المفكر العربي بين إكراهات الواقع وغواية الخطاب

أزمنة طويلة مضت، على انطلاقة المشروع الحداثي للمفكر العربي، دون أن يتسرب الفتور إلى حماسه، ودون أن يقتنع باستحالة ظهور أي بارقة أمل، تشي باحتمال استقبال محيطه، لأبجديات ما هو بصدد التبشير به. إنه هكذا، وعلى الوتيرة نفسها، يستمر في بسط الحجج والبراهين، التي تبدو من وجهة نظره، السبيل الفعلي، المؤدي إلى فضاءات «العقلانية» وآفاق التنوير.
ذلك هو المشهد الدرامي الذي يربك حسابات الملاحظ، كلما عاين بالواضح والملموس، فلول الظلام المرابطة في المكان، ضدا من أحلام المفكر العربي، الذي لم يعد له من خيار، سوى التعايش مع قدر مفارقة تستمد استمراريتها، من تناقضاتها الصاعقة، والعبثية في آن.
وطبعا، ليس غرضنا من هذه الإشارات التمهيدية، تزكية مقولة الفشل التي أمست شبيهة بنصل مكشوف، تسدد به النوايا المبيتة طعناتها الحاقدة إلى صدر التنوير. غير أن ذلك، لا يعني استهانتنا بالوضعية الدرامية التي يوجد عليها هذا المفكر، وهو يستنزف طاقة عمره القصير، في التدليل على «إمكانية» خلق /اختلاق حداثة عربية، مطابقة لحداثة الآخر. ولعل هذه الوضعية، هي الأكثر جدارة بالتساؤل من غيرها، بوصفها إشكالية ثقافية ومجتمعية بامتياز. إذ ما معنى أن يكرس المفكر العربي حياته كاملة لتنفيذ مشروع، يدرك سلفا بما تيسر من بصيرته المعرفية، انعدام قابليته لأي تحيين واقعي؟ وبغير قليل من الابتسار، سنعتبر أن الجواب عن حرقة هذا السؤال، يتعلق بإنجاز المفكر ذاته، لمشروعه الحداثي داخل فضاء الخطاب اللغوي تحديدا، وليس داخل الفضاء المجتمعي، وهو الخصوصية التي تتميز بها أغلب حركات الإصلاح والتحديث، التي عرفها العالم العربي، منذ القرن التاسع عشر إلى الآن، حيث كان الاشتغال وسيظل، محصورا تماما داخل قمقم الخطاب، أي في غياب تام للحد الأدنى من تشاركية الرأي العام، بفعل استشراء داء الأمية في أغلب أوساطه.
وكما هو معلوم، فإن الخطاب ككل، لا يمكن أن يستمد دلالته إلا من خلال تفاعله التواصلي مع الجهة المعنية به، التي يظل دونها محض لغو منكفئ على ذاته، ومفتقر إلى شروطه التداولية. وفي حالة ما إذا نحن سلمنا سلفا، بأن فعالية الخطاب التحديثي الذي يعنينا في هذا السياق، لن تستقيم إلا إذا تفاعلت معه الشرائح المجتمعية كافة، التي يتحقق بتشاركيتها العامة مبدأ التحديث. وبالنظر لاستحالة تحقق هذا المسعى في الواقع العربي، فإننا لن نتردد في الجزم بأن القوة الإجرائية لهذا المشروع، ستظل حتما شبه منعدمة، أو بالأحرى مقتصرة على النخب المختصة، لاسيما تلك المرابطة داخل رطوبة الأكاديميات، المنغلقة على أوهامها. بمعنى أن واقع الحال، يكشف عن هوة سحيقة تفصل بين الخطاب وموضوعه، باعتبار أن موضوع التحديث، يشمل مبدئيا الأغلبية الساحقة، التي لا علم لها به، سواء في الغد القريب أو البعيد. ومرد ذلك، وجودها تاريخيا، في عمق ذلك الهامش، الذي لا تستجيب «قوانينه» الداخلية، لأي مرجعية نظرية، لها علاقة ما، بمفهوم التحديث المتعارف عليه كونيا. علما بأن المراد بالقوانين السائدة عربيا، هي مجموع تلك الأعراف التي تعمل السلط الاستبدادية على تعميمها، من أجل إنتاج بنيات ذهنية معطوبة، عاجزة عن تحقيق أي اندماج مجتمعي يتميز بالحد الأدنى من العقلانية، لكونها وباختصار شديد، بنيات بشرية، مكرهة على خوض حروبها اليومية والدائمة، مع مختلف مكونات محيطها، من أجل انتزاع الحد الأدنى من شرط الوجود.

ما معنى أن يكرس المفكر العربي حياته كاملة لتنفيذ مشروع، يدرك سلفا بما تيسر من بصيرته المعرفية، انعدام قابليته لأي تحيين واقعي؟

وهي بالمناسبة، حروب شرسة، تنتفي معها إمكانية ترسيخ أي نموذج من نماذج التواصل التفاعلي، الذي من شأنه تحفيز أفراد المجتمع على الانخراط المشترك في وضع خريطة طريق ممكنة، مفتوحة باتجاه قيم التنوير والتحديث، ورغم أن المفكر العربي على دراية تامة بتداعيات هذه القطيعة المأساوية، القائمة بين خطابه والتلقي المجتمعي، إلا أنه بحكم احترافه لمهنة، أو متعة إنتاج الخطاب، لن يسمح مطلقا بتسرب أي شعور من مشاعر الإحباط، تجاه هذه القطيعة، الذي سيصرفه حتما عن ممارسة «حرفة» إنتاج الخطاب، حيث يجعل من القطيعة ذاتها محركا ضمنيا دائم الحضور في خلفية اشتغاله، كي يصبح له، بموجب ذلك، كائن بوجهين، كما في الأساطير القديمة. أحدهما يتجه نحو المجتمع، في ما يتجه الوجه الآخر نحو تقنيات وجماليات البحث عن مقومات الخطاب، وآليات انبنائه. علما بأن الوجه الأول، يظل مجرد سند شكلي لحركية الوجه الثاني، الذي يحتل مركز الصدارة بالنسبة لاهتمام المفكر، والمجسد طبعا في تصنيعه لخطابه.
فهل يجوز من هذا المنطلق، اعتبار مشروع التحديث الذي يشد عليه المفكر العربي بالنواجذ طيلة حياته، غير قابل مطلقا للتحيين على مستوى الواقع؟ وبالتالي، فهو لا يعدو ـ تبعا لذلك – أن يكون امتدادا لاهتمامات «حرفة الكتابة» المعنية أولا وأخيرا بتحديث ذاتها، أكثر من أي شيء آخر، خاصة منها علاقته بالواقع المجتمعي، ولربما يكون هذا الاحتمال الوارد جدا، هو مصدر تجاهل المفكر العربي، لمأساوية الفشل التي يصطدم بصخرتها مشروعه التحديثي.
إنه يجد في إشكالية «التخلف العربي» الورشة الأكثر ثراء، التي يمكن أن تمارس فيها حرفة الكتابة مهامها ليل نهار، دون أن يلحق مواردها الرمزية والمادية أي نضوب، ودون أن تتعرض آلياتها لأي عطب، وطبعا بتزكية ومباركة الأتباع والحواريين، ومحترفي تصنيع الخطابات. إنها الورشة المكتظة واجهاتها بكل المواد الأساسية المعدة للتوظيف والاستثمار. ولعل الشعار المركزي، المؤطر لها، والمعروف بجاذبيته التي لا تقاوم، هو عنوان كتاب شكيب أرسلان1869 ـ 1946 «لماذا تأخر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم؟».
فهذا العنوان هو النواة الأم، المتعددة الأرحام، والمتمتعة بخصوبتها القصوى التي تتبرع علينا بأجيال متتالية من الإصلاحيين والقومجيين والوطنجيين والأصوليين، والعلمانيين والحداثيين، والعدميين أيضا، حيث يلح كل من جهته على الإدلاء بدلوه، بحثا عن جواب شاف ومقنع للسؤال الحارق «لماذا تخلف المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ؟». وليست الغاية من هذا البحث الدؤوب والمؤرق، إحداث نقلة انقلابية وتغييرية في المجتمع، من أجل تحطيم أغلال التخلف، والسير الحثيث باتجاه آفاق التقدم والتحديث على الطريقة الغربية، بقدر ما هو بحث عن المزيد من الحطب، الذي يساعد على تأجيج نار وحمى المفرقات، الكفيلة بإنجاب خطاب هادر، يحظى بتمجيد محترفي مهنة /لعبة الكتابة.
فلا وقت للمفكر العربي، كي يبدده في مطاردة دوامات الواقع، والتورط في جحيم أوحاله وأهواله. ولا وقت له كي يزج بنفسه في اجتراحات ميدانية، حتما ستجعله نهبا لعدوانية «الغوغاء» و»الرعاع». فالإشكاليات المطلة من رحم النواة الأم، لها قدرة فائقة على التوالد والتناسل، حيث كل موقف وكل مقاربة لثنائية ‘التأخر والتقدم» مهيأة لاستحضار أشباهها وأضدادها، في ما تتمثل كفاية المفكر في دمجها ضمن الأنساق الأكثر إثارة، والأكثر استقطابا للسجالات والحجاجات. وطبعا، في قلب تلك الدائرة الضيقة جدا، والمغلقة على تلك الأطياف اللامرئية، لمستهلكي الخطابات وصناعها في آن. لكن ومع ذلك، ماذا لو حدث أن انتبه المفكر ذاته، ودون سابق إنذار، إلى أن المشروع الذي سلخ نهارات حياته ولياليها في تخصيبه وتقعيده، ليس في نهاية المطاف، سوى لعبة من وحي محترف الكتابة؟ التي يعوز فتيلها القليل من الزيت، كي تضيئ ذاتها، في ظلمة زمن عربي، لا يعتبر نفسه معنيا بسؤال أي شعاع محتمل، قد يومض من هذه الجهة أو تلك.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية