المغربي محمد أمنصور: لا أهمية للأدب في المجتمعات المتخلفة

حجم الخط
7

حوار: عبدالعزيز جدير : دشن المغربي محمد أمنصور حياته الأدبية ناقدا، ثم أصابته لعنة كتابة القصة القصيرة فالرواية في بعدها التجريبي، وفي هذا الحوار ينير أمنصور جوانب من وضع النقد في المغرب، وطبيعة الإبداع وعلاقة الكتابة بالمجتمع، من دون أن يختار كلماته أو ينمقها على عادته.
– هل يمكن الحديث عن «الكفر» بالنقد الأدبي في المغرب، إذا استثنيا بعض انواع النقد المسرحي لأسباب خارجة عن قوة الإبداع؟
– لا يتعلق الأمر في تقديري بكفر كما تقول، وإنما بمأزق كنت أشرت إليه في التسعينات غير مرة عندما تحدثت عن التداخل في المواقع والوظائف بين النقد الصحفي والدراسة الأكاديمية، حيث قام الجامعيون بالمشاركة في الصحافة اليومية وتم إقصاء القارئ العادي من اللعبة التواصلية، ما أدى إلى كتابات نقدية تتسم بالهجانة واللامقروئية حتى من قبل النقاد أنفسهم، والنتيجة هي ما بدا لك كـ»كفر نقدي»، أما حال النقد المسرحي فلا يختلف كثيرا عن نظيره الأدبي في الأعطاب والتعثرات.
– ألم يكن الجزء الأكبر من هذا النقد الأكاديمي تطبيقا لمناهج غربية على نص أدبي؟
– لكي ندرك أهمية القفزة النوعية التي أنجزها النقد الأكاديمي المغربي على الصعيد العربي وليس الوطني وحسب؛ علينا أن نستحضر الوضع السابق للممارسة النقدية بالمغرب، وبخاصة إبان النصف الأول من القرن العشرين، لقد كانت عبارة عن خواطر ومنتخبات وفهارس ومسامرات، ثم انتقلنا بالتدريج إلى مرحلة الاستغراق في توظيف المنظور الإيديولوجي معيارا للقراءة في السبعينيات، لتأتي مرحلة الثمانينيات والتسعينيات كتحول كبير ورائد في هذا المجال.
فإذا كانت البنيوية الشعرية واللسانيات قد سجلت زلزالا معرفيا في الحقل الأدبي-النظري والمنهجي الغربي، فإنها لم تمر دون أن تترك ارتدادات في الحقل الأدبي المغربي، ولم تكن كل المحاولات في هذا الاتجاه ناجحة، وبخاصة الجانب التطبيقي منها، ولكن الزخم الأكاديمي لعبت فيه الجامعة المغربية دورا محوريا، قبل أن يشرعوا في مسلسل هدمها تحت شعارات «الإصلاح» (التخريب).
– قد يتجلى هذا الكفر في هجرة الشعراء والنقاد أنفسهم لجنس إبداعهم والارتماء في أحضان الرواية، فهل يعود الأمر إلى الحظوة التي ينعم بها الروائيون، أم تواضع العطاء النقدي، أم هي الجوائز المُغرية؟
– العامل المتحكم في الإبداع هو القدرة التي كان يطلق عليها «الموهبة»ولم تعد هذه المفردة مستحبة، فلا يكفي أن يقرر الناقد الكتابة في الرواية حتى يصير روائيا، بهذا المعنى من حق أي كان أن يتحول إلى الجنس الأدبي الذي يشاء، ولكن السؤال المطروح هو: ماذا سيقدم من جديد وأصيل للتراكم الموجود؟ إن الخلخلة الإيجابية للأدب المغربي القائم هي المحك، وغربال تاريخ الأدب بالمرصاد للجميع.
– ربما ظل النقد في المغرب «إخوانيا» أو»شُلَلِيّا» يرضي الكاتب أكثر مما يضيء نصه ويفيد القارئ، لأن معظم ممارسيه يكتبون عن أساتذة لهم بالجامعة أو رفاق بالحزب أو متعاطفين، ما رأيك بذلك؟
– الكتاب الحقيقيون يتهيبون النشر، وهناك بالأحرى استجداء النقد الإخواني أو الشللي الذي يتملق الكاتب بدل نقده وإضاءة نصوصه بما لها وما عليها، ونحن نعرف الآن أسماء كتاب شبه مغمورين ليس وراءهم حزب سياسي ولا سلطة جامعية يكتبون أحسن وأعمق من آخرين حققوا نجوميتهم الظرفية والزائفة بشبكة من شبكات العلاقات الزبونية.
شخصيا، اقتنعت مع توالي السنين أن تجاهل عمل أدبي من طرف معاصريه خير له من زفة الطبل والمزمار المصطنعة التي يقف خلفها المؤلف، والأدب يحتاج إلى دوران عجلة الزمن وزوال المؤثرات الظرفية النفعية التي تعلي أو تحط من قيمة عمل أدبي لغير وجه الأدب، إن دراسة التاريخ تعلّم أن المسافة الزمنية غير المنظورة والأجيال اللاحقة هي من يستطيع أن يبوئ عملا أدبيا مكانته الحقيقية في الذاكرة الإنسانية.
– بدأت نشاطك الأدبي ناقدا، وقد خنت النقد باللجوء إلى تراب القصة القصيرة فالرواية، ما السبب؟
– بدأت الكتابة بالقصة القصيرة وهيأت نفسي دائما لتحقيق حلم كتابة الرواية، أما علاقتي بالنقد، فبدأت مع المسرح وتطورت مع الدرس الجامعي الذي فتح شهيتي على كتابة النقد في الرواية غالبا والقصة القصيرة أحيانا.
لقد قدرت في مرحلة معينة، وما أزال، أن نقد أعمال الآخرين هو استكشاف لمقومات خبراتهم الجمالية من جهة ومن جهة أخرى يصب في صالح التكوين الذوقي والجمالي للمبدع، ولأن دأبي كل يوم مقاومة الأوهام تراني أعتبر كل ما كتبت في النقد والدراسة الأكاديمية مجرد تمرينات معرفية – تذوقية في مختبر الكتابة الروائية والأدبية الذي أقيمه في كياني.
وإذا كنت مقلا في الكتابة الروائية، فإنني أعزو الأمر لهذا المختبر.. لاتنخدعوا للمكثرين والثرثارين في الكتابة إذ ما أسهل إصدار الكتاب تلو الكتاب لو كان الأمر بالسهولة والاستسهال الذي يتوهمون.
– هل ثمة علاقة بين ما يسمى «باستقالة الأدباء» و»خيانة الأحزاب» في المغرب، وانتشار «الريع الذي يفيد منه الأدباء ورجال السياسة»؟
– لا توجد استقالة للأدباء في المغرب وإنما تواضع قدراتهم الإبداعية قياسا إلى ما نقرأه في آداب عالمية أخرى، فنحن لم ننجح بعد في العبور من المفهوم التقليدي ذي الطبيعة الشفهية في الغالب إلى المفهوم الأوروبي الحديث للأدب، فبالأحرى فرض أنفسنا إقليميا أو عالميا.
وإن كنت تقصد بالاستقالة العزوف عن الفعل السياسي أو الانخراط الإيجابي الفعال في الشأن العام فهذا شيء آخر أوافقك عليه، بينما فعل الكتابة في حد ذاته يحتل موقعا هامشيا في مجتمع متخلف، شبه أمي مثل المغرب.
أما ما تسميه خيانة الأحزاب وتفشي الريع، فأظن أن الشباب ضمن فورة ما سمي بالربيع العربي و20 فبراير قد قال كلمته في الموضوع، بغض النظر عما آلت إليه نتائج ذلك الحراك، ويتعلق الأمر بانكشاف حقيقة نظام مهترئ وفاسد يتكون من المجتمع والدولة، وطبعا الأدباء جزء من هذا النظام المنخور.
– يرى البعض أن إخفاق الرواية في المغرب يعود لابتلائها بالتأثر بالرواية الفرنسية الجديدة واعتنائها بالشكل (مع إغفال المضامين الباذخة)، ما رأيك بذلك؟
– لا أعتقد أن الأمر كذلك، فسيرورة الأدب الحديث في المغرب ترتبط بمدى تمثل الأدباء المغاربة للمفهوم الأوروبي للأدب، وهذا يعني أن مرحلة التقليد والمحاكاة ضرورية، ما يبدو كإخفاق أو تعثر اليوم هو من صميم طبيعة النشأة المتواصلة لرواية فتية لم تكمل بعد قرنا من الزمان.
وطبعا لم يتحرر المغاربة بعد من نموذج المخيال الفرنسي الذي تكرس مع الاستعمار، لذلك اختزلت النخبة الأدبية نموذجها الروائي في الموضات الفرنسية لجيل ستينيات القرن الماضي، والحكم بالإخفاق قاس وغير دقيق إن لم نقل إنه مصادرة للمستقبل.
أنا أثق في قدرة الأجيال القادمة على رفع سقف الأدب المغربي عالميا ولكن نحتاج إلى كثير من العمل المثابر والاجتهاد مع التمسك بفضيلة التواضع، ولا ننسى الأسباب غير المباشرة ودورها من قبيل ركود التاريخ في حياة المغاربة ورسوخهم في التقليدانية، فالروائية لا تنبثق من فراغ، إنها وليدة حركية تاريخية لأي مجتمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية