الرباط ـ «القدس العربي»: يعيش المغرب على وقع صيف ساخن وصعب، فبعد أن أعلن حال الطوارئ المائية، بالنظر لوضعية الإجهاد المائي وتناقص الموارد المائية الذي تواجهه مختلف مناطق البلاد، كافحت السلطات المحلية وفرق الدفاع المدني والدرك، طيلة أسبوع، من أجل إخماد 6 حرائق اندلعت في وقت مُتزامن في عدد من المناطق، هي الأكبر من نوعها وفق تصريح مسؤولين مغاربة.
وفي وقت دعت وزارة التجهيز والماء المواطنين المغاربة إلى التّوقف عن ممارسة أي شكل من أشكال تبذير الماء، حفاظاً على الموارد الحالية ومن أجل ضمان التوزيع العادل للمياه لفائدة الجميع، وهي وضعية مائية حرجة بسبب تعاقب سنوات الجفاف وقلة التساقطات المطرية لم تشهد المملكة أزمة جفاف مثلها منذ 40 عاما، عزا خبراء البيئة والمناخ ما أصاب المغرب من نُدرة للمياه والحرائق غير المسبوقة، إلى الاحتباس الحراري وتغير المناخ على صعيد الكوكب.
الخسائر ثقيلة
وحسب مصطفى بيتاس، الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، فقد بلغت المساحة التي أتَت عليها النيران نحو 10 آلاف هكتار في مختلف المناطق. موضحا أن الحرائق اندلعت بأقاليم ومدن في جهتي فاس مكناس، وطنجة تطوان الحسيمة.
وأعلنت السلطات المغربية أنها قامت بإجلاء 1100 أسرة من مساكنها في 15 قرية، بعد امتداد الحرائق التي اندلعت إلى منازلهم، فيما أسفرت الحرائق عن مقتل شخص.
وأعلن التلفزيون الرسمي المغربي أن السلطات استعملت 7 طائرات تابعة للدرك الملكي و4 طائرات تابعة للقوات المسلحة الملكية، المتخصصة في إخماد الحرائق «كنادير» التي تتوفر المملكة منها حاليا على 11 طائرة.
فؤاد العسالي رئيس «المركز الوطني لتدبير المخاطر المناخية بالوكالة الوطنية للمياه والغابات» (حكومي) أكد أن مختلف فُرُق التدخل تقوم بجهود جبارة جدا بريا وجويا لاحتواء الحريق.
وتابع في تصريح لقناة M24 التابعة لوكالة الأنباء الرسمية المغربية، أن «أزيد من 1500 عنصر يعملون برًّا لاحتواء النيران».
ويتعرّض المغرب سنوياً لحرائق في الغابات التي تغطي نحو 12 في المئة من مساحته الإجمالية، حيث شهد منذ بداية السنة الجارية وإلى 13 تموز/يوليو الجاري، ما يناهز 165 حريقاً.
أما فيما يخص تعويض ودعم ضحايا تلك الحرائق، أكد الوزير مصطفى بيتاس أن الحكومة ستعلن بشكل رسمي عن الإجراءات ومقدار التعويض الذي سيستفيد منه الضحايا، مشددا على وضع اللمسات الأخيرة لعملية إحصاء وجرد الخسائر وحصر لوائح المتضررين لمساعدتهم.
إلى ذلك، أحدثت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، خلية على المستوى المركزي وخلايا على المستوى المحلي لرصد الوضعية وتقييم مدى تأثير حرائق الغابات.
الخبير في البيئة علي شرود، أوضح لـ «القدس العربي» أن العديد من بلدان البحر الأبيض المتوسط تعاني من تداعيات درجات الحرارة العالية والتي تُعد سببا رئيسا في نشوب الحرائق التي تشهدها المملكة، رابطا بين الحرائق والمناخ على اعتبار كونها علاقة مزدوجة، ذلك أن المناخ سبب مباشر في نشوب الحرائق، هذه الأخيرة التي تُسبِّب بدورها انبعاثات تؤدي إلى الاحتباس الحراري.
الأستاذ الجامعي أكد أن عامل المناخ وارتفاع درجات الحرارة وفصل الصيف والسلوكيات غير المسؤولة من المواطنين أسباب تؤدي مجتمعة لنُشوب حرائق تعتمد في انتشارها السريع على مساحات واسعة على التضاريس وهشاشة الغطاء النباتي واتجاه الرياح ومدى سرعتها، مفسِّرا أن تحرك الرياح والمنحى الذي تسلكه يشكل عُنصرا أساسيا، «يمكن للرياح أن تساعد في الحد من الحرائق عندما تذهب في الاتجاه المعاكس للكثافة الغابوية. كما يمكن أن تشكل خطرا حقيقيا في الوقت نفسه حين تذهب في نفس اتجاه الغطاء النباتي، الأمر الذي يمكن أن يسبب في انتشار الحرائق وتوسعة رقع نشوبها» وفق تعبير شرود.
وحذر من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى نشوب حرائق خطيرة ومكلفة بيئيا وإنسانيا واقتصاديا، ما أسماه «أعمالا إجرامية مقصودة لتدمير الطبيعة أو انتقامية من أوضاع معينة» وما بين «الإهمال عبر رمي أعقاب السَّجائر أو ترك مخلفات النار تحت رماد المواقد خلال الرحلات» محذرا من العواقب الوخيمة لهذه التصرفات التي يمكن أن تؤدي إلى كوارث إنسانية.
وشدد المتحدث على ضرورة اعتماد المراقبة المستمرة والروتينية بالمناطق التي تعرف كثافة غابوية، وبضرورة توظيف البحث العلمي في حماية الغابات من خلال تعقب تحرك الرياح ودرجات الحرارة والوقت الذي من الممكن أن تشكل فيه خطرا على الغطاء الغابوي، بالإضافة إلى التعاون مع دول الجوار لتسهيل تقديم المساعدات عند وقوع حوادث مستعصية.
ونبّه الخبير البيئي المغربي إلى أهمية الإرادة السياسية، من خلال اعتماد استراتيجيات فعالة واستغلال الإمكانيات العلمية التي يتوفر عليها المغرب والتي يجب استعمالها في خدمة الغابات؛ موصيا بضرورة تغيير الدولة لاستراتيجياتها وتبني أخرى أكثر نجاعة لحماية البيئة والغطاء الغابوي، من أجل تجنب الوقوع في كوارث بيئية تهدد حياة الإنسان والحيوانات والطبيعة.
حال الطوارئ المائية
منذ سنوات، كان المغرب يستشعر الخطر المقبل علاقة بتناقص مستويات حقينة سدوده وجفاف فرشاته المائية وتتابع سنوات الجفاف، قبل أن تعلن سلطات البلاد رسميا، هذه السنة، حال الطوارئ المائية.
وأطلقت وزارة التجهيز والماء حملة لتوعية مختلف المواطنين بضرورة الحد من تبذير المياه، على مدى شهرين، انطلقت ابتداءً من مساء الخميس 30 حزيران/يونيو، وتهدف إلى «دق ناقوس الخطر» في مواجهة الجفاف الذي يعرفه المغرب، ورفع الوعي بين صفوف المواطنين حول حساسية الوضع.
وتعرض الحملة شهادات لأشخاص يحكون عن وضعهم الحالي وصعوبة إيجاد أنفسهم بدون ماء، وعواقب نقص المياه على سير حياتهم اليومية، وتستهدف الحملة جميع شرائح المجتمع، سواء ساكنة الحواضر أو القرى والفلاحين أيضا. وسيتم بث الكبسولات على القنوات العمومية وشبكات التواصل الاجتماعي بهدف أوحد يتمثل في تعزيز وعي المجتمع المغربي من أجل رفع التحدي الجماعي أمام النقص الحاد في هذا المورد الحيَوي.
وزير التجهيز والماء المغربي، نزار بركة، قال إن «المياه أصبحت شحيحة وكل قطرة مهمة للغاية. وبالتالي، أضحى الاستهلاك المسؤول والمعقلن للماء عملاً مواطنا ودليلا على التضامن الوطني».
وسبق لتقارير مغربية أن أكدت بأن المغرب مُقبل على أوقات صعبة، بالنظر إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة ومنسوب ملء السدود الذي تراجع من 62 في المئة سنة 2013 إلى 32 في المئة في الوقت الحاضر.
نسبة يجدها الخبير في البيئة والتنمية المستدامة، محمد بنعبو، مخيفة وغير مسبوقة ولم يتم تسجيلها قبلا، لافتا إلى أن هذه النسبة الخاصة بملء السدود بالمغرب ليست رقما حقيقيا بالنظر لمشكلة الوحل في قاع السدود.
وبخصوص الحملة التوعوية التي تم إطلاقها خلال شهر تموز/يوليو الجاري، قال بنعبو لـ «القدس العربي» إن المواطن المغربي لم تصله الرسالة بعد ولم يعِ أن الكميات محدودة جدا، لافتا إلى جملة من مظاهر التبذير التي تمارس بصفة يومية، وأن المواطنين المغاربة ما يزالون يستهلكون هذه المادة الحيوية بكثرة.
في نظر الخبير المغربي، فكبسولات وأشرطة فيديو الحملة ورسائلها التوعوية يجب أن تصل لكل مواطن ومواطنة وأن يتم العمل بها داخل البيوت كما في الفنادق والمنشآت السياحية وتفادي ملء المسابح داخل الإقامات والملكيات الخاصة إلى جانب ترشيد استعمال الماء في ري الحدائق وداخل المؤسسات والإدارات.
التقارير المحلية لفتت إلى إكراهات الموارد المائية في المغرب، متمثلة في ارتفاع الطلب على الماء وانجراف التربة وتوحُّل حقينات السدود والاستغلال المفرط للمياه الجوفية وتلوث الموارد المائية وضعف تثمين الموارد المائية المعبأة، بالإضافة إلى الإكراهات المتعلقة بالتمويل والموارد البشرية. هذه المعطيات، تضيف التقارير، ستزداد تفاقماً مع ارتفاع درجة الحرارة وقلة التساقطات المطرية والاستغلال المفرط للفرشات المائية.
ندرة المياه بالمغرب إشكال مطروح منذ مدة في البلاد وليس وليد اليوم، ذلك أن المغرب يعتبر ضمن الدول التي تعاني ندرة المياه، إذ أن متوسط المياه للفرد لا يتعدى 600 متر مكعب في السنة مع تسجيل تفاوتات كبيرة، حيث هناك مناطق لا يتعدى فيها متوسط المياه 200 متر مكعب.
ومن المتوقع أن تزيد أزمة ندرة المياه خلال فصل الصيف الجاري، إلا أن بنعبو أكد أنه من الممكن تجاوز هذين الشهرين في إطار التضامن بين المواطنين لتوفير الماء لمناطق أخرى تعاني الأمرين، لافتا إلى أن قرى نائية تحتاج إلى السير 10 إلى 20 كيلومترا لجلب 20 لترا من الماء الشرب.
وتعمل المملكة المغربية على الحد من انعكاسات ندرة المياه، عبر استراتيجيات يؤاخذ عليها أنه لم يتم تنفيذها بشكل كامل، وهو ما يفسر الصعوبات التي تواجهها البلاد اليوم، إذ كان من المفروض أن تكون شيَّدت 33 سداً لكن العدد لم يتعدَّ 9 سدود، إضافة إلى 15 سداً في طور الإنجاز.
وكشف المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، عبد الرحيم الحافظي، عن توقعات المكتب لتزويد المدن والمراكز بالماء الصالح للشرب في الصيف الحالي، مشيراً إلى إنجاز 92 محطة معالجة منها 8 محطات لتحلية مياه البحر و11 محطة لتحلية المياه الأجاجة و1800 ثقب وبئر.