المغربي فؤاد العروي: أن تكتب بالفرنسية لا يعني أنك فرانكفوني

حجم الخط
1

يدين المغربي فؤاد العروي إلى العزلة والصدفة اللتين دفعتاه إلى الخوض في عالم الأدب متكئا على ثقافة فرنسية متميزة ساعدته في انتقاد الواقع المغربي والسخرية منه على مدى عقدين، عبر أعمال متميزة جمعت بين القصة والرواية وبعض الدراسات اللغوية.
* بعد غياب استمر عقدا كاملا، زرت المغرب لتقديم روايتك «حذار من المظليين»، ما هي الانطباعات التي ظلت عالقة بذهنك بعد تلك الزيارة؟
* لاحظت أن كثيرا من الناس رغبوا في التعرف على الرواية المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية، بخلاف ما كان قبل عشرين سنة خلت، حيث كان كثير من الناس يقولون إن الرواية المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية لا مستقبل لها، على اعتبار أن المغاربة سيكتبون باللغة العربية فقط وإن الكتّاب باللغة الفرنسية لن يستمروا في الكتابة بها أكثر من عقدين بعد الاستقلال.
وقيل هذا الكلام في الستينيات، لكننا نرى الآن بعض الكتاب المغاربة يكتبون باللغة العربية، وآخرين يكتبون باللغة الفرنسية، وقد نشأت الآن مدرسة جديدة في الكتابة باللغة الفرنسية تضم عددا كبيرا من الكتاب الشباب.
وربما نتساءل: لماذا يصر هؤلاء على الكتابة باللغة الفرنسية أو الإسبانية أو الإنكليزية ويحجمون عن الكتابة باللغة العربية؟ هذا سؤال مطروح بقوة، وطرحته على بعض من التقيت بهم من دون أن يكون محملا بعتاب أو مؤاخذة، بل بفضول وانفتاح لافت للنظر.
* ما الذي دفعك لاقتحام عالم الرواية؟
* كنت أرغب دائما في أن أكون مهندسا، لذلك درست في الدار البيضاء، ثم ذهبت إلى باريس وحصلت على شهادة مهندس، وعدت إلى المغرب «باش (كي) تخدم في بلادك»، كما يقولون، على اعتبار أن البلد يجب أن يتقدم، ومن يحصل على شهادة يجب أن يشتغل في بلده، وهذه فكرة طبيعية ومنطقية.
لكنني كنت ألاحظ في المغرب بعض الأشياء التي أقول عنها «هذه يمكن أن تتحسن، وهذه ليست أمور معقولة، وهذه مزيانة (جيدة)».
هذه الملاحظات وقفت عليها، وأنا أعيش بمدينة «خريبكة» حيث كنت أشتغل مهندسا، وأسكن بمفردي، وكنت أدونها على شكل رواية لأنه لم يكن هناك شخص أتقاسمها معه، لكن بعد مرور عدة سنوات أصبح عدد الأوراق المكتوبة 180 شكلت رواية كُتبت من دون تفكير، ثم عدت إلى أوروبا فقلت بيني وبين نفسي «هذه رواية كتبت وحدها ويجب نشرها»، فبعثت بها عبر البريد (إذ لم أكن أعرف أي شخص له علاقة بالنشر) إلى أربع دور نشر باريسية.
وبعد عشرة أيام تلقيت اتصالا هاتفيا من دار «جيليار»، وسألني الرجل المتصل هل يربطني عقد أو تعاقد مع دار معينة وأجبت بالنفي فطلب مني الاتصال بالدار، وزرت الدار فقيل لي إن هذه الرواية مهمة ويجب أن تُطبع وتنشر، باختصار.. هكذا أصبحت كاتبا وهكذا نشرت روايتي الأولى «أسنان الطوبوغرافي».
* عن ماذا تتحدث في روايتك الأولى؟
* الفكرة الأساسية هي «الهوية»، حيث أننا كمغاربة تتشكل هويتنا من الإسلام والعروبة، لكن هناك بالمقابل هذا الغرب الذي تجعلنا اللحظة وجها لوجه معه وفي مواجهته وهذا مشكلة، فقبل خمسين سنة طُرحت الفكرة ذاتها على إدريس الشرايبي في روايته «الماضي البسيط»، وأعتبر أن لي وجهة نظر خاصة في تحديد الهوية، وهي وجهة نظر تدفع أكثر من فرد أن يقول لي «ليست هذه هي الهوية، أنت مخطئ».
أقدم لك مثالا حول هذا الأمر، فإذا كان هناك شخص مغربي ولكنه ولد ونما وترعرع في أوروبا، فهو بالرغم من الحنين الجامح نحو المغرب ورغبته في زيارة المغرب خلال العطل، وبالرغم من حبه لوطنه، يجب أن ينظر إلى نفسه كأنه أوربي إذا كانت مصلحته ومستقبله في أوروبا.
وهناك جانب آخر في هويته وهو أنه مغربي، لكن البعد الأساسي في حياته أنه أوروبي، وإذا لم يكن مقتنعا بهذه الفكرة أينما كان (في باريس أو أمستردام أو غيرهما) فسيظل يشعر دائما بنقص، ويعاني من مشاكل وعُقد، وهذه وجهة نظر خاصة بي، وكثير من الناس يقولون لي «إنك مخطئ، فالمغربي مغربي أينما حل وارتحل، حتى ولو كان لا يعرف اللغة العربية».
* تركز في رواياتك على قيمة الفرد، وقد افتتحت إحداها بقول لستيفان زفايك «وحده الفرد يدخل الاستقلالية إلى العالم»، في هذه الحالة أنت تنتصر للقيم الغربية المرتبطة بالنظام الرأسمالي وعلى رأسها النزعة الفردية، ما ردك على ذلك؟
* أنت على حق، ففكرة الشخص والمرء هذه هي التي أنشأت الليبرالية وهي التي ولدت الرأسمالية، في الستينيات والسبعينيات كان لنا نحن نظام أو نموذج آخر، وهو نظام أو نموذج روسيا (نموذج الاشتراكية والشيوعية) وهو نموذج جديد نسبيا.
* وهو النموذج الذي كان مهيمنا على مثقفي «العالم الثالث» عامة.
* بالفعل، كان نموذجا سائدا في العالم الثالث في الستينيات والسبعينيات، لو تحدث شخص حينها عن وجوب إعطاء الأولوية للفرد، لقيل له أنت رأسمالي تريد أن تعطي الأولوية للفرد والشخص، بينما نحن نعطي الأولوية للمجتمع.
لكن المجتمع الاشتراكي والشيوعي عام 1989 اختفى ولم يعد حاضرا بقوة مع انهيار جدار برلين، ولا يمكن أن نتحدث عنه الآن أو نمتدحه، فالعولمة نظامها الأساسي هو الليبرالية، وأنا لا أرى هذا النظام عجيبا وأمدحه، بل ألاحظ هذه الأشياء. النظام الليبرالي هو الموجود الآن، والعولمة هي النموذج الليبرالي، وإذا أردنا أن نلج العولمة وأن نلعب دورا في قلبها يجب أن ندخل في هذا النظام الليبرالي، وأنا لا أقول إن هذا النظام أحسن من غيره، لكنه السائد اليوم.
* تتشابه مع أقرانك من الكتاب المغاربة «الفرانكفونيين» في حضور الثقافة العربية والشعبية في نصوصك من خلال تناسل الحكايات والأمثال او المزج بين اللغتين في الأسماء، من قبيل «مولاي ماشان» و»سيدي تريك»، كيف تفسر ذلك؟
* هذا جانب آخر من القضية وهو الفرق بين من يكتب بالعربية وبالفرنسية، عموما الفرق ليس كبيرا أو نهائي فالطاهر بن جلون نفسه في كتاباته وأسلوبه كاتب عربي وليس كاتبا باللغة الفرنسية (فرانكفوني)، لأنه بالرغم من أنه يكتب باللغة الفرنسية فأفكاره عربية، وكذلك أنا من خلال استعمالي الحكمة الشعبية والقصص الكثيرة، أبقى كاتبا عربيا ومغربيا.

حوار: عبد العزيز جدير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية