المفاوضات من أجل المفاوضات ـ جرد حساب لتسعة أشهر فقط

حجم الخط
1

نتمنى ألا تتجدد المفاوضات تسعة أشهر أخرى، فقياسا على ما جرى في التسعة أشهر الماضية (29 تموز/يوليو 2013- 29 نيسان/أبريل 2014) لن يبقى من الأرض أو الحقـــــوق شيء للتفاوض عليه. لقد انتهت مهلة التسعة أشهر التي وعد الراعي الأمريكي بأن المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية ستنــــتهي بنـــتائج محددة وملموسة على طريق الحل النهائي والدائم والعادل، يتجسد في اتفاق إطاري يحدد قضايا الحل النهائي بوضوح، خاصة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والمترابطة والقادرة على الحياة. ارتفعت لدى السلطة الفلسطينية نسبة التفاؤل وانغمس بعض رموزها في المفاوضات عميقا إلى الأذنين، وعندما اقتربوا من خط النهاية اكتشفوا أنهم ما زالوا في المربع الأول، وأنــهم يفاوضون على المفاوضات وكيف يمكن تجديدها لمدة تسعة اشهر أخرى، مقابل الوعود نفسها والخطاب الممل نفسه والوجوه نفسها التي اعتلاها كثير من الصدأ، فيرفضون ويكررون التهديدات الفارغة نفسها التي لا تعيد لاجئا ولا تخيف مستوطنا ولا تقلق نوم جندي فلاشي، بعد أن أصبح بإمكانه أن ينام بدون أن يحضن بندقيته.
ومراجعة سريعة للاشهر التسعة الأخيرة نكتشف بسهولة لا تحتاج إلى ذكاء خارق ولا مهارات تكنولوجية ولا استعانة بدور بحث وخبراء ومحللين ومراجعين، نكتشف أن كفة ميزان السلطة الفلسطينية رجعت من غيبة الاشهر التسعة خالية كما ذهبت، أما كفة ميزان الدولة الفاشية فقد عادت مثقلة بالغنائم. فإذا كانت المفاوضات تجارة رابحة لهم وتجارة خاسرة لنا ليس في الاشهر التسعة الماضية، بل في السنين الإحدى والعشرين منذ أن تم توقيع اتفاقية أوسلو، الأسوأ في تاريخ المفاوضات الحديث، التي لا يوقعها إلا مهزوم أو مستسلم كما فعلت اليابان مع الجنرال مكارثر بعد الحرب الكونية الثانية، ولكن المفاوض الإسرائيلي أتقن لعبة تقمص شخصية الضحية ورمى اللوم على الخصم دائما وباستمرار كما قال سيد الكلام ‘سرقت دموعنا يا ذئب – تقتلني وتسرق جثتي وتبيعها؟’ وهيا إلى جرد الحساب.
سباق محموم نحو تعميق الاحتلال واجتثاث الشعب الفلسطيني
تسعة اشهر تحت غطاء المفاوضات قامت إسرائيل بتوسيع جميع أنشطتها الهادفة أساسا للاستيلاء على الأرض وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق، بحيث يكون الرحيل حلا. وقد يسجل مؤرخو الاحتلال أن تلك الاشهر التسعة شهدت من الممارسات المخالفة للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة أكثر من أي وقت مضى خلال سنوات الاحتلال السبع والأربعين.
– استشهد 60 فلسطينيا من بينهم أطفال ونساء وشيب وشباب وناشطون وعابرو طريق ورعاة وطلاب. من بينهم وجيه الرمحي من مخيم الجلزون (15 سنة) والشهيد ساجي دراوشة (18 سنة) والمسنة آمنة قديح (58 سنة) من خانيونس. في شهر آذار/ مارس فقط استشهد 11 فلسطينيا وجرح 236. لقد بلغ عدد الجرحى عام 2013 نحو 3637 جريحا وفي الاشهر الأربعة الأولى في 2014 وصل العدد إلى 608. في غزة لوحدها بلغ عدد الشهداء لعام 2014 أحد عشر شهيدا وبلغ عدد الجرحى 117 جريحا.
– في الوقت الذي تنخفض فيه نسبة البناء في تل أبيب بنسة 19′ ترتفع في الضفة الغربية بنسبة 124′ عام 2013/ 2014 قياسا إلى الفترة السابقة. خلال فترة المفاوضات أقر بناء أو بني فعلا نحو 14000 وحدة سكنية. وقد شمل الاستيطان توسيعات للمستوطنات الحالية وافتتاح بؤر جديدة وإسباغ شرعية على مستوطنات كانت تعتبر غير شرعية (طبعا حسب قوانينهم)، كما تم بناء مستوطنة جديدة. لقد أعلن وزير الإسكان الإسرائيلي أوري أرئيل علنا وعلى مسمع من العالم عن إجراء مناقصات لبناء 20 ألف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية. وقال في مؤتمر عقد في بلدة سدروت ‘إن التقارير التي تتحدث عن وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية عارية عن الصحة’. وقال: ‘أعلم أن رئيس الحكومة نتنياهو يعمل وفقا لاعتبارات تفرضها عليه ظروف دولية، إلا أن الامتحان الحقيقي في النتائج على الأرض’.
– في هذه الفترة تم اعتقال 4000 فلسطيني، وما زال في سجون الاحتلال أكثر من 5600 أسير، من بينهم 187 طفلا. ويرتفع عدد الأطفال المعتقلين أو ينخفض من شهر لآخر، ففي شهر تشرين الاول/أكتوبر كان العدد 179، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر وصل إلى 211. لقد بلغ معدل الاعتقالات الأسبوعية عام 2013 خمسة وسبعين معتقلا، بينما وصل المعدل في الشهور الأربعة الأولى عام 2014 إلى 94.
– هدم البيوت وتشريد سكانها بلغ درجة محمومة لم يسبق لها مثيل. ففي شهر آب/أغسطس بعد بدء المفاوضات هدم 56 منزلا وفي أيلول/سبتمبر هدم 94 منزلا وفي أكتوبر هدم 94 منزلا شرد على أثرها 375 فردا. وفي شهر كانون الثاني/يناير هدم 106 بيوت شرد على أثرها 189 فردا. لقد بلغ مجموع ما هدم من بيوت عام 2013 في المنطقة جيم 565 بيتا و98 بيتا في القدس الشرقية، بينما بلغ مجموع ما هدم في عام 2014 في المنطقة جيم 198 بيتا، وفي القدس الشرقية 24. وبلغ مجموع من شردوا عام 2013 في المنطقة جيم 805 وفي القدس الشرقية 298، بينما في الاشهر الأربعة الأولى شرد 337 في المنطقة جيم و89 في القدس الشرقية.
– لقد تجاوزت اعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين كل حد، فقد استشهد المواطن صالح مليحات ( 62 عاما) قرب مستوطنة معاليه أدوميم عندما خرج مستوطن بسيارته من الشارع وتعمد دهسه وقتله. وقد سجلت الأمم المتحدة عام 2013 ما مجموعه 399 اعتداء نتج عنها إصابات، وفي الأربعة أشهر الأولى من عام 2014 وقع 95 اعتداء خلفت إصابات. هذا عدا عن تجريف آلاف الأشجار، خاصة الزيتون وقطعها وحرقها مما لا يتسع المجال لذكره.
– بلغت الاعتداءات على الأقصى ومنطقة الحرم الشريف والاقتحامات من قبل المتطرفين نسبة غير مسبوقة من قبل. لقد أصبحت الاقتحامات شبه يومية يشارك فيها ساسة وناشطون وأعضاء كنيست ووزراء. ووضع على جدول أعمال الكنيست مشروع قرار يقضي بتقسيم منطقة الحرم الشريف على طريقة الحرم الإبراهيمي الذي قسم جغرافيا وزمنيا. وهناك تصعيد جدي في نبرة التقسيم، خاصة خلال فترة المفاوضات. وهناك جماعات متطرفة تطالب بنزع الحرم الشريف (الأقصى والصخرة) من وزارة الأوقاف الأردنية التي تديرها الآن باتفاق مع السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى وزارة الأديان الإسرائيلية. وما زالت السلطات الإسرائيلية تمنع المصلين الفلسطينيين دون سن الخمسين من الدخول والصلاة في الأقصى. كما اعتدت على موكب لأبناء الطائفة المسيحية يوم عيد الفصح أثناء مسيرته عبر طريق الآلام وصولا إلى كنيسة القيامة.
هذا غيض من فيض حيث لا يتسع المجال للحديث عن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة وأزمة الغذاء والطاقة والاستيراد والتصدير وتردي الأوضاع المعيشية والصحية والتعليمية بسبب الحصار المزدوج من قبل فكي الكماشة الإسرائيلي والمصري، الذي أنجز في تسعة أشهر ما عجزت عنه إسرائيل في سبع سنوات.
لهذا تريد إسرائيل والولايات المتحدة الاستمرار في المفاوضات. تسعة اشهر أخرى أو سنة أو سنتان ولا يبقى ما يفاوضون عليه. ولا أفهم لماذا يصر بعض المفاوضين الكبار على الاحتفاظ بألقابهم بعد أن أوصلونا إلى موارد التهلكة وأوصلوا الشعب الفلسطيني إلى هذا المأزق الوجودي تحت غطاء ما سمي زورا وبهتانا ‘عملية السلام’.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية