المقبرة 117: هل هناك برنامج إبادة في الدماغ البشري؟

خلال أعمال إنقاذ لمواقع وآثار في منطقة جبل الصحابة في وادي حلفا شمال السودان عام 1964، وجد فريق تابع لمنظمة اليونسكو في ستينيات القرن الماضي هياكل عظمية لـ24 امرأة و19 رجلا و13 طفلا (وثلاث بقايا غير معروفة الجنس أو العمر). سمّي الموقع بالمقبرة 117 وأظهر الفحص الكربوني أن الهياكل تعود إلى 13 ألف عام على الأقل.
قبل أن يختفي ذلك الموقع تحت مياه بحيرة سد أسوان انتشل البحاثة رفات 61 شخصا كانت مجالا لبحوث عديدة لاحقا خلص أحدها إلى أن هؤلاء كانوا ضحايا هجمات مخطط لها وغارات وكمائن استهدفت الرجال والنساء والأطفال على مدى سنوات. اعتبرت آثار الضحايا أولئك أقدم دليل على العنف الإبادي الممارس قبل التاريخ المكتوب للبشر: لقد اخترع الإنسان الحرب، قبل اختراع العجلة أو الكتابة، كما يقول فالنتين راكوفسكي في مقال له بمجلة «لوباريزيان» الفرنسية. بعد تحليله عمليات قتل قامت بها جماعات من قرود الشمبانزي ضد مجموعات أخرى منافسة في زائير عام 1974، اقترح عالم رئيسيات يدعى ريتشارد رانغهام، إلى أن هذه الوقائع «تقوض التفسيرات التي تربط العنف الشديد بخصائص تميّز الإنسان مثل الثقافة، وطبيعة الدماغ، أو العقاب الإلهي». ميولنا الحربية، بهذا المعنى، «تعود بأصلها إلى جذورنا الحيوانية».
تتبع جاريد دايموند، في كتابه «الرايخ الثالث للشمبانزي» بدوره، جذور الإبادة وكراهية الغرباء في سلوك الحيوانات، وعدد خصالا كثيرة كانت تعتبر خاصة بالبشر فقط، فـ»بعض جماعات القرود لديها لغة. الخفافيش لديها طبقات نبيلة. الفيلة لديها حس جمالي. القرود تمارس الإبادة. البط يمارس الاغتصاب، والنمل ينظم حروبا وغارات لاستعباد مجموعات نمل أخرى!».
تتشارك مجتمعات الشمبانزي التي تملك علاقات هيمنة وقرابة ذكورية ـ أبوية، ويمارس أفرادها سلوكا عدوانيا مع حيوان وحيد آخر يقوم بممارسات مشابهة: الإنسان (العاقل). من المثير أن النماذج التي يعرضها رانغهام وديل باترسون لهذه السلوكيات ترد هذه الأمثلة: حروب الفلسطينيين والإسرائيليين، وحرب الأمريكيين مع الفيتكونغ، والحرب الأهلية بين التوتسي والهوتو في رواندا.

إنسان.. وحش وزومبي

عمل كنان مالك، في كتابه «إنسان.. وحش وزومبي» على تفكيك تلك الفرضية، فمن السخف، في رأيه، اعتبار العنف بين أطفال في باحة المدرسة، نظيرا لقتال الفيتناميين للأمريكيين أو «استخدام الفلسطينيين للإرهاب لإعادة تحرير أرضهم» حسب قوله. العنف ليس «شيئا» يبقى نفسه في كل الظروف. إنه، بالأحرى «تعبير عن علاقة ـ علاقة قوة، أو نقص قوة، وبالتالي فإن «أشكال العنف تختلف باختلاف أنماط علاقات القوة» وعلى عكس الحيوانات، يمتلك البشر مرونة قصوى في سلوكياتهم وقابليتهم لتغطية هذه السلوكيات بأشكال مختلفة في ظروف مختلفة. يعني ذلك أن أدمغة البشر، لا تفصل بين إرث التطوّر الطبيعي من أسلافنا القدماء، والثقافة المكتسبة التي تطوّرت مع تقدّم الحضارات.
كانت مدينة إشبيلية، المستوطنة الفينيقية قديما، وإحدى مدن حقبة الأندلس الإسلامية، مكان لقاء مجموعة من علماء الاجتماع والطبيعة عام 1986 لتدارس واقعة «المقبرة 117». في تلك الندوة خلص العلماء إلى رفض فكرة وراثة البشر ميلا للحرب من أسلافنا الحيوانات، كما رفضوا فكرة أن البشر مبرمجون جينيا ليكونوا عنيفين، وأن لدينا «دماغا عنيفا». بعد 5 سنوات من بيان إشبيلية قُتل، خلال 100 يوم فقط، ما يقارب مليون شخص في رواندا، وفي العام التالي، 1995، أقرت المحكمة الجنائية الدولية حصول تطهير عرقي للبوسنيين على أيدي ميليشيات «العقرب» الصربية. حصدت مجزرة سريبرينتشا وحدها 8372 شخصا، وذلك تحت أنظار جنود الأمم المتحدة الأوروبيين.
تعرّض بيان إشبيلية لنقد علماء كثر، وأججت وقائع التطهير العرقي داخل أوروبا والإبادة الجماعية في مهد البشرية الافريقي، النقاش مجددا حول الأسباب العميقة لنزوع البشر للعنف، وصولا إلى أشكال الإبادات العرقية والدينية والقومية.

يلجأ الإنسان للعنف دفاعا عن نفسه وعائلته وأطفاله، لكنه، في وضع آخر، يقوم بالعنف من أجل الحصول على طعام ومصادر وأراض وبشر أكثر، لكن ما تكشفه الأبحاث هو وجود عنف يمكن ربطه بما أشار إليه ألبيرت عن إرث البهجة بالدم والقتل الذي جاء من حقبة الصيد، وفي هذه الحالة يتغيّر الإحساس الإنسانيّ بالانزعاج والاشمئزاز من العنف المتسبب بأذى لآخرين إلى شعور بالبهجة والانتشاء.

دمّرت جزءا من نفسك!

جوابا على التساؤل الممض، إن كانت هناك منظومة في الدماغ البشري تحث على العنف، وما هو سبب وجودها يتابع الكاتب والقاضي – الناشط الحقوقي البريطاني دكستر دياز، في كتابه «الأنماط العشرة للإنسان» تجارب علماء عديدين حاولوا التوصل إلى إجابات على هذه الأسئلة. خلال دراسة لطبيعة التعاطف البشري مع الضحايا في إحدى التجارب العلمية، طلب المشرفون على التجربة من المشاركين فيها قتل حشرات. وجدت هذه الدراسة أن البشر يترددون في إيذاء تلك الحشرات، خلال إحساسهم بالتماثل معها، لكن المفاجأة كانت أن أولئك الذين أحسوا بالتماثل مع تلك المخلوقات كانوا الأكثر قتلا لها عندما طُلب من المشاركين التخلص منها! استنتاج الدراسة كان أن البشر «غير مبرمجين» على ممارسة القتل، لكنهم حالما يبدأون ممارسته، يتلقى الدماغ تهديدا للإحساس بالذات. إحدى طرق التغلب على هذه التهديد (رغم ما في ذلك من مفارقة) هي الاستمرار بالقتل. فسر هذا سبب قيام من أحسّوا بالتماهي مع الحشرات بزيادة درجة القتل. يزداد القتل، إذن، مع تفاعل الشعور بالانتقال إلى ممارسة العنف، في إقرار نفسيّ بارتكابك «ما لا يمكن التفكير فيه» وبأنك دمرت جزءا من نفسك.
في تفسير لظاهرة الأطفال الجنود القتلة في الميليشيات المسلحة، يرى البيرت، أنهم أصبحوا قتلة متخصصين لأنه تمّت تنشئتهم على ذلك. بينما يتعاطى الشخص العادي مع التوتر بالذهاب للبيت أو بانتقاد زملائه فإن أولئك الأطفال يعالجون التوتر بالقتل. إنهم يعيشون حياة مرعبة يمكن في أي لحظة فيها أن يقتلوا أو يجرحوا، وهم يحصلون على القليل من الطعام والرعاية والطبية والمسكن، وحين يتصاعد الإحباط في داخلهم وتسوء الأمور يصبح القتل نوعا من الإدمان على مخدّر.
مكافآت القسوة!
يلجأ الإنسان للعنف دفاعا عن نفسه وعائلته وأطفاله، لكنه، في وضع آخر، يقوم بالعنف من أجل الحصول على طعام ومصادر وأراض وبشر أكثر، لكن ما تكشفه الأبحاث هو وجود عنف يمكن ربطه بما أشار إليه ألبيرت عن إرث البهجة بالدم والقتل الذي جاء من حقبة الصيد، وفي هذه الحالة يتغيّر الإحساس الإنسانيّ بالانزعاج والاشمئزاز من العنف المتسبب بأذى لآخرين إلى شعور بالبهجة والانتشاء. تابع علماء هذه الظاهرة الأخيرة رابطين إياها بتاريخ مطاردة وصيد الحيوانات عند أسلاف البشر. يفرز الجسم خلال عملية الصيد هرمونات الأندروفين، والسيروتونين، والتستوستيرون. تخفف هذه الإفرازات التي تتدفق في الدم الألم وتنتج البهجة وحتى النشوة، وحين يتم إخضاع البهيمة وتقطيعها يصعد الإحساس بالبهجة والانتصار. حسب رانغهام، فإن معدّل العنف المميت بين مجتمعات الشمبانزي ومجتمعات البشر الصيادين البشر، لكن ماذا بالنسبة لقتل البشر للبشر؟
أظهرت دراسات حديثة، طبق بعضها على عناصر ميليشيات (مثل جماعة فارك الكولومبية) أنه في شروط بيئية للتهديد الشديد والخطر يتكيّف الأفراد مع شعور الانجذاب للعنف بحيث يتغذى العنف على عنف أكبر، ويتحول لنوع من الإدمان. الاستنتاج كان أن الاستمتاع بالعنف هو «أحد وجوه السلوك البشري الذي يتكشف في سياق الحرب». بذلك يتم التغلب على العائق النفسي البشري لأذية الآخرين وتتعدّل بهجة الصيّاد القديمة لتصبح بهجة بالقتل الجماعي والإبادة لجماعات بأكملها، وهو ما يضعه البروفسور فيكتور نيل تحت عنوان: «مكافآت القسوة».

كاتب من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية