وتقوم علاقته بالسياسة على توازن دقيق لا يسمح بالخلط بينهما، سيكون بوسع هذا التوازن أن يساهم في تحقيق السلم والرفاه الاجتماعي في العالم الإسلامي وخارجه أيضاً. ينبغي إزالة العقبات القائمة أمام الحراك الاجتماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي الديموقراطي.
إن مستقبل العالم الإسلامي يتوقف، إلى حد كبير، على تحقيق مبادئ الحكم الرشيد وترسيخ أسس النظام الديموقراطي التعددي. وهذا يتطلب إرادة قوية وزمناً قد يستغرق أكثر من جيل واحد. هل يمكن لإحسان أوغلو أن ينافس أردوغان، في حال ترشح هذا الأخير كما هو متوقع، بصورة جدية؟ الجواب البسيط والمباشر هو بالنفي. ففي ظل الاستقطاب الحاد الذي تعيشه الحياة السياسية التركية، ليس هناك مرشح يمكنه منافسة أردوغان، ناهيكم عن التغلب عليه. لكن إحسان أوغلو يشكل، في رأي المحلل السياسي جنكيز تشاندار، رهاناً على الخروج على هذا الاستقطاب الحاد بالذات. فهو يقدم، بشخصه، نموذجاً مختلفاً تمام الاختلاف عن أردوغان الذي لا يشبع من خوض غمار الصراعات السياسية ضد خصومه، فيحتفظ بفضل هذا التكتيك بقاعدة اجتماعية متماسكة برغم كل ما شاب صورته من فضائح الاستبداد والفساد. إحسان أوغلو، بالمقابل، بعيد كل البعد عن السياسة وصراعاتها، يمكنه أن يمثل كل المجتمع وأن يشكل عامل توازن واستقرار. لهذا السبب يعبر ترشيحه أيضاً عن إرادة اجتماعية في تجاوز حالة الاستقطاب والتوتر الدائم.

كاتب سوري

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية