■ عندما يصبح حلف «بريكس» القوة الأولى في العالم فإن الوضع الدولي الراهن يفتح أفق السياسة نحو بعد جيو إستراتيجي واسع للنشطاء السياسيين والجمعيات الحقوقية والإنسانية وحركات التحرر في العالم.
إذ أن حركات المطالبة باستقلال إقليم كتالونيا وقبله الباسك في الجزيرة الإبيرية، يبعث بإشارات قوية للأنظمة في الجنوب. فالمغرب نموذج مهدد بالانقسام بناء على مطالب الصحراويين الانفصاليين وحركة الأمازيغيين المغاربة، فمقارنة و مقاربة الوضع بين أسبانيا و المغرب، مرورا إلى الوضع في شمالي مالي، والمحاولات الجادة من فرنسا للتدخل قصد حسم الموقف لصالح باماكو بدعم من مدريد والرباط سيواجه بتحفظ جزائري عارضته بالضرورة باريس، لذلك إن خلطا للأوراق سيعقد الوضع في إقليم الصحراء ومهام المنيرسو بعد محاولات المغرب لتغيير اسم المبعوث الأممي في ملف الصحراء الغربية، غير أن واشنطن ترى في وضع الإقليم مساحة تحرك حيوي لمصالحها أمام تهديد وتحدي تنظيم القاعدة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل، فرؤية واشنطن متطابقة مع رؤية الإليزيه، الشيء الذي يجعل الاشتراكيين في فرنسا يعيدون حسابات المرحلة حول مستقبل سياستهم في الشمال الأفريقي، فتراجع الحزب الاشتراكي أمام بعد الأهداف يخدم المرحلة لصالح الجزائر.
لذلك إن محاولات عزل حركات الانفصال بسحب الدعم الدولي لها ، سيعمل على تقويتها أكثر، وبسبب الدعم الشعبي لها، فالشعوب تريد الاستقلال عن سلطات مركزية نهبت مقدرات تلك البلدان… إلى ذلك ، إن تطورا لهكذا أوضاع سيدفع بأكراد العراق نحو المطالبة الجادة بالاستقلال عن سلطة بغداد، إذ أن ذلك يعتبر النتيجة المنطقية لحصولهم على حكم ذاتي في مرحلة سابقة، فالحكم الذاتي هو خطوة أولى في طريق الاستقلال التام، لذلك منحى تصاعد حركات الانفصال في كتالونيا والباسك والصحراء ومناطق الأكراد في تركيا، والأمازيغيين في الشمال الأفريقي، ينذر بتقسيم جديد للأراضي تغذيه الإثنية العرقية والاختلالات الثقافية والقيمية، وهو ما يعيد موضوع إعادة رسم خرائط جديدة إلى الواجهة ، في وضع يلفه الغموض حول مستقبل السياسة الدولية.
إذ أن دويلات جديدة تلوح في الأفق، مع اقتراب نهاية القرن الحالي. مما سيجعل ملامح سياسات جديدة تتضح ومعها تغييرا لمواقع الدول العظمى، في هذا السياق سيبرز وضع متقدم لحلف «بريكس» وتراجع للولايات المتحدة، وانحصار لمد الاتحاد الأوروبي بسبب تدهور اقتصاديات دول من مجموعته الاقتصادية..إلى ذلك، إن هذا الوضع سيخدم منطقة آسيا الكبرى، غير أن هذه التغييرات التي أوجدتها السياسة في منطقة الشمال الإفريقي، لا يمكن أن تستثنى منه أنظمة انقلبت على الشرعية التي جاءت بها الثورات العربية ، كالأنظمة الجديدة في تونس ومصر.
إلا أن طرح برنامج ثان لحركات الاحتجاجات المستمرة من جديد ، قد يغير من هذه الملامح لكن في منطقة الشرق الأوسط.
غير أن الهوليدنغ العالمي أو الحكومة العالمية المكونة من رؤوس الأموال الضخمة، بزعامة الرؤساء الأمريكيين، قد ترى في ذلك تهديدا لمصالحها الاستراتيجية، وتوسعاتها الاقتصادية.
مما يكرس لخبطة لمواقع النفوذ الاقتصادية، ويجهد أقسام الاستخبارات التي تنشط في دراسة الأسواق. لذلك لوحظ أن مدريد ومعها عواصم أوروبية متأزمة اقتصاديا حولت جزءا كبيرا من مهام مكاتبها الاستخباراتية إلى أولوية دراسة السوق العالمي. فتحول أولوية الدول نحو هذا البعد يكشف أن واشنطن غير مهتمة بتقدير الموقف، رغم وثوقها من عدم تعافي اقتصادها.
مما يؤكد أن جدلية الدولار تنعكس باستمرار على الأورو، ويجعل مستقبل الين الصيني والروبل الروسي في حالة انتعاش دائمين. فهل ستستفيد بكين من أخطاء الولايات المتحدة المتعلقة بسوء الإنفاق و نمط الحياة الرأسمالية التي لا حدود لها في الاستهلاك. وهو ما قد يجعل بكين و موسكو تمتلكان مفاتيح الاقتصاد العالمي.
غير أن اليابان وألمانيا تنافسان في هكذا ملفات، لكن البعد الجغرافي بينهما ، يجعل الضغط حول طوكيو كبيرا من روسيا والصين و حليفتهما كوريا الشمالية. فصعود الصين كقوة اقتصادية أولى في العالم، وقد تكون العسكرية أيضا بتمدد حلف «بريكس» هو ما دفع بفلاديمير بوتن في هذا الاتجاه بعد كشف ورقة ضمت مختلف الفاعلين الروس بتطوير الاقتصاد الروسي في حدود العشرية القادمة.
مما ينعكس على السياسة الدولية في الموقف السوري الراهن ولاعبيه الإقلميين، والذي يثبت أن إرادة موسكو وبكين باتت أقوى من إرادة واشنطن، وفي ذلك يتنافس الكبار، ويبرز صراع الإرادات. فهل تستطيع الدول الصغرى والمتوسطة ممارسة ألعاب الكبار في مرحلة تحولات دولية؟ ربما ، لكن بصعوبة كبيرة، وهو ما يتجلى في وضع إيران المتقدم بالشرق الأوسط.
نزار القريشي – صحافي مغربي