المغرب: سيدنا رمضان يرتدي الجلباب للتراويح ويعشق الحريرة والشباكية

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: قبل أن تعلن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 23 آذار/مارس، أول أيام شهر رمضان المبارك، كان المغاربة في الشوارع يسارعون الزمن من أجل الفوز بما يناسب استقبال أول ليلة صيام، والإعداد لمائدة سحور تكون مناسبة لهذه اللحظة التي تتكرر كلما حل «سيدنا رمضان» ضيفا عزيزا رغم أنه مكلف، إلا أنه يبقى في خانة المحببين المقربين إلى القلوب ولو أخذ كل ما جاد به الجيب، فما في الخاطر أكثر من دراهم تمضي.

عشية 22 آذار/مارس، كانت الشوارع تغص بالعابرين المتسوقين القاصدين لمختلف محلات الخضر والفواكه وقبل ذلك باعة الدواجن، من أجل فروج يليق بأول سحور.
الامتعاض بَدا واضحا على ملامح البعض بسبب الأسعار التي عادت فجأة لتقفز إلى سماء الارتفاع، وعاد البصل لسابق عهده، بل تجاوز السقف، كما الحال للبطاطس، أما الطماطم فحكايتها في رمضان مثل حكاية الحسناء التي لا ترضى بأي حبيب.
هذا الاستهلال الحثيث للمغاربة استقبالا للشهر الذي من كثرة قداسته ومحبته لقب بـ«سيدنا رمضان» هو بداية لرحلة القداسة والروحانيات، ونبض العبادة وصلة الرحم وإكرام الذات والأحبة بما لذ وطاب من مشتهيات.

رائحة رمضان

الكبار والصغار يصطلحون على تسمية روائح أنواع من الحلويات تجهز خصيصا لشهر الصيام برائحة رمضان، الكل يسترجع صباه وهو يستنشق رائحة الدقيق وهو يحرّق في الفرن من أجل استعماله في أكلة سلو أو الزميتة أو السفوف وهي عبارة عن دقيق محمر أو محرق بلغة المغاربة وخليط معه من اللوز والكاوكاو والفول السوداني وإضافات أخرى من أجل النكهة والحلاوة.
وتختلف تسمية هذه الأكلة التي تصنف ضمن الحلويات، بين منطقة مغربية وأخرى، لكن الكل بمجرد ذكر أي واحدة منها يعرفها يسيل لها لعاب العشاقة قبل الغلاقة بلغة المغاربة.
ليس سلو وحده من تحيل رائحته على رمضان، بل هناك منافسته الشهيرة وهي الشباكية التي تتفنن المغربيات في صناعتها، ويصبرن على محنة العجين والدلك والقلي ثم إطفائها في العسل، وبعد ذلك وضعها في صحون كبيرة ترافق مائدة الإفطار طيلة شهر الصيام.
الشباكية وصنوتها المخرقة هي سيدة الصيام، لا يمكن للمغاربة أن يتخيلوا إفطارهم دون وجودها فوق المائدة، حتى لو امتنع البعض عن تناولها بسبب السكري، إلا أن وجودها لا بديل عنه لمتعة العين وبهجة الذاكرة.
الحديث عن سلو والشباكية هو حديث عن موروث يتشبث به المغاربة ويصرون على بقاء هذه الجسور العابرة للزمان والمكان ممدودة تحمل ملامح الأجداد لمائدة أحفاد الأحفاد.
والحديث عن الموروث والعادات الأصيلة يجرنا رأسا إلى الحديث عن سيدة المائدة الرمضانية دون منازع، الحريرة الشهيرة، وهي شربة المغاربة بامتياز لكنها تختلف كثيرا بتوابلها وطريقة تحضيرها وما تحتويه من حمص وحتى عدس في بعض المناطق، ناهيك عن الشعرية وما يلزم من ضروريات وكماليات لتكون في أبهى حللها تتربع على مائدة الإفطار وتطعم الصائم بنكهة الأصالة.
الوصول إلى التمر الذي لا يمكن للمغاربة الاستغناء عنه مطلقا، يوصلنا إلى بعض المرق السياسي الذي فاض قبل حلول شهر الصيام، واختلط فيها الحابل بالنابل، وارتفعت دعوات لمقاطعة التمر الجزائري بدعوى أنه مسرطن، وفي ذلك كان الجدل بين مؤيد ورافض لفكرة إدخال التمر في السياسة. نهاية الجدل حول التمور الجزائرية، جاء بعد تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، الذي شدد على أن أي منتج يدخل عن طريق الاستيراد يخضع لمراقبة دقيقة من طرف المصالح المختصة في المغرب.
بعيدا عن التمر المغمس بالسياسة إن صح التعبير، وعن الدعوات لمقاطعة هذا وذاك، تبقى هذه الفاكهة الجافة مطلوبة وبشكل كبير لدى المغاربة، وهي تجارة لوحدها قائمة الذات، تجد لها محلات خاصة، بل شوارع مثل درب ميلة في مدينة الدار البيضاء، وهو المتخصص في بيع التمور بكل أنواعها وأصنافها.

الروحانيات

ما يشبه التكامل بين الروحانيات و«البطنيات» إن جاز التعبير، بمعنى بين العبادة والمائدة، هو تكامل لا تنافس فيه، فمائدة الإفطار الجيدة تهيئ لنا صائما فرحا يكمل بهجته بصلاة التراويح وصلة الرحم وعيادة الأحبة.
لأجل ذلك، تجد محلات بيع الملابس التقليدية تضاهي تلك التي تبيع الشباكية أو التمور، أو مختلف الحلويات وحتى أصحاب محلات الدواجن وغيرهم من يوميات الاستهلاك.
الملابس التقليدية لها حضور مميز في رمضان، الدراعية أو القشابة أو الكندورة، وفي أحايين كثيرة جلباب أبيض أو حسب اللون المرغوب فيه من طرف اللابس، تلك هي أصناف اللباس الرجالي في شهر الصيام، مع أو بدون طربوش ورزة فذلك من قبيل الإكسسوارات التي قد تضاف وقد تحذف.
النساء بدورهن لهن في القفاطين والجلابيب المتنوعة والمتعددة والجميلة، باع طويل والاختيار وفق الذوق والخياطة لم تعد مشكلة فالجاهز أصبح يلبي الطلب ويكفي الزبون شر الانتظار والترقب.
في زمن سابق كان الخياط سيد اللحظة، كل النساء يتهافتن على شراء قطعة ثوب والذهاب بها إليه ليحيك لهن أجمل وأبهى جلباب أو قفطان، اليوم قليلة هي تلك المشاهد، صار الخياط يكتفي بما قل من زبائن، وتكفلت تجارة الجاهز بما تبقى، وتجد جلبابا مميزا ورائعا بثمن لا يبلغ النصف عند الخياط.
اللباس في المغرب خلال رمضان له حضوره الأخلاقي أيضا، فالضيق بالنسبة للمرأة غير محبب في شهر الصيام، كما هو الحال بالنسبة لارتياد المسجد بالنسبة للرجال فجواز روحانياته يتمثل في لباس أصيل بمسحة دينية.
عمومًا، يمكن اعتبار رمضان في المغرب، شهر صيام وقيام، وشهر مشتهيات وروحانيات، وشهر حميمية عائلية ولقاءات ما بعد الفطور في مقاهي رحبة أو في المنازل، وبراد أتاي يعني إبريق الشاي ومعه الحلويات مثل السفوف أو سلو، ترحب بكل زائر عزيز قصد باب المحبة في هذا الشهر الكريم.

منقرضون في الطريق

خصوصيات شهر الصيام في المغرب ومميزاته كثيرة، وحصرها يعتبر ضربا من المزايدة، ففي كل تفصيلة صغيرة تجد ملايين التفاصيل، وكل منطقة تجدها تضفي لمستها على صيامها وقيامها وتصدقها وحتى معارك شبانها في يوميات الصيام والغضب الذي قد ينتج عن احتكاك بسيط يكون كافيا ليشعل الشرارة.
بين هؤلاء نجد مهنا في طريقها إلى الانقراض، مثل طبال السحور وله في المشرق العربي صنو هو المسحراتي شخصيات من الزمن الجميل، ملأت ذاكرة أجيال بأجمل اللحظات وأبهى المشاهد.
في المغرب يكاد طبال السحور أو الغياط أو النفار ينقرض، سنة بعد سنة تخف خطواتهم في أزقة وحارات المدن، سنة بعد سنة تختفي ملامح رجل يمر مسرعا قبيل أذان الفجر بوقت محدد ليوقظ النيام من أجل تناول السحور.
ذلك الطبال أو الغياط أو النفار، هو مسحراتي المغرب تختلف التسمية حسب الآلة الموسيقية التي يستخدمها، والغالب الأعم يكون طبالا، حيث تبقى الطبلة أخف وزنا وأنسب لمهمة الطواف بين الأزقة والأحياء التي يكون مكلفا بها.
من تبقى من جيل طبال السحور يعيش منذ سنوات عديدة في ظل الظل، جل الممارسين الآن في العقد السادس وأكثر صاروا شيوخا وما عاد من خلف لهذه المهنة السائرة في طريق الانقراض، ونذكر أنه في رمضان المنصرم، أما الحالي فعلمه عند الله، معظم أحياء المدن المغربية غاب عنها طبال السحور لم يعد هناك لحظة ترقب مروره كي تشرع النساء في إعداد الوجبة.

تنويعات رمضانية

من هذه التنويعات نجد سحابة الإفطار العلني وجدل الاعتكاف والمترمضنون، أما الأولى فنجد تجلياتها في مواقع التواصل الاجتماعي، وكّالين رمضان يجاهرون بذلك بل يطالبون كل عام باحترام رغبتهم في الإفطار علنا، وينسون احترام حق شعب بأكمله في توقير الشهر الكريم والصيام في راحة الله.
المفطرون دائما يخلقون الجدل ويطلقون الهاشتاغات الرقمية لكن في بعض الحالات مثل العام الماضي تم توقيف مجموعة كانت تفطر جهارا في مقهى بالدار البيضاء، وحلّت الشرطة بطلب من المواطنين الذين طالبوا بمعاقبتهم، لينطلق الجدل من جديد ويبدأ حديث الحريات الفردية وما إلى ذلك.
موضوع آخر يكون دائما له مكان في الجدل، وهو الاعتكاف في المساجد الذي كانت السلطات طيلة سنوات تمنعه لأسباب أمينة أولاً وهذا هو الأهم، وخلال مرحلة كوفيد كانت الإجراءات الوقائية للحماية من الوباء.
ومن المنغصات أيضا، فئة من المترمضنين الذين يشعلون فتيل الخلافات على أوهن الأسباب، وتجدهم على استعداد للصراخ وحتى العنف في بعض الأحيان، وحافزهم في ذلك استعراض العضلات وللانقطاع عن التدخين أو أي بلية أخرى، وهؤلاء تجدهم قلة في أحياء شعبية تنطفئ نارهم بمجرد تدخل ماء المجتمع الذي يكون بالمرصاد.
وكالين رمضان والمترمضون ومدّعو الاعتكاف رغم الفوارق بينهم، إلا أن قاسما مشتركا يجمعهم يتمثل في البوز الرمضاني وصناعة الحدث من حبة حتى تصير قبة.
وعموما يبقى رمضان المغربي تميزه حميمته الاجتماعية، وروحانياته وعباداته ومائدة إفطاره البهية قبل أن تكون شهية، وعبارة تكون مفتاح الجميع رمضان كريم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية