الخرطوم ـ «القدس العربي»: لم يقتنع كثير من السودانيين بالمبررات التي أوقف بسببها المجلس العسكري في السودان المفاوضات مع قوى «الحرية والتغيير»، التي كانت قريبة جدا من التوصل إلى اتفاق نهائي، بتكوين حكومة مدنية وإنهاء الوضع الممتد من الحادي عشر من الشهر الماضي.
البيان الذي أصدره عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري، وأذاعه التلفزيون الرسمي في الساعات الأولى من صباح الخميس، خيّب آمال وطموحات قطاعات عديدة من الشعب السوداني التي كانت تجهّز نفسها للاحتفال رسميا بانتهاء حقبة الرئيس المخلوع عمر البشير.
وتضمن البيان العديد من النقاط أبرزها، وقف التفاوض لمدة 72 ساعة «حتى يتهيأ المناخ الملائم لإكمال الاتفاق»، وإزالة المتاريس جميعها خارج منطقة ساحة الاعتصام.
واتهم البيان المتظاهرين بخرق تفاهم بشأن وقف التصعيد بينما كانت المحادثات لا تزال جارية. وقال إن المحتجين يعطلون الحياة في العاصمة ويسدون الطرق خارج منطقة اعتصام اتفقوا عليها مع الجيش.
«المناخ الملائم»
وأضاف: «لذا من واقع مسؤوليتنا أمام الله وشعبنا وجيشنا وثورتنا قد قررنا الآتي: وقف التفاوض لمدة 72 ساعة حتى يتهيأ المناخ الملائم لإكمال الاتفاق. إزالة المتاريس جميعها خارج منطقة الاعتصام. فتح خط سكة حديد لإمداد الولايات التي تضايقت كثيرا من شح المواد التموينية والبترولية».
وأردف «بالرغم مما تم وما ذُكر من روح المشاركة والتفاؤل إلا أن الأمور تطورت بصورة متسارعة تمثلت في الآتي: إصدار جدول بالتصعيد الثوري متزامن مع سير التفاوض من قبل أحد مكونات إعلان الحرية والتغيير. الاستفزاز المباشر والإساءة البالغة للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع، علما أن قوات الدعم السريع ولدت من رحم هذا الجيش العظيم ولعبت دورا مهما ومؤثرا في أمن البلاد».
وجاء رد قوى «الحرية والتغيير» سريعا، إذ استغربت في بيان وقف التفاوض ووصفته بـ«الأمر المفاجىء».
واعتبرت أن «تعليق التفاوض قرار مؤسف ولا يستوعب التطورات التي تمت فى ملف التفاوض، ويتجاهل حقيقة تعالي الثوار على الغبن والاحتقان المتصاعد نتيجة للدماء التي سالت والأرواح التي فقدنا، خاصة أن اجتماع الأربعاء كان لوضع آخر النقاط على بنود وثيقة الاتفاق، وهو ما سيعني وقف التصعيد وانتفاء أسباب قفل الطرق والشوارع وتطبيع حياة السودانيين كافة».
وشدد البيان على أن «التصعيد السلمي حق مشروع لحماية ما انتزعته جماهير شعبنا بنضالها ودماء الشهداء وعرق الثوار، وقد صدر بتوافق تام بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير قبل انطلاق جولات التفاوض».
وتابع: «المتاريس الموجودة منذ السادس من أبريل/ نيسان حصون بناها الثوار دفاعاً عن أنفسهم، وخطوط السكة الحديد مفتوحة منذ 26 أبريل/ نيسان وقبل أي طلب، وبتوافق بين لجان الميدان وهيئة السكك الحديد».
وأوضح أن هناك قرارا سابقا بـ «تحديد منطقة الاعتصام»، وأنه تم «اتخاذ خطوات في سبيل ضبط وحدة الحركة الجماهيرية السلمية من أجل استمرار تماسكها»، وهو ما «ينفي كل مبررات وقف المفاوضات من طرف واحد».
واعتبرت القوى في بيانها هذا التعليق «يخل بمبدأ الشراكة وينسف دعاوى التوافق، بما يسمح بالعودة لمربع التسويف في تسليم السلطة».
وفي أقل من ساعة تمكنت قوى «التغيير» من فتح كل الطرق خارج مكان الاعتصام، وأعلنت أنها مسؤولة فقط عن المنطقة الواقعة أمام مقر الجيش.
وواصلت قوى المعارضة تنظيم المواكب الداعية لتسليم السلطة للمدنيين، من الخرطوم وأم درمان وبحري وشرق النيل، إلى القيادة العامة للجيش.
وقال يوسف وهو طبيب يبلغ من العمر 27 عاما، وأحد المتظاهرين «في رأيي الحواجز في شارع النيل غير ضرورية، لكن بعض الشباب يعتقدون أننا إذا أزلناها فهذا يعني أننا نتراجع بما يعني أن النظام القديم سيتوسع في مناطقنا ويضغط علينا». وبينت متظاهرة أخرى تدعى ريان الهادي (25 عاما) إنها ستنصاع لأوامر قادة الاحتجاجات إذا قرروا أن الحواجز يجب أن تزال، لكنها تؤيد بشكل شخصي بقاءها في شارع النيل.
وأضافت «عندما أغلقنا الشارع كانت لدينا وجهة نظر معينة للتصعيد ولا نريد التنازل عن ذلك. الناس منقسمون حول مسألة إزالة الحواجز».
المحلل السياسي، عبد الله رزق، اعتبر أن بيان البرهان «اشتمل على حزمة من الابتزاز والضغط والتهديد بالارتداد على التقدم الذي حدث في جولات المفاوضات السابقة، بحسم 90٪ من قضاياه، ورهن أمر التفاوض، مرة أخرى، بفض الاعتصام».
حصل اختراق في ملف التفاوض بين قوى «الحرية والتغيير» والمجلس العسكري في السودان، إذ تم الاتفاق في جلسة المفاوضات التي انتهت في الساعات الأولى من صباح الأربعاء على تشكيل مجلس وزراء مدني من الكفاءات الوطنية التي تمتاز بالخبرة المهنية والنزاهة، بحيث يكون المجلس بصلاحيات تنفيذية كاملة، ويتم اختياره من قبل قوى إعلان «الحرية والتغيير»، وكذلك تشكيل مجلس تشريعي مدني قومي انتقالي بعضوية 300 شخص، يتم اختيار ثلثيه من قبل قوى إعلان «الحرية والتغيير»، ويتم تعيين الثلث من القوى الأخرى التي لم تكن جزءاً من النظام السابق، وبالتشاور بين قوى إعلان «الحرية والتغيير» والمجلس السيادي الانتقالي.
ووفق رزق «تعليق التفاوض في مرحلته الأخيرة، أو التهديد بتعليقه، هو أمر غير مقبول ولا مسوغ له، ولا ينم إلا عن تصميم غير مشروع لإجهاض عملية التقدم بالتفاوض لتحقيق مطلب الشعب في قيام حكم مدني ديمقراطي، ولن يجد من قوى الحرية والتغيير وجماهيرها غير الرفض والاستنكار، ولن يزيدها إلا تمسكاً بسلامة موقفها وعدالة قضيتها».
لا بديل عن التفاوض
وزاد لـ«القدس العربي»: «يتحتم على قوى الحرية عدم الاستجابة لأي تهديد أو ابتزاز أو ضغوط، ورفض أي مطالب، أياً كانت، موضوعية أو غير موضوعية، لا يتم طرحها على طاولة التفاوض».
وأضاف «طاولة التفاوض هي المكان الطبيعي والوحيد للتفاعل الإيجابي بين قوى الثورة، ولا بديل عن التفاوض وطاولة التفاوض غير الشارع الذي يسع الجميع».
بعد الاقتراب من توقيع اتفاق نهائي حول تكوين حكومة كفاءات ومجلس تشريعي
أما المحلل السياسي عبد الواحد إبراهيم، فقد أشار لـ «القدس العربي» إلى «النية المسبقة لفض الاعتصام من قبل العسكر، ليس خارج مقر الاعتصام، ولكن داخله».
وتابع:» في تصريحات سابقة، أفصح رجالات اللجنة الأمنية في المجلس العسكري، عن عزمهم فتح مسارات في المناطق المحيطة بالاعتصام وإزالة المتاريس، بما يعني فض الاعتصام بشكل تدريجي، وإن قالوا صراحة إنهم لن يفضوا الاعتصام، مذكرين في الوقت ذاته بأن لهم القدرة على ذلك».
ورأى أن «هناك تصميما مسبقا لفك الاعتصام، وقد جرت عدة محاولات سابقة فاشلة»، وحمّل مسؤولية ذلك الى» اللجنة الأمنية في المجلس العسكري».
واعتبر أن «المجلس لا يمكن أن يستمر في الحكم منفردا، فمقررات الاتحاد الأفريقي سيف مسلط عليه، تضاف إليها مواقف دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذين يطالبون بتسليم الحكومة إلى سلطة مدنية من الثوار».
ومن ردود الفعل العالمية على المشهد السياسي في السودان، قالت المتحدثة الرسمية للاتحاد الأوروبي في بيان إن «الاتحاد يراقب الوضع في السودان عن كثب»، مشيرة إلى أن «التقدم المحرز أخيرا في المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، خطوة إيجابية»، مطالبة بـ«ضرورة استمرار المفاوضات حول القضايا المعلقة بحسن نية وبهدف معالجة المطالب المشروعة للشعب السوداني». وأضافت إن «التوصل إلى صفقة شاملة تسمح بالنقل السريع والمنظم إلى الحكم المدني يتطلب إحساسًا بالمسؤولية والوصول إلى حل وسط من كلا الجانبين، نتوقع من جميع الأطراف في السودان ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ومنع المزيد من العنف وضمان احترام الحريات الأساسية».
الجيش يلتقي البعثات العربية
في السياق، أطلع المجلس العسكري البعثات الدبلوماسية العربية المعتمدة في الخرطوم، على آخر التطورات والأوضاع في البلاد.
وقال المجلس في بيان إن «المتحدث باسم المجلس الفريق ركن شمس الدين الكباشي، وعضو المجلس الفريق مصطفى محمد المصطفى قدما التنوير(عرضا للأوضاع) للبعثات».
الوكيل المساعد للشؤون السياسية في وزارة الخارجية، عمر دهب، أكد أن اللقاء «تناول آخر التطورات في البلاد والجهود التي يبذلها المجلس لاستتباب الأمن والاستقرار»، وفق البيان ذاته. وأفاد بأن «التنوير وجد ترحيبا وتفهما من أعضاء المجموعة العربية».
بانتظار مواصلة التفاوض بعد انتهاء المدة التي حددها رئيس المجلس العسكري، بدت شوارع العاصمة السودانية هادئة نهار أمس، وانفرجت حركة السير والمرور في الشوارع (خارج نطاق الاعتصام) والتي كانت مغلقة بالمتاريس، ولوحظ انتشار أمني كثيف لقوات الدعم السريع والشرطة في التقاطعات الرئيسية. ومنذ الإثنين، سقط ستة قتلى و14 جريحا، بعضهم بالرصاص، في هجومين استهدفا معتصمين خلال محاولتين لإزالة حواجز في شوارع في محيط الاعتصام.
وألمحت قوى «الحرية والتغيير» إلى مسؤولية قوات «الدعم السريع» عن الهجومين، بينما قالت الأخيرة إن «جهات ومجموعات تتربص بالثورة (لم تسمها)» تقف خلفهما.
ودعت السودانيين الأربعاء إلى تنظيم مسيرات سلمية تتوجه إلى مقر الاعتصام لدعم المعتصمين. ويعتصم آلاف السودانيين، منذ 6 أبريل/ نيسان الماضي، أمام مقر قيادة الجيش؛ للضغط على المجلس العسكري الانتقالي، لتسريع عملية تسليم السلطة إلى مدنيين، في ظل مخاوف من التفاف الجيش على مطالب التغيير، كما حدث في دول عربية أخرى، حسب المحتجين. وعزلت قيادة الجيش، في 11نيسان/ أبريل الماضي، عمر البشير من الرئاسة، بعد ثلاثين عاما في الحكم، تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت أواخر العام الماضي، تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية.