القاهرة ــ “القدس العربي”: في أحد الأيام داخل معتقل طرة، وجد المثّال محمد حسين هجرس بعض المساجين الجنائيين يحملون جذع شجرة ويتجهون به للموقد الذي يصنعون عليه الخبز، فما كان منه إلا أن انقض على جذع الشجرة صارخاً: هذا مشروعي، والذي تحوّل بعد ذلك إلى تمثال “سيزيف 70”. ثم طلب هجرس من وزير الثقافة وقتها بدر الدين أبو غازي الموافقة على الإفراج عن التمثال من المعتقل لكي يعرض في المعرض القومي للفنون التشكيلية. قدم وزير الثقافة الطلب إلى شعراوي جمعة وزير الداخلية في ذلك الوقت، الذي وافق بدوره. إلا أن العقيد عبد العال سلومة ــ مأمور السجن ــ راوغ وقام بتشكيل لجنة من ثلاثة خبراء لكي تحدد ما إذا كان التمثال له مغزى سياسي يحرض ويناهض حكم عبد الناصر. رأى الأول أن التمثال يشبه لينين، ورأى الثاني أنه يشبه ستالين، أما الثالث فلم ير في التمثال إلا ما يوحي بامرأة حامل. لكن الفنان واصل المطالبة بالإفراج عن التمثال، كما واصل العقيد المراوغة، فتعلل بأن جذع الشجرة في الأصل مملوك للحكومة، ومن هنا تؤول ملكية التمثال للحكومة. فعرض هجرس استعداده لشراء الجذع حسب أسعار سوق الأخشاب وقتها، إلا أن المأمور كان له رأياً آخر، قائلاً “الجذع كان قبل ذلك أثقل من بعد النحت”. وفي الأخير لم يجد العقيد مفراً من تنفيذ أمر وزير داخليته، فما كان منه إلا أن أحضر ورقة وقلماً، وراح يُملي على هجرس ليكتب: “أقر أنا الموقع على هذا أدناه المعتقل محمد حسين هجرس وصنعتي نحات تماثيل أن التمثال الذي صنعته من خشب الشجرة عهدة معتقل طرة والمسدد ثمنه لخزينة المعتقل بتاريخ 12/12/1970 لا يرمز لأي شيء ولا يتضمن أي مساس بسياسة الحكومة أو ازدراء لها أو لإحدى هيئاتها، وليس له معنى على الإطلاق”. وبعد أن وقع الفنان على الإقرار، تناول العقيد الورقة وكتب عليها بخط يده، وبالحبر الأحمر “بمناظرة التمثال المذكور، وجدناه مصنوعاً من الخشب بطول متر ونصف المتر وعنوانه (سي زفت 1970) وتأكدنا أنه لا يرمز لشيء، ولا معنى له على الإطلاق، ونسمح بخروج التمثال من المعتقل وتسليمه لزوجة المعتقل المذكور”. وانتهى الأمر بخروج التمثال الذي حمله ابن الفنان على عربة من عربات الكارو، وتم عرضه في المعرض القومي للفنون التشكيلية، وصار بعدها من مقتنيات الدولة، وهو الآن من مقتنيات متحف الفن الحديث في القاهرة.
الحكاية
ربما هذه الحكاية تلخص حياة الفنان محمد حسين هجرس (1924 ــ 2004) المقام حالياً معرض استعادي لأعماله في مركز الجزيرة للفنون في القاهرة. فحياة الفنان وأعماله مجاهدة مستمرة على مستوى الرؤية والتجربة والاختيارات، فقد سافر في صيف 1977 إلى العراق، حيث عاش بين الفلاحين المصريين المهاجرين، ثم انتقل إلى بيروت ليقيم في معسكرات اللاجئين الفلسطينيين معلماً الأطفال فنون النحت وصناعة الخزف وكان عضواً في اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، كما اضطر إلى الانتقال إلى سوريا فى أعقاب الغزو الإسرائيلى للأراضي اللبنانية، حتى عودته إلى القاهرة عام 1989.
درس محمد هجرس فن النحت في قسم الدراسات الحرة في كلية الفنون الجميلة في القاهرة حتى عام 1948 ثم حصل على منحة دراسية في إيطاليا حصل في نهايتها على دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة في روما، ودبلوم التخصص في سك النقود وفن الميدالية، وعاد إلى مصر عام 1952 ليعمل كفنان حر، إضافة إلى عمله في التدريس في كلية الفنون الجميلة في الاسكندرية. حصل على جائزة النحت الثانية من معرض صالون القاهرة عام 1957، والجائزة الثانية من معرض بينالي الأسكندرية عام 1963.
الأعمال
تراوحت منحوتات محمد هجرس من حيث الخامة ما بين الجبس، والخشب، والحجر الجيري، والرخام، والطين المحروق. هذه الخامات المتعددة تنتهجها رؤية واحدة طالها التطور التقني، دون أن يمسس أصلها. هناك موجات طالت هذه الأعمال، سواء التعبيرية أو التجريد خاصة وقت الأزمات التي مرّ فيها المجتمع المصري والعربي بشكل عام. وأعمال هجرس كانت دوماً مصدر قلق للسلطة، لكونها تحمل حساً ثورياً عالياً، وتحرّض على فعل المقاومة، نجد ذلك في أعمال مثل “مصر والكلاب” و”قُبلة الشهيد (أيلول الأسود)” و”المُقيّد” و”الانتفاضة” و”صابرا وشاتيلا” و”أين المفر”. وقد تبدو هذه الأعمال كانعكاس مباشر لما عاشه وآمن به الفنان من قضايا، أما الأكثر تأثيراً فهي الأعمال التي تناولت الشخوص العادية، التي نطالعها في الشوارع والمقاهي والقرى، ناس عادية معظمهم في صراع مع الحياة، دونما صخب أو استجداء للتعاطف، صراع صامت يرتضونه ويصبرون عليه، ليزيد من إنسانيتهم، على خلاف نماذج أخرى من المخلوقات لا تنتمي إلى هذا العالم، رغم تأثيرها الشديد عليه ــ نموذج العقيد المتعجرف الجاهل على سبيل المثال ــ ومن هذه الأعمال نذكر “المراكبي” و”الحارس” و”عازف الناي” و”عمال التراحيل”. وفي العمل الأخير “عمال التراحيل” نجد كيف يتوحد المجموع لواجهة ما يحملونه، ويحاولون في صبر إتمام العمل، الشخوص تتوحد في تكرارها، ويصبحون وما يحملونه من ثقل جسداً واحداً، وهو في صراعهم هذا لا مفر من المواصلة والاستمرار، سيزيف آخر دون تفلسف أو استعارة للأساطير، فهؤلاء العمال هم الحقيقة والأسطورة التي نعيشها على الأرض.
الأسلوب
ما يميز أسلوب الفنان محمد هجرس هو الابتعاد عن التفكير الأكاديمي في تنفيذ أعماله، وهو يعد من جيل المَثالين المصريين الثالث بعد محمود مختار وجمال السجيني، فلم يلتزم بتقاليد مختار الفرعونية، أو الكثير من أعمال السجيني الدعائية إلى حدٍ كبير، بل جاء أسلوبه التقني مما عايشه وانتصر له طوال حياته. فلا تبعية لتراث ولا تقليد لحداثة موهومة لا ينتمي إليها. منحوتات هجرس تتنافى وحالة السكون والتأمل المعهودة في فن النحت، بل كلها في حالة فعل أو رد فعل، لذا تأتي الحركة أساساً لهذه الأعمال، ثوار وعُمال، ونساء تحتضن أطفالها، حتى الفلاح الجالس في لحظة راحة مسروقة من الزمن، فهو في حالة تفكير في الكثير من الأشياء المتصارعة. ملمح آخر يجيده الفنان وهو خلق حالة درامية دائمة في عمله الفني، وكأن العمل المنتصب في الفراغ جزء من لوحة كبيرة، الأمر مبني على الحذف، وللمتلقي أن يُكمل باقي التفاصيل، بداية من الشخوص غير واضحة تفاصيل الوجه، لتتواصل مع المجموع إلى أقرب حد ممكن، كذلك تبدو معاناة هؤلاء الشخوص من حيث مهنها وأفعالها، وكأنها رد فعل لقوى أخرى خارج إطار العمل نفسه، هي سبب هذه المعاناة وهذه القسوة التي يعيشون في ظلها. كل هؤلاء القساة من قتلة وأصحاب أنظمة حاكمة قمعية نرى ثقل ظلهم في الفراغ الذي يحيط بالتمثال، هم سبب البلاء، ولا يختلف هذا في تمثال “الشهيد” مثلاً أو الفلاح الجالس يفكر كيف يمكن التخلص من كل هؤلاء وما يمثلونه من شرور.
وفي الأخير لا نجد سوى عبارات للفنان نفسه تتصدر إحدى قاعات العرض، فيقول: “الكلام ليس حرفتي، وليس هوايتي، وتستطيعون أن تعرفوا كل ما تريدون معرفته عني بمجرد النظر إلى تماثيلي وتأمل منحوتاتي. وأعتقد أن صمتها الظاهري أكثر بلاغة وأفصح عبارة عن أي كلام يمكن أن أقوله عن نفسي”.