المعلم نيلسون مانديلا.. ودرس الحرية الرفيع

حجم الخط
0

سيظل نيلسون مانديلا حاضرة تربوية فريدة وشامخة شموخ قامته الطويلة والفارهة والمديدة والمهيبة والمتمايلة في مشيتها تمايل شجرة السرو لما تداعبها الرياح. وإن التفاؤل الذي يختلج أحاسيسه التي شحذها القهر وسنوات السجن هي التي أبقت الابتسامة لا تفارق وجهه ذا البشرة السوداء الذي يشبه وجه طفل بريء. فهو رجل لم يُر مضموم الشفتين أو مكشر الملمح أو مقطب الجبين والحاجبين حتى في أصعب الظروف التي واجهها. جاء مانديلا إلى الحياة من صلب رجل كتبت له الزعامة رغم أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. وتعلم هذا المعلم الكبير من الحياة وعن طريق الملاحظة والمحاكاة كما تعلم أطفال عشيرته ‘الكوسا’، الذين يرون في طرح أسئلتهم على الكبار إزعاجا لهم، أكثر مما نهل من المدارس التي جلس على مقاعدها مصغيا إلى معلميها. واستطاع أن يصوغ في مذهبه التربوي درس الحرية البديع، منذ أن شرع في التأمل وهو يلاحق رؤوس أغنام يرعاها. ومنذ صباه الباكر، بدأ هذا الدرس يسري في شرايينه، فشق طريق النضال الطويلة والمريرة، ولم تشكُ قدماه من وخزات الأشواك التي تعمرها، ولم يستجد أحدا لينظر إليه بعين الترفق والإشفاق.
اختار المعلم مانديلا أن يساير المقاربة البنائية في جمع عناصر درسه عن الحرية، وفي توطيد أركانه، حتى أكمل بنيانه. ولم يكن يؤمن بمغازلة الحرية بقلب يغمره الجوى والحزن والأنين، كما يفعل الشعراء، وإنما أرسى دعائمه من خلال نضاله اليومي الطويل، وقدمه في مدرسة رحيبة بلا جدران ولا سقوف، وتخلو من الطاولات والكراسي والسبورة، وجعل من إرادته وتصميمه على المغالبة أهم موارد استيعابه، وزفه إلى كل أبناء المعمورة المضطهدين والمقهورين، الذين سلبت منهم حرياتهم غصبا عنهم، غير ناظر إلى الحواجز الوهمية التي نصبها أعداء الحرية من جنس ولون وعرق ومنبت وانتماء.
عندما ولد المعلم مانديلا دعاه والده: ‘روليهلاهلا’. وكان له من هذا الاسم نصيب في مستقبل حياته؛ لأنه يعـــــني في لهجة قبيلته المحلية: ‘نازع أغصان الأشجار’ أو ‘المشاغب’. ولكن مشاغباته التي أقلقت الأقلــــية العنصرية الحاكمة في بلده كانت من أجل استرداد حق الحرية المغتصب لكل أبناء بلده من دون تمييز.
ضمّن المعلم مانديلا في كتابه: ‘رحلتي الطويلة من أجل الحرية’ سيرة حياته وشهادات عن مســـيرته النضالية الشاقة. وعن ذكرياته المدرسية الأولى المسترجعة من صفحات ذاكرته يقول ‘تقع المدرسة في الجانب الآخر من الجبل في ‘قونو’ ـ و’قونو’ هي قريته، وهي عبارة عن حجرة يتيمة ذات سقف على الطريق الغربية. كان عمري سبع سنوات، فأخذني والدي جانبا عشية ذهابي إلى المدرسة ليؤكد علي أن أرتدي زيا لائقا أذهب به إلى المدرسة. فلم أكن أرتدي، حتى ذلك الوقت أسوة بغيري من أطفال ‘قونو’، سوى دثار ألفه حول كتفي وأشده في الوسط. فجاء أبي بسروال له، فقصه عند الركبتين، وطلب مني أن أرتديه. ففعلت، فكان الطول مناسبا، ولكن الحجم عند الخاصرة أكبر من حجمي بكثير. فجاء أبي بخيط وشدّ أطراف السروال بإحكام على خصري. لا شك، أن منظري كان مثيرا للضحك. ولكن لم يتملكني فخر بارتداء بدلة قط في حياتي كالذي غمرني عند ارتداء سروال أبي المقصوص.
في أول يوم دراسي أعطت المُدَرّْسة الآنسة إمدينغاني كل تلميذ منا اسما إنكليزيا قائلة إنه الاسم الذي ستعرف به في المدرسة منذ ذلك التاريخ. كانت تلك عادة عند الأفريقيين، آنذاك، نشأت بلا شك نتيجة للتأثير البريطاني في نظام التعليم. فقد كان التعليم الذي تلقيته تعليما بريطانيا يعطي الأفكار والثقافة والمؤسسات البريطانية مكانة أعلى من غيرها. فلا وجود، في نظرهم، لشيء اسمه الثقافة الأفريقية.
كل أفريقي من أبناء جيلي، وحتى يومنا هذا، يحمل اسمين: اسما غربيا وآخر أفريقيا. ولم يكن الغربيون يحسنون نطق الأسماء الأفريقية. ولم تكن لديهم الرغبة في نطقها نطقا صحيحا. واعتبروا تلك الأسماء دليلا على التخلف. وفي ذلك اليوم، أخبرتني الآنسة إمدينغاني بأن اسمي هو نيلسون. ولم أدرك سر إنعامها عليّ بهذا الاسم بالذات؟’.
أما درس الحرية العظيم الذي برع فيه المعلم مانديلا براعة لا مثيل لها، فيوجزه في السطور التالية: ‘إن المرء في هذه الحياة عليه واجبان: واجب تجاه أسرته ووالديه وزوجته وأبنائه، وواجب تجاه قومه ومجتمعه ووطنه. وفي المجتمع الإنساني السوي، يستطيع المرء أن يوفق بين هذه الواجبات بما تيسر له من إمكانيات وقدرات. أما في بلد مثل جنوب أفريقيا، فمن المستحيل على رجل من أصلي ولوني أن يفي بحقوق الجميع. فالملوّن في جنوب أفريقيا إن حاول أن يعيش إنسانا عوقب وأقصي. وإن أراد أن يوفي بواجبه تجاه وطنه حرم من أسرته وبيئته، وعاش حياة مشتتة تغلفها السرية وروح التمرد. لم أختر منذ الوهلة الأولى أن أضع قومي قبل أسرتي، ولكني عندما حاولت أن أخدم قومي، وجدت نفسي محروما من الوفاء بواجبي نحو أسرتي، ابنا وأخا وأبا وزوجا’.
ثم يواصل في سرد عناصر أخرى من هذا الدرس الرائع، قائلا: ‘لم أولد برغبة جامحة لأكون حرا، ولكنني ولدت حرا بكل ما كنت أدرك من معاني الحرية. فكنت حرا أجري في الحقول المجاورة لكوخ أمي، وكنت حرا أسبح في الأنهار التي تشق قريتي، وكنت حرا أشوي الذرة تحت نجوم السماء وأمتطي ظهور الثيران. وطالما أنني أطعت والدي، واحترمت تقاليد قبيلتي لم يكن هناك قانون يقيدني، أو يحد من حريتي.
لم أتلهف على حريتي إلا عندما بدأت أعي في صباي أن حريتي كانت خيالا. وعندما اكتشفت، وأنا شاب، أنني سلبت تلك الحرية. فعندما كنت طالبا، كنت أنشد الحرية لنفسي فحسب، حرية أن أعود إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل، وأن أقرأ ما شئت، وأن أذهب حيث شئت. وفي جوهانسبورغ، وأنا شاب، كنت أحن إلى حرية أن أحقق ما أصبو إليه، وأن أكسب المال، وأن أتزوج وأصبح أبا، وإلى حقي في ألا يقف أحد عقبة في طريقي، أن أعيش حياة كريمة مشروعة.
ولكنني، أدركت، شيئا فشيئا، أنني لست حرا، وأن إخواني وأخواتي من حولي ليسوا أحرارا كذلك. وفطنت إلى أنني لست الوحيد الذي سلبت حريته، ولكن حرية كل من له لون بشرتي وملامح وجهي كانت مسلوبة، عندها التحقت بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي.
ومن هناك، تحوّل لهفي على حريتي الخاصة إلى لهف على حرية قومي. إن تلك الرغبة في حماية حرية قومي كي يعيشوا حياتهم في كرامة واحترام وعزة هي التي حركت همتي، وغيرت مجرى حياتي، وأحالت الخوف في نفسي إلى شجاعة وإقدام. وجعلتني طريد العدالة بعد أن كنت رجلا يحترم القانون ويمارسه، ومشردا لا مأوى له، بعد أن كنت زوجا وأبا يحب أسرته، ورجلا أشبه بالرهبان بعد أن كنت إنسانا يحب الحياة ويعشقها. هذا كله لا يعني أنني امتاز عن غيري بطهر وعفاف أو تضحيات خاصة، ولكنني اكتشفت أنني غير قادر على الاستمتاع حتى بأقل قدر من الحرية التي كنت أتمتع بها عندما علمت أن قومي ليسوا أحرارا. إن الحرية لا تتجزأ، فالأغلال التي تقيد واحدا منا تقيدنا جميعا، والأغلال التي تقيد قومي هي أغلال تقيدني كذلك.
وفي تلك السنوات الحالكة الطويلة تحوّل لهفي على حرية قومي إلى لهف على حرية كل الناس، البيض منهم والسود. لقد كنت أعلم علم اليقين أن حاجة الظالم إلى الحرية أمَس من حاجة المظلوم. فالذي يسلب إنسانا حريته يصير هو نفسه أسيرا للكراهية والحقد، يعيش وراء قضبان التعصب وضيق الأفق. فكيف لي أن أشعر بحقيقة الحرية وقد حرمت إنسانا آخر من حريته؟ إن الظلم يسلب كلا من الظالم والمظلوم حريته.
لقد سرت على طريق الحرية الطويل، وبذلت جهدي كي لا أتداعى أو أسقط. وإن تعثرت خطواتي أحيانا. ولكنني اكتشفت سرا يقول: إن الإنسان الحر كلما صعد جبلا عظيما وجد من ورائه جبالا أخرى يصعدها. والآن، فإنني أستريح، ولكنها استراحة محارب استمتع فيها بما حولي من أمجاد، وألقي ببصري إلى الوراء أتأمل الطريق التي قطعت. إن استراحة المحارب قصيرة؛ لأن للحرية تبعاتها، ولا يسعني الانتظار؛ لأن رحلتي طويلة، ولم تنته بعد’.
لما وجدت ضعفا وهزالا وقلة نضارة في كلماتي للحديث عن المعلم مانديلا، شرّعت أبواب الاقتباس المسترسل من كلامه. وسيبقى اسم هذا المعلم المنارة ذي النزعة الإنسانية الجارفة مقرونا بدروس الحرية التي تنتزع ولا توهب في كل مدارس المعمورة. وللقارة السوداء أن تفخر بمعلمها الحكيم، وأن تشيد له في كل بلد من بلدانها تمثال عز واعتراف.
ساق المعلم مانديلا درسه عن الحرية سياقا بيداغوجيا لا يختلف في شيء عن رؤى الراسخين في فن التعلم كلما تعلق الأمر ببناء المفاهيم. ولم يخالف نظرات جيروم برونير ودافيد اوزيبل وطابا هيلد وغيرهم ممن اهتموا بتدريس المفاهيم، ولكنه لم يجاريهم في الانتقال بمفهوم: ‘الحرية’ الذي شغله وسلب كل اهتماماته في آخر مراحله من المحسوس والملموس إلى مراتب التجريد الذي تبقيه فكرة عامة ذات بعد تصنيفي تحفظ قاعدتها. حتى إن أبقاه في مستويات المحسوس والملموس إلا أنه استطاع أن يكفل نموّه، شيئا فشيئا، وأن يوسع من دائرته بشكل متلاحق بفضل مكتسبات يراكمها بمواصفات تعريفية رسمت سمته الذي أراده له.
لم يكن مانديلا مربيا بالمعنى التعليمي المتعارف عليها للكلمة، ولم يكن فيلسوفا مشغولا بالتلاعب بالكلمات وبناء النظريات وكتابتها على الورق، وإنما كان مفكرا عضويا شديد الارتباط بالإنسانية جمعاء، ومناضلا واعيا وملتزما ارتضى أن يرهن حياته، وأن يجعل كل أيام عمره وقفا على كلمة واحدة هي لفظة: ‘حرية’.
أحسب أن الظروف التي شكلت شخصية وفكر المعلم مانديلا وصهرتها بنيرانها الحارقة من القهر والقسوة والحرمان والمضايقة والمتابعة والسجن موجودة في كل شبر من المعمورة. ولعل ما يجري في مصر مع الرئيس المنتخب شرعيا محمد مرسي وإخوانه لن ينجب سوى ‘مانديلات’ آخرين في أرض الكنانة التي ظهر على أديمها الناصع موسى لقهر بطش وجبروت فرعون. والأيام دول بين الناس.

‘ باحث جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية