لا يمكن أن تكون المعونات التي تقدمها دول لدول أخرى دون مقابل، فهذه ليست جمعيات خيرية. بدأ تقديم المعونات لمصر منذ منتصف القرن الماضي في محاولة للتأثير على القرار المصري السيادي، رغم ما كانت تشهده العلاقات بين مصر وأمريكا من هبوط وصعود. وبعد إتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 979، أصبحت المعونة الأمريكية، تتم سنوياً، بعد أن تحولت لمنح (0.815 مليار دولار إقتصادية و1.3 مليار دولار عسكرية) منذ العام 1982 حيث تمثل تلك المعونة 2 ‘ من إجمالي الدخل القومي المصري . وإستمرت تلك المعونة تثبيتاً للمعاهدة المصرية الإسرائيلية وتسهيلاً لعمل القوات الأمريكية الجوية والبحرية، عسكرياً ولوجستياً واعتبر بعض المراقبين أن أمريكا كانت مستفيدة من مردود تلك المعونة على صعيد السياسة الكونية للإمبراطورية الأمريكية المتصاعدة آنذاك . فهل تعليق تلك المساعدة هو مؤقت ؟ وما النتائج المترتبة للقرار الأمريكي ( سواءً مؤقتا أو نهائيا ) على العلاقات الثنائية ومع إسرائيل ؟ وهل ستتوجه مصر للشرق ثانية ؟ إن التراجع المستمر، ولو كان بطيئاً، لنفوذ الإمبراطورية الأمريكية التي تختنق بضعفها الإقتصادي، يسهم بإلغاء تلك المساعدات أو تقليصها بشكل يتناسب مع تراجعها العالمي. فهذه الحجج الأمريكية في وقف المعونة سبقها مواقف مشابهة في تجميد مستحقات مشاركتها في مؤسسات دولية بحجج واهية أيضاً. إن المواطن الأمريكي الذي يعاني من الضعف الإقتصادي الحكومي وإنعكاسه على تقديم جودة عالية من خدمات صحية وتعليمية ورعاية شيخوخة، سيضغط أكثر فأكثر في السنوات القادمة على صانعي القرار الأمريكي ومن هنا لن تعود المساعدات كما السابق وقد تلغى نهائياً إن لزم الأمر. إن صورة الوضع العام في معظم الدول العربية والإقليم، تتحرك فوق صفيح ساخن والرمال غير ثابتة وهذا يزيد في ضرورة عدم المغامرة لإمبراطورية تتهاوى. ولن تتأثر العلاقات بين البلدين كثيراً، وستبقى العلاقات بين الطرفين تقوم على المصالح المشتركة الموجودة أو التي ستقوم. أما تأثير وقف المعونة على الطرف الإسرائيلي، فهو أيضاً لن يكون مباشراً، بسبب عدم إستقرار الأوضاع في مصر، إضافة أن مصر لن تقوم بعد إستقرارها بإلغاء الإتفاقية مع إسرائيل بشكل متسرع. ان توجه مصر نحو الشرق وارد، ولكن هذا سيحتاج الى سنوات من الناحية الفعلية، خاصة في جانب التسليح الشرقي والتدريب وإستبدال المنظومة الغربية بالشرقية، أو على الأقل عمل نوع من التمازج. ولكن تغيير نية القيادة المصرية بهذا التوجه، وخصوصاً مع ترافقها برغبة شعبية وتنسيق مع روسيا، سيترك أثراً سلبياً على أمريكا وعلى إسرائيل، وسيعيد رسم المنطقة من خلال صعود دول كروسيا، بتحالفات جديدة معها، وهو ما سيسهم في تشكل عالم متعدد الأقطاب . عبدالله ابو مازن