المعرض السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين: انزياح عن الواقعية وبحث عن تمظهرات شكلية جديدة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تواصل جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عملها الدؤوب في تكريس تقاليد فنية في مسار الفن التشكيلي العراقي، وفي مقدمة علامات هذا الإصرار يتجلى التوقيت الثابت لمعرضها السنوي الذي لم تتخل عن تأكيد موعده مع بداية كل عام، بذلك تفتح إدارتها أفق المشغل الفني التشكيلي على مساحة باذخة من شغف العمل، وذاكرة منتجة تنهض على هاجس التجديد والتطوير والخروج من دائرة القيم والمفاهيم المكرسة في المنتج المتداول.

تجارب متنوعة

في 19 كانون الثاني/يناير 2019 كانت بغداد على موعد مع 200 لوحة فنية ما بين الرسم والنحت والخزف والغرافيك تتناثر انثيالات دلالاتها في قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عبر معرضها السنوي، حيث افتتحت أبوابها لتستقبل ما أنتجه الفنانون التشكيليون ومن جميع المدن العراقية بدون أن تضعهم في تقسيمات مسبقة قائمة على حقب أو جماعات، فالكل من الناحية الفنية يقفون على درجة واحدة عند خط شروع التجربة الفنية، وبالتالي تقع مسؤولية فرزهم وتقييمهم على عاتق النقاد والمتلقين.

يمكن لزائر المعرض أن يقضي ساعات وهو يتأمل ما أنتجته أنامل المبدعين ليرتشف منها تفاصيل واجتراحات انهمرت على شكل تجارب متنوعة ومختلفة من حيث الأسلوب والمستوى والرؤى ومن المنطقي بعد هذه الرحلة أن تتشكل لديه صورة واضحة عن طبيعة الحراك التشكيلي العراقي بكل حقوله الفنية.

تندرج هذه الفعالية السنوية في إطار الحرص على تقديم الفن التشكيلي العراقي إلى الجمهور بما يشهده من تحولات مستمرة سواء على صعيد التجارب الفردية أو في سياق المشهد العام، خاصة وأن للتشكيل العراقي عمقا تاريخيا يمتد بعيدا إلى الفترات التي تفتحت فيها منجزاته في حضارات وادي الرافدين، ولا تزال الأوساط الفنية العالمية تقف حائرة أمام النحت الآشوري وكذلك قطع الخزف التي جادت بها حضارة ما قبل سومر التي تعود إلى الألف السابع ق.م.

ان التجربة التشكيلية العراقية بعلاماتها الحديثة ابتدأت في أربعينيات القرن الماضي مع عدد من الفنانين الرواد الذين وضعوا أسس الفن التشكيلي الحديث من خلال ما أنتجوه من أعمال بعد أن درسوا في عدد من البلدان الغربية مثل أمريكا وفرنسا أبرزهم الفنان عطا صبري وحافظ الدروبي وفرج عبو وفائق حسن ومحمود صبري وإسماعيل الشيخلي ونوري الراوي ونجيب يونس وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، فكان لهذه المجموعة من الأسماء شرف الريادة في تأسيس المرتكزات الأساسية للوعي  بأهمية المنعطفات التي تندرج فيها مسارات الفن التشكيلي الحديث.

غياب الواقعية

إذا ما تجول المتلقي في أروقة المعرض الأخير، لابد أن تلتقط مجسات ذائقته النقدية ما حفل به من تنوع في المعالجات والأساليب، وما يمارسه الفنان التشكيلي العراقي من فعل إبداعي يحمل في ثناياه رغبة قوية لتأكيد حضوره الخاص رغم أنه دائما ما يطل من شرفة مفتوحة على التجارب العالمية بما تحمله من إرهاصات الغرابة والتجديد، لكنه كان دائما يحرص على أن يبقي ملامح نواميسه الرافدينية بارزة في نتاجه إضافة إلى عدم تخليه عن مسؤوليته الإنسانية في محاكاة الواقع بمفردات فنية تمسك بلغة الإيحاء والترميز .

يلاحظ على هذا المعرض أن هناك ميلا قويا من قبل عديد الرسامين إلى التجريد في إعادة تكوين وتشكيل العالم، وأن أساليب مثل الواقعية لم يعد لها ذاك الحضور في السياق العام للمشهد الفني، بينما تتقدم التعبيرية بأشكالها المتنوعة إلى واجهة الخطاب بما في ذلك الأعمال التي تحضر فيها المفردة الواقعية إلى ضفّتها ويتجلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر في لوحات الفنان خليف محمود، التي حاول فيها أن يعيد إلى ذاكرة المتلقي قسوة الحرب التي شهدها الإنسان في مدينته الموصل وما تعرضت له من تدمير. ويمكن الإشارة هنا أيضا بهذا المنحى إلى ما قدمه الرسام زياد محمد، حيث وشمت المدرسة التعبيرية أعماله التي حاول فيها أن يمارس لعبة النقد لظواهر اجتماعية تحط من كينونة المرأة العاملة وتختزلها إلى أيقونة جنسية. وعلى سبيل المثال قدم زياد لوحة فنية كانت تبوح بموضوع واقعي، إلاَّ أنه اختار أن يقدمها بمعالجة فنية تعبيرية لكي يبتعد بها عن المباشرة في طرح موضوعته، ادراكا منه بأن الإيحاء يشكل أهم قيمة فنية ينبغي أن تتوفر في أي عمل فني، خاصة إذا كانت العينة التي اتكأ عليها قد استلها من الواقع الراهن، وهنا سيكون الأسلوب التعبيري محاولة منه للأخذ بعمله إلى منطقة الإيحاء والتأويل بدلا من التعبير الصريح والمباشر الذي تفضي إليه المدرسة الواقعية. أما الرسام مازن منذر فقد استثمر في لوحته التي حملت عنوان “العشق” مفردة قارب المشحوف الذي ينتشر في أهوار جنوب العراق منذ عهد السومريين باعتباره مصدرا للرزق والحياة والتواصل مع العالم، وربما يستغرق الإنسان الجنوبي كل وقته في المشحوف بذلك يصبح من الصعب تفكيك العلاقة بينهما طالما هي على هذه الدرجة من التعايش اليومي الواقعي إلا أن الفنان اجتاز عتبة الواقعية في عمله وأخذ بهذه المفردة إلى ضفاف التعبيرية، حيث اعتمد على البنية الرمزية لقارب (المشحوف) بما يحمله من ميراث يرتبط بمعيشة الإنسان وتحديات وجوده وما له صلة بدلالته التاريخية الرافدينية التي تعود به إلى أيام السومريين، وبما أن للعراق تاريخا حضاريا موغلا في القدم والتأثير على المستوى الإنساني فإن الفنان الذي يمتلك ذاكرة خصبة لابد أن يكون لديه فضاء رحب يتحرك عليه اعتمادا على هذا الميراث وسيمنحه فرصة ثمينة لكي ينتج أعمالا تحمل بصمته الذاتية.

وإذا ما أخذنا تجربة الرسام عماد عاشور الذي عرف عنه اشتغاله الدائم على الوجوه الإنسانية، فنجد في أعماله طاقة هائلة من الإيحاءات اختزنتها وجوه بشرية، ومن الصعب ان تتشابه الملامح بين هذا الوجه وذاك، والفنان عاشور في تجربته نجده مراهنا على إعادة اكتشاف ما أنجزه، بذلك هو لم يبارح المنطقة الفنية التي  كان دائما مسكونا فيها واستلهم أفكاره منها، فالوجه بالنسبة له لا يزال أقرب ما يكون إلى المرآة التي تكشف دواخل الإنسان ويمكن من خلاله قراءة ما يجول في خاطره، فجاءت أعماله تواصلا مع هذا النسق الفني الذي خبره وعرف مغاليقه وأسراره.

وإذا ما تطرقنا إلى الأعمال النحتية فإن التعبيرية أيضا لم تغب عن عديد القطع التي ضمها المعرض، وإن كان النحات العراقي يقف متوجا بتاريخ طويل من محاولات الخروج والتحليق بعيدا عن محاكاة الواقع بأعماله من بعد أن يرتفع بها إلى مستوى التجريد والتوقيع بخطوط وأشكال تعبر عن توقه إلى إرهاصات الحداثة وما بعدها.

إجمالا نصل في هذه القراءة إلى أن هناك آليات متباينة لدى الفنانين العراقيين في تفاعلهم الفني مع رؤاهم وأفكارهم ومعالجاتهم عندما يتناولون الظواهر الواقعية أو في الحالات التي يخضعون فيها الموروث الحضاري إلى ذاتهم الخلاقة ومن ثم يحيلونه إلى التحولات الأسلوبية في مساحاتهم التطبيقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية