المعنى الضائع للاستقلال اللبناني في ظل الاستقطاب المذهبي الإقليمي

حجم الخط
0

لم يعد لفكرة «الإستقلال اللبناني» معنى إن هي لم يُعاد تركيبها لتقترن بضرورة الإستقلال المزدوج عن «المشروعين الإقليميين – المذهبيين»، التدميريين، إمّا لطبيعة تسم أحدهما، وإما لطبيعة الإثنين، وإما لطبيعة الإستقطاب القائم على أساسهما، لعدد من الكيانات الوطنية في الشرق الأوسط.
في مرحلة سابقة، كان الإستقلال اللبناني يعني بشكل أساسي الإستقلال عن الوصاية السورية عليه، واجلاء الجيش السوري منه، والتزام البلدين بالعلاقات الديبلوماسية فيما بينهما. احتاج تأمين أرضية داخلية مسيحية – إسلامية واسعة للضغط في هذا الاتجاه لعشر سنوات من التراكم، قادته تحديداً البطريركية المارونية، على هدي من «الإرشاد الرسولي» الذي تكلّل به «السينودس من أجل لبنان».
لم ينته النظام السوري، الأسدي بعد، ومن التسرّع القول أن خطره على الإستقلال اللبناني قد أنعدم، خصوصاً وأن منظومة الممانعة المذهبية باتت أكثر محواً للحدود «القطرية» في ما بين فرعها السوري وفرعها اللبناني. لكن ما انتهى بالفعل هو القدرة على قول شيء كاف ان نحن اكتفينا بتعريف معاني الاستقلال اللبناني بأنه عن سوريا، سواء عنينا بها الاستقلال عن النظام السوري، أو عن الثورة أو الحرب السورية، أو عن اللجوء السوري إلى لبنان، أو شيئاً من كل هذا.
الإستقلال اللبناني مقولة لها راهنيتها اليوم. أكثر من ذي قبل. لكن راهنيتها تعني بشكل أساسي أنّ معادلة عام «2005» صارت وراءنا إلى حد كبير، وأن تضمين الإستقلال فحوى وطنية معاشة، قادرة على احياء العقد الاجتماعي بين اللبنانيين، هي رهن مقاربة تسعى للتفلت بشكل واقعي، انما بشكل منهجي، عن منظومة الاستقطاب بين المشروعين الاقليميين – المذهبيين.
لا يعني ذلك أن وكلاء هذين المشروعين في الداخل اللبناني هبطوا عليه من الفضاء الخارجي. لا، هم، حتى اشعار آخر، لهم حيثية شعبية وسياسية لا يمكن التفكير ببترها، والأولى الزامها بالاعتراف بوجود غيرها في هذا البلد.
ولا يعني ذلك أن وكلاء المشروعين يتعادلون فيما بينهم، فحيوية «حزب الله» التعبوية والأمنية والعسكرية تجعل مسيرته التغلبية أخطر من النزعات الاستئثارية الفاقدة لشروطها عند سواه. هو أكثر انسجاماً مع خطابه، ونظرته إلى العالم، وأكثر ترشيداً لموارده، ويتمتع بقيادة كاريزماتية يتميز بها عن الآخرين، لكن كل هذا يجعله أخطر، لأنه نزعته التغلبية جدية أكثر، ولأنها في الوقت نفسه غير قادرة على إشباع نفسها، وبلوغ خواتيمها.
ولا يعني ذلك أيضاً إمكانية اعتماد النسبية والإبهام حيال الوضع السوري. في سوريا ثمة نظام استخدم سلاح الطيران ثم السلاح الكيماوي في حرب أهلية وهذا ليس بتفصيل. مثل هذا النظام غير قادر أساساً على وقف اطلاق نار ليوم واحد، ولأجل هذا فإنّ اسقاطه فيه مصلحة للشعب السوري كما للشعوب المجاورة.
أما، بعد ايضاح هذه الأبعاد الثلاثة، وهي الاقرار بالحيثيات القائمة في لبنان اليوم، وتمييز المشروع الهيمني لـ»حزب الله» عن سواه، ورفض تمييع الادانة الواجبة للنظام السوري، فإنّ عمق التصادم الحادث في المنطقة حالياً، بات، وأكثر من مشكلة المشروع الهيمني لـ»حزب الله» نفسه، يشكّل خطراً على الفكرة الكيانية اللبنانية، وعلى الإستقلال الوطني. ليس خطراً فقط، بل إماتة لهذه الفكرة الكيانية، ولهذا الإستقلال، طالما استمرت نخب السياسة والإعلام والثقافة معلقة فيه.
ليس من مصلحة الكيانية اللبنانية أن تنصب نفسها مرجعية للافتاء بما هو الصح وما هو الخطأ على مستوى كل شعب من شعوب المنطقة، لكن شرط تحقيقها لذاتها بشكل ناضج، هو انتهاج حقوق الانسان والنظام الدستوري التعددي، ولا يمكن في هذه الحالة، التعامل بخفة مع انتهاكات الحقوق في الإقليم، أو الارتياح لهشاشة أو غياب النظم الدستورية، أو غض الطرف عن الاضطهاد المتبادل التي تتعرض له الاقليات الدينية في الاقليم، أو السماح بانتشاء فئوي داخلي على وقع استحسان اضطهاد مذهب لمذهب أو ملة لملة في بلد آخر.
اللبنانيون، مرتبطون، بمنظومة الاستقطاب التناحري بين هذين المشروعين الاقليميين – المذهبيين، ويرى كثيرون منهم ان هذا الارتباط ضروري لخدمة قضيتهم الداخلية، أو لخدمته القضية التي يساندونها في سوريا. وهذا يجعل كثيرا من الساسة والإعلاميين والفنانين، «ناطقين» باسم احد المحورين. هناك من يتخيل أن المشروع الاقليمي المذهبي الذي يحالفه هو له مضمون «تقدمي» أو «ثوري» مستتر قياساً على «رجعية» المشروع الذي يحاربه. هناك من يرى ان تصادم المشروعين بحد ذاته «ثوري» من منطلق «بطيخ يكسر بعضه». لا بهذا ولا بذاك يمكن اعادة المعنى إلى فكرة الاستقلال اللبناني.
تعريف هوية البلد، كيانه، مداميك استقلاله، خارج منظومة المشروعين المذهبيين الاقليميين هو المحك.
وليس صحيحاً أن «الساحات» عراقية كانت، أو خليجية، أو سورية أو لبنانية، أو يمنية، هي ترجيع صدى لتصادم هو في كل مكان واحد. هذه أيديولوجيا التصادم المذهبي الشامل. تحاول تكييف الواقع إلى حد كبير معها. وقد نجحت، لكنها لن تنجح في ذلك يوماً بشكل كامل، لأنّ لا صبر لأي من قطبيها على الحرب الكلية، ولأن الوقائع الأهلية لا يمكن طمس دينامياتها الداخلية مهما ألبس ثياباً تنكرية «سوبرا-اقليمية».
هناك مشتركات كثيرة بين هذه «الساحات»، وهناك اختلافات كبيرة أيضاً. لكن الأهم، هناك وعي بضرورة التفلت من مركز التصادم المذهبي الاقليمي لا بد ان يتبلور، بأجندة وطنية خاصة بكل بلد من هذه البلدان.
ليس من مصلحة لبنان أن يكون لديه أي عدو غير اسرائيل، وكما هو رسمياً ليس عنده عدو آخر، عليه أن يكون فعلياً لا ينظر إلى أي من بلدان منطقة الشرق الأوسط الأخرى أو أي من عواصم العالم نظرة عداء. هذا أساسي أيضاً لترشيد فكرة الاستقلال اللبناني، وتجنيبها سوء التأويل، على انها دعوة للاقلاع عن منظومة الوطأة والاستقطاب الحالية لصالح الانطوائية غير الواقعية. ليس عنده في المقابلة حلفاء غير نفسه، وللأحلاف شروط، منها استتباب أمر الدولة ومؤسساتها الدستورية فيه، وهذا تعبير ضروري آخر عن الاستقلال.
في السنوات الماضية، اقترنت تسمية الاستقلال بفريق (14 اذار) دون آخر (8 آذار) فضّل التعريف بالمقاومة والممانعة. لكن الاستخدام هذا ضل سبيلاً: صار «الاستقلال» وجهاً من وجوه التصادم الاقليمي بحجة ان الخصم الداخلي طرف في معسكر اقليمي. والخصم الداخلي هو فعلاً كذلك، لكن التمحور في المعسكر الاقليمي المناقض له فيه مشاركة معه على الاضرار بالفكرة الكيانية اللبنانية، وعلى تقويض مساحة تقرير المصير، وعلى استسهال فكرة ربط الاستقرار الداخلي والمؤسساتي بالتقاطعات الاقليمية لا بأي نوع من أنواع المتانة أو المناعة الداخلية.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية