المعالجة النفسية ندى قسطون: من لديهم هشاشة يتأثرون بالعزل والحذر سيرافق بعض الأطفال

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: ثمة محطات في السياسة أو الاقتصاد أو الصحة أو الحروب تدخل تاريخ البشرية ولا تغادره مطلقاً. فيروس كورونا حلّ على وجه السرعة مع بداية عام 2020 في شكل أرقامه وصبغه كالبرق بالسؤال، ثم الرعب، ثم العزل أو الحجر المنزلي الإلزامي وإلاّ؟ هذا قليل من كثير مما فعله بمئات آلاف البشر، وكذلك بكشفه لحقيقة بعض الحكّام وتعاليهم وغبائهم في التعامل مع جائحة بشرية. صحيح أن نسبة الوفيات ليست كبيرة قياساً بنسبة الشفاء كما يردد على الدوام العاملون بلغة الأرقام والمختصون بالتعبير المقيت “عداد كورونا”. ولكننا حيال موت جماعي حقيقي لم تعرفه أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية، أقله على صعيد المعلن إعلامياً.

هذا الوباء الذي داهم على حين غرّة مجتمعات اعتبرت نفسها بمنأى عنه، كشف هشاشة في النظامين السياسي والصحي مثيرة للتساؤل في بعض الدول. وكشف أيضاً كم انجرفت الدول التي اكتسبت لقب “العظمى” بعد الحرب العالمية الثانية نحو الهشاشة الاقتصادية والصحية، وكم جذبها التصنيع الحربي الذي شكل لها نبع ثروات لا ينضب، من دون سواه مما يفيد صحة البشر في جائحة كما كورونا. تلك الدول تُشعل الحروب وتقتل الشعوب، وتتعالى عن صناعة أجهزة التنفس الاصطناعي والكمامات وتراه من اختصاص مصانع الصين الشعبية.

ما قبل كورونا وما بعده، بالتأكيد سيكون محطة في حياة الشعوب التي لن تسامح مسؤوليها. ومحطة للتغيير في دول عُظمى افتقدت أقل مستلزمات المواجهة. ومحطة كبيرة على صعيد الاتحاد الأوروبي ونظام التعاون فيما بين دوله، والأنانية التي ظهرت في مواجهة هذه الجائحة، والتي دفعت بوزير مالية ولاية هيسن في ألمانيا توماس شيفر 54 عاماً للإنتحار تحت عجلات القطار. فقد كان الرجل الذي تقع مدينة فرانكفورت الصناعية الكبرى ضمن ولايته، قلقا من امكانية النجاح في تحقيق التطلعات الكبيرة للسكان والمتعلقة بالمساعدات المالية. في قراءة سريعة للرجل قد يفتي بعضهم بهشاشة بنيته النفسية، لكنه كذلك مسؤول أرعبه الفشل في تلبية حاجات مواطنيه.

أسئلة عن المرحلة المستجدة بعد فيروس كورونا بدأت تتكون وكذلك بعض الإجابات، وهنا حوار في الموضوع مع المعالجة النفسية والعائلية ندى قسطون:

*في قراءات لما بعد زمن كورونا أنه سيبدل السياسات والعلاقات الدولية. فهل سينعكس أيضاً على السلوك الاجتماعي؟

**لعل أحد الدروس الثابتة من معاينة ديناميات السلوك الاجتماعي مؤخراً هو مدى تأثير السياسات عليه بفعل التوجيه السريع والواسع عبر الإعلام والمنصات الرقمية. ولعل طبيعة التأثير في المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بهوية وأجندة من يهيمن على الفضاء الإعلامي. في غياب الأجندات الموجهة، سوف يتبدل السلوك الاجتماعي في نطاق الطبقات التي تملك رفاه التأثر، وطبعاً كل من يعمل لدى الشركات والجمعيات الدولية. أما داخل الطبقات المرتبطة بالأرض وبالأرضية الثقافية التي تحرّكها الحاجة اليومية ويحدّها الأفق المعيشي ويعفيها من التفكر والاتكال الغيبي والديني، فلا أظنّ.

*هل تتوقعين شكلاً ما للتغيير؟ هل سنقلع كشرقيين ولبنانيين تحديداً عن القبلات الثلاث؟

**ممكن أن الشرق (الطبقات المرتبطة بالأرض والأرضية الثقافية طبعاً) سوف يبدّل عادة القبلات الثلاث بـ”المشالحة” كون الاثنتين مرتبطتين بالأرضية الثقافية وقابلتين للتبادل. وهذا مرتبط بالتأكيد بطول مدة الحذر والحجر والخطر، وبحدة الإصابات والوفيات. فالتغيير السلوكي على مستوى الجماعة بحاجة إلى وصفة تتألف من مكونات ومدة ونقطة تحول.

*التردد في الخروج من المنزل يرافقنا الآن فهل سينسحب إلى ما بعد رفع العزلة؟

**أعتقد أن السياسة الاقتصادية وأدواتها الإعلامية والسياسية هي التي سوف تحدد هذا التوجه، أكثر من التبدل النفسي على مستوى الفرد باتجاه الحذر أو الوسواس. الحاجة إلى العمل أقوى من الحذر إن لم يرافق السياسة الصحية سياسة احتواء اجتماعي معيشي.

*إلى متى سيبقى الإنسان يشعر وكأن عدواً يتربص به في نسمات الهواء خارج منزله؟

**أعتقد أن هذا الشعور سوف يرافق جيلاً كاملاً ممن هم فوق سن الطفولة. وأعتقد أن جزءاً من الأطفال سوف يحملونه بالتواتر والنمذجة. رأينا هذا النمط الطابع لجيل كامل بعد الحروب العالمية والمجاعات والأوبئة والحروب الأهلية.

*هل تتوقعين أن يصبح غسل اليدين وسواساً قهرياً عالمياً؟

**بعض الأشخاص لديهم ميل للوسوسة من دون أن تكون حالة مرضية، هؤلاء يمكن أن يتأثروا أكثر من غيرهم على صعيد غسل اليدين. وأشخاص آخرون قد يعتادون على كثرة الغسل ولكن بدون ان يشكل لهم وسواسا قهرياً.

*كيف يبني الأفراد دفاعاتهم للتأقلم مع العزل المنزلي؟

**الفرد الهش سوف يكون الأكثر تأثراً والأقل قدرة على التأقلم. الهشاشة مرتبطة بالتكوين، والتربية، والتعرض إلى أذى سابق، والبيئة المحيطة لا سيما المباشرة والمطبِقة على الفرد تحديداً في حال العزل المنزلي مع العائلة.

*العائلات التي فيها أطفال هل تحتاج لخصوصية في متابعة العزل بأقل الأضرار العصبية والنفسية؟

**بالطبع. بعض الأطفال يحظون بالحماية والملاذ في المدرسة. العزل لهم مع أهل غير صالحين هو سجن مع جلاد. ولهذا أرى فائدة لبعض التوصيات العملانية:

1ـ عدم تحويل البيت إلى مدرسة، لئلا ينتج توتر وتشنج في العلاقات بين الأولاد والأهل. المهم خلق جو ومحيط يشجع على التعلُّم بكل أشكاله وليس فقط بشكله الأكاديمي المدرسي.

2ـ تخصيص وقت للأم وللأب، هما بحاجة للراحة ولإعادة تعبئة الطاقة اللازمة.

3ـ تخصيص وقت للأولاد بدون برنامج جبري وملاحقة على مدار الساعة، وقت لنسج علاقات عاطفية وطيدة. الأولاد أيضاً خائفون وقلقون، وليست لديهم قدرة التعبير عن مشاعرهم إلا من خلال السلوك.

*بعضهم قرأ إيجابيات في العزل كالتقارب العائلي وإعادة اكتشاف المنزل. كم هذا صحيح وما هي سلبياته؟

**هذا صحيح في الكثير من الحالات، فالعديد من العائلات لا تلتقي كمجموعة أفراد إلا قليلاً. الأم والأب يعملان طيلة النهار، والأولاد فيما بعد المدرسة إما عند الجدة أو في الأنشطة أو معاهد التدريس الخصوصي. وبعد العودة إلى المنزل يكون الوقت مشحوناً ما بين الدرس والحمام والنوم الخ. وتكمن الإيجابيات أيضاً في بناء علاقة عاطفية وطيدة مع الأولاد لا تقتصر على العلامات والدرس والأنشطة الاستهلاكية.

أما السلبيات فتبرز عندما لا يعي الأهل أهمية هذا الوقت ويرفضون استثماره بشكل صحي، أو عندما لا يتركون مساحة لتلبية حاجاتهم وحاجات أفراد عائلتهم.

فقد كتب الفيلسوف الألماني شوبنهور فيما يخص العلاقات بين الأفراد، وبالتحديد ما أسماه التباعد غير صحي، والتقارب غير صحي. ووصف المسافة الفضلى بين الأشخاص بأنها تلك التي تعطي الدفء من دون أن تخنق أحدهم. ما هو صحيح في كل زمان هو أن الإنسان الخيّر يصنع الخير والشرّير يصنع الشر. التباعد للضرورة مع المحبة لا يؤذي كاللامبالاة، والتقارب مع الاحترام والمودّة لا يؤذي كالتسلط والاستغلال.

*في العصر الذي نعيشه يتفوق الفردي على الجماعي. رعب كورونا هل سيبدل المعادلة كونه عدو مشترك للبشرية جمعاء؟

**قد لا ينجح الوباء في تحويل الأنماط الاجتماعية إلى هذا الحد، لأن الفردانية تمأسست في بعض المجتمعات وكرّستها دولة الرعاية التي ألغت الحاجة إلى الجماعة الصغيرة المتماسكة. قد تقوى العائلة المباشرة في هذه الأيام، لكن استمرار الحس الجماعي على نطاق أوسع كالحالات المدنية دونه عقبات لدى عودة دورة الحياة الفردانية المحكومة بالضغط الاقتصادي، والمخدرة بالاستهلاك وتأمينات دولة الرعاية.

*كيف للفرد أن ينجو من اكتئاب العزل ورهاب كورونا؟ وهل تلك المعضلات

النفسية ستشكل قدراً لمن سيبقى حياً بعد انكفاء أخطار الوباء؟

**العزل نعمة لمن لم يستطع إليه سبيلاً في السابق تحت ضغط الحياة السريعة. وهو نقمة لمن لديه من عناصر الهشاشة الداخلية أو الضغط من البيئة المشاركة له في العزل. ما يصح قبل وخلال وبعد العزل غير الصحي بسبب الضغط أو الأذى النظمي أو الداخلي، هو أن الفرد الهش في حاجة إلى رعاية صحية عاطفية وحماية اجتماعية. حالة العزل الحالية قد تنتج حدةً أو وعياً لما هو واقع من قبل هذه الفترة.

*كيف تقرأين في مبادرات عدّة بدأت تضع نفسها بتصرف من يرغبون بالاستشارة النفسية خاصة طلاب قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية؟

**نعم تعددت مبادرات الدعم النفسي التي ترافقت مع بدء العزل المنزلي. أراها مفيدة في هذه المرحلة خاصة بالنسبة للأشخاص الذين سبق القول بأن لديهم هشاشة. أو آخرين يعيشون وحيدين منعزلين، ويحتاجون لفضفضة ما بداخلهم دون التعرض لأي نوع من التهجم، أو الأحكام، فهذا النوع من الدعم مفيد لهم بدون شك. خاصة وأنه سيقع في خانة الدعم المؤقت بينما كنا عدنا إلى العلاقات الإنسانية الحقيقية والمتمثلة بالمواجهة أو وجهاً لوجه. وبما أننا حيال شاشة، ولأن مواقع التواصل الاجتماعي احتلت مكاناً كبيراً كان قبلها للعلاقات الإنسانية، فما أخشاه أن يمتد هذا النوع من التواصل بحيث يحتل تماماً المكانة التي كانت للعلاقات الإنسانية. إنما في هذه المرحلة ليس أمامنا سوى هذا الحل. وهو مهم ومقدر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية