تأتي المفاوضات فيما يستعد الاتحاد الأوروبي لإعلان حزمة من العقوبات ضد روسيا، واعتزام أوكرانيا تخصيص نصف ميزانيتها لعام 2024 لأغراض الدفاع، بعد فشل هجومها العسكري المضاد ضد الروس.
باريس ـ «القدس العربي»: في خطوة تعتبر بمثابة شحنة رمزية مهمة لأوكرانيا في وقت تشهد فيه فشل هجومها المضاد وانتقال الاهتمام الدولي إلى الحرب الإسرائيلية على غزة، أعطت المفوضية الأوروبية الضوء الأخضر لبدء مفاوضات انضمام أوكرانيا ومولدافيا إلى الاتحاد الأوروبي، يأتي ذلك فيما يستعد الاتحاد الأوروبي لإعلان الحزمة الـ12 من العقوبات ضد روسيا، ووسط اعتزام أوكرانيا تخصيص نصف ميزانيتها لعام 2024 لأغراض الدفاع، بعد الفشل المدوي لهجومها العسكري المضاد ضد الروس.
فبعد انتظار لأكثر من عام ونصف، أي منذ أن منحها الاتحاد الأوروبي عام 2022 وضعية مرشّح، أعطت المفوضية الأوروبية موافقتها بدء مفاوضات انضمام أوكرانيا ومولدافيا إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة وصفتها رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين بـ«التاريخية» وتشكل بداية الطريق بالنسبة لكييف والعواصم الأخرى الساعية للالتحاق بالتكتل. في حين، رحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالقرار «السليم» الذي اتخذته المفوضية الأوروبية، مشدداً على أن بلاده «يجب وتستحق أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي» وتعهد رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميغال بان تكون البلاد عضواً «قويا وعلى قدم المساواة» في الاتحاد الأوروبي. غير أن المفوضية الأوروبية حدّدت لكييف سبعة معايير، قبل الانتقال إلى مرحلة بدء مفاوضات الانضمام، هي شروط ينبغي استيفاؤها، لاسيما على صعيد مكافحة الفساد المستشري وإقرار إصلاحات قضائية. وشددت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين على أن «أوكرانيا ما تزال تواجه صعوبات هائلة ومأساة سببتها الحرب العدوانية الروسية» مضيفة أنه على الرغم من هذه الصعوبات، واصلت كييف إصلاحاتها «بعمق» للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
تداعيات كارثية
ومن المفترض أن يعرض هذا القرار على الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خلال قمة من المقرر عقدها منتصف كانون الأول/ديسمبر المقبل في بروكسل. وفي حال، وافقت الدول الأعضاء على المقترح، فإن أوكرانيا ستنضم بعد ذلك إلى قائمة الدول الأوروبية الأخرى التي دخلت في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، والتي كان بعضها مثل تركيا، التي بدأت المفاوضات بينها والاتحاد الأوروبي في عام 2005 لكنها علقت عام 2018. وتعتبر العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن توسع التكتل شرقا يعد عنصرا أساسيا لضمان أمن أوروبا لمواجهة طموحات روسيا. في جميع الأحوال، يجمع الدبلوماسيون والمراقبون في المنطقة الأوروبية على أن العملية ستكون شاقة بالنسبة للجميع. فانضمام أوكرانيا، التي يتجاوز عدد سكانها الأربعين مليون نسمة، سيطرح العديد من الصعوبات بدءاً بالتمويل. وترى دولٌ رئيسية كألمانيا وفرنسا أنه سيتعين على الاتحاد الأوروبي إجراء إصلاحات ليتمكن من العمل مع مزيد من البلدان.
وما إن أعطت المفوضية الأوروبية ضوءها الأخضر لبدء مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد، سارعت أطراف وجهات إلى التعبير عن مخاوفها من التداعيات السلبية لانضمام كييف إلى التكتل. فقد حذرت نقابة «فنسيا» وهي أكبر للمزارعين في فرنسا، من أنّ هذه الخطوة ستكون «كارثية» على قطاع الزراعة في أوروبا. وقال رئيس النقابة، آرنو روسو، في مقابلة مع صحف محليّة: «في سياق الحرب، من الصعب جداً التعليق على هذا الموضوع لأنّك تُتّهم على الفور بعدم دعم أوكرانيا، لكن من وجهة نظر زراعية محض، فإنّ انضمام أوكرانيا إلى الاتّحاد سيكون بمثابة كارثة على الزراعة الأوروبية». وأوضح: «الزراعة الأوكرانية لا تتبع نفس القواعد، وتمثّل ما يعادل ربع الزراعة الأوروبية، لاسميا في قطاع الدواجن والمحاصيل الحقلية، ولديها معايير بيئية ومعايير إنتاج أقلّ بكثير من معاييرنا».
في موازاة ذلك يواصل الاتحاد الأوروبي تحركاته ضد موسكو رداً على حربها على أوكرانيا. فبعد أن فرضت دول الاتحاد الأوروبي 11 حزمة من العقوبات على موسكو طالت جميع القطاعات وشملت حوالي 1800 فرد وكيان للحد من قدرة الكرملين على تمويل الحرب، تبدأ الدول الاتحاد مناقشة مطلع الأسبوع المقبل الحزمة 12 من العقوبات، حسب مصادر دبلوماسية أوروبية، يفترض أن تتضمن تدابير بشأن الماس. وقالت مصادر دبلوماسية في بروكسل إن من المتوقع أن يصدر مقترح المفوضية الأوروبية لحزمة العقوبات الجديدة ضد روسيا في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، على أن تُجري حكومات الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد مناقشات حول الموضوع. وفي مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» يوم الأربعاء المنصرم أوضح مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن التكتل حصل على الضوء الأخضر من الدول الأعضاء بمجموعة السبع بالنسبة للألماس الروسي، خلال اجتماع وزراء خارجية هذه الدول في اليابان (الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا واليابان وفرنسا وألمانيا وإيطالي).
وقبل بدء المناقشات حول حزمة العوقبات الـ12 بحق روسيا، في قرار تم تبنيه الخميس، وهو نص غير ملزم، أعرب النواب الأوروبيون عن قلقهم من الثغرات الموجودة في حزم العقوبات التي اعتمدها الاتحاد بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022. وطالب البرلمان الأوروبي بتطبيق أكثر صرامة للعقوبات المفروضة على موسكو وفرض حظر شامل على واردات الغاز المسال وغاز البترول المسال الروسي، وهو ما يمثل مكسبا بمليارات اليوروات لروسيا. ويعتبرون أنه من الضروري أن يتعاون الاتحاد الأوروبي مع دول مجموعة السبع لفرض حظر شامل على الواردات الروسية من الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال. لكن دولاً أوروبية أخرى تبدي تحفظا بسبب الخلل الذي قد يسببه مثل هذا الإجراء في سوق الغاز الأوروبية، التي قد ترتفع أسعارها بعد ذلك. ويدعو النواب الأوروبيون إلى فرض حظر على واردات الماس من روسيا أو التي تقوم روسيا بإعادة تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي.
وبينما فشل الهجوم المضاد الأوكراني بعد خمسة أشهر من إطلاقه، والذي يهدف إلى قطع الجبهتين الجنوبية والشرقية إلى قسمين وربما الوصول إلى ميليتوبول (جنوبًا) عند أبواب شبه جزيرة القرم، ومع اقتراب فصل الشتاء وتضاءل الفرص المتاحة أمام كييف، وافق البرلمان الأوكراني، هذا الأسبوع، على ميزانية الدولة للعام المقبل في مسعى لتعزيز الجيش وقدراته الدفاعية، حيث إنه من المقرر أن يتم تخصيص أكثر من نصف إجمالي إنفاق الميزانية الأوكرانية لقطاع الدفاع لتمويل المجهود الحربي ضد روسيا التي شنت غزوا واسع النطاق للأراضي الأوكرانية في 2022. وأوضح رئيس الوزراء دينيس شميهال ان «حوالي 50 في المئة من إجمالي الإنفاق سيتم تخصيصه للدفاع والأمن في أوكرانيا إذ ستكون هناك زيادة في الأسلحة والمركبات والطائرات المسيرة والذخائر والصواريخ». ومن المقرر أن تبلغ إيرادات الميزانية 1.77 تريليون هريفنا (48.4 مليار دولار) بينما من المقرر أن يصل الإنفاق إلى 3.35 تريليون هريفنا. وأكد مسؤولون حكوميون أن أوكرانيا ستواجه عجزا ضخما في الميزانية يبلغ نحو 43.58 مليار دولار في عام 2024. وتخطط الحكومة لتحقيق نمو في الاقتصاد في العام المقبل وتتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6 في المئة بعد زيادة متوقعة بنحو 5 في المئة هذا العام، بعد أن تراجع اقتصاد البلاد بنحو الثلث بسبب فرار ملايين الأشخاص من الحرب وقصف المدن والبلدات وتدمير البنية التحتية الحيوية وتعطل سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية بشدة.
واليوم، لم يعد الجيش الأوكراني، المنخرط منذ 4 حزيران/يونيو، في عمليات لاختراق الخطوط الروسية، يحرز أي تقدم. فعلى الرغم من الخسائر الفادحة، استعادت قوات موسكو، القادرة على حشد المزيد من الرجال والمعدات، زمام المبادرة من خلال شن هجمات واسعة النطاق، على بلدة أفديفكا في دونباس. وأصبحت بلدة أفديفكا في شرق أوكرانيا في الآونة الأخيرة هدفا لقصف «ضخم» من قبل القوات الروسية التي «تحاول تطويق» هذه المدينة الصناعية في منطقة دونباس الأوكرانية. ويأتي ذلك في ظل المخاوف الأوكرانية من أن يؤثر الدعم العسكري الأمريكي الكبير لإسرائيل على الدعم المقدم لأوكرانيا. لكن واشنطن ترى أن زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل لن تؤثر على دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في الحرب.