الرباط – «القدس العربي» : أربك قرار إغلاق مقهى «الفن السابع» في العاصمة المغربية الرباط، معظم الزبائن الذين ارتبطوا بالمكان وبأجوائه الخاصة، واعتادوا رؤية بعض نجوم الفن المغاربة منتشرين عبر الطاولات الموضوعة بأناقة وعناية وديكور بديع.
اليوم ينضم المقهى المذكور، إلى سابقيه مثل «المثلث الأحمر» و»ليل نهار» («جور إنوي» بالفرنسية) وطبعا لن ننسى «باليما» المقهى الأشهر.
قرار إغلاق مقهى «الفن السابع» الذي قيل أنه اتخذ من طرف السلطات المحلية بالعاصمة، ولم يتم توضح أسبابه، فقط كانت هناك إشارة إلى أن الملف المتعلق بهذا الفضاء كان موضوعا على طاولة السلطات منذ 2011.
وتبقى الإشارة واجبة إلى أن المقهى المذكور، هو ملحق بقاعة السينما الشهيرة والتي تحمل الاسم نفسه، وتعود لوصاية المركز السينمائي المغربي، وتم تأجير الفضاء على أساس مقهى، وهنا يمكن العثور على الحل لتوضيح أسباب الإغلاق، فقد يكون خلاف قانوني ما هو السبب، أو ربما كما قيل سيتم تحويل المكان إلى بناية تضم مقر عمالة الرباط، وتبقى التأويلات متناثرة في غياب المعطى الحاسم بهذا الخصوص.
نوستالجيا مقاهي العاصمة
قبل سنوات خلت، قد تعود إلى أكثر من عقد من الزمن، كان هاتف احد أبناء الرباط أو القاطنين بها، يرن ليسأل الصديق الغريب عن العاصمة أين اللقاء، دون تردد أو تأخر، يسأله الرباطي بدوره هل تعرف مقهى «باليما» أو «المثلث الأحمر» أو مقهى «جور إنوي» أو «الفن السابع» يجيبه نعم، يقول له اختر إحداها نلتقي فيها.
وربما يوجهه المقيم، فإن كان فنانا او عاشقا للفن تقول له «المثلث الأحمر» أو «الفن السابع» وإذا كان مواطنا من معارفك أو أهلك تقول له «باليما» أو «جور إنوي».
أربع مقاهٍ بصمت ذاكرة الرباط وسكانها وعشاقها؛ إضافة إلى مقاهٍ أخرى مثل «الموناليزا» أو «النقابة» وهي مطعم في المدينة القديمة للعاصمة اشتهر بهذا الاسم لإقبال النقابيين والمناضلين عليه في آخر الليل وحتى في جزء من النهار… هي جغرافية العشق التي تنبض بصلات فنية وثقافية و فكرية ورياضية واجتماعية؛ جغرافية جعلت من مدن المغرب تتميز مثل عدد من مدن العالم. فكل مدينة لها مقهاها المفضل المشهور الذي يرتاده العادي والبادي.
خبر اغلاق «الفن السابع» جرّ معه ذاكرة إغلاق «المثلث الأحمر» التي صارت في خبر كان منذ سنوات، بعد أن بيعت لتتحول إلى مشروع آخر لبيع النظارات.
ذلك المقهى الذي كان يشكل مكانا حميميا جمع كل فنانات وفناني المغرب، هويات مختلفة من فنون متعددة، مسرح، تشكيل، سينما، و شعراء كتبوا القصائد تلو الاخرى على إحدى طاولاتها العتيقة. جدرانها المزهوة بلوحات فنانين بصموا المشهد التشكيلي المغربي بتميز، تملأ مساحة النظرة امام العين الناظرة إلى معرض مزركش ومختلف. تحني رأسك قليلا لتبدو لك لوحات أخرى آدمية، وجوه فنانين يبيتون في التلفاز ويصبحون في المقهى، وآخرون يعانقون الخشبة ويستريحون في أحد أركانها، بل منهم من يعيد تركيزه على وقع قهوتها السريعة و اللذيذة.
مسلسلات وأفلام ومسرحيات تمخضت في لحظة احتفاء بالأفكار تحت مظلة «المثلث الأحمر» اليوم على تلك الجدران تعلق سلعة أخرى غير ذاكرة المشهد الفني المغربي، عمالها يتسكعون هنا وهناك، يحملون معهم ذكرى موغلة في الصدق. زملاؤهم في «جور إنوي» بدورهم يعيشون الحالة نفسها، والوضع نفسه في «باليما»؛ ولن ننسى المقهى الحديث الذي اختفى بسرعة «مقهى المسرح».
الغزو التجاري
الرباطيون لم يعجبهم هذا الغزو التجاري لذاكرة تجلت في مقاهي عتيقة، فالكل يؤكد أننا اليوم نجد أنفسنا أمام حالة ربما فرضتها سوق التجارة، لكننا غدا سنجد أنفسها بلا ذاكرة، سنقول لأبنائنا هنا كان مقهى التقيت فيه فلانا وكتبت فيه كذا من المقالات. سنحتفظ لأنفسنا بمرارة استرجاع ما لا يمكن استرجاعه.