المقهى ـ بلقاسم حبّة: نوبل وفتنة التاريخ

تاريخ مجالس المقاهي عتيق عتاقة روعة الانطلاق بشوق الحكاية وهي تتدلى متعانقة مع شفطة قهوة وفنجان له تاريخ المحبّة، تلك نسمة من عبور خاطف جميل على فضاء مقهى جمعني مع صديقي شريف بنوجعفر، إذ لا يمكن أن نفّوت مكالمة على عجل يريد من خلالها صاحبها أن يؤرّخ للحظة في رواق المعرفة والفكر والتكنولوجيا أيضا، «هناك عدّة أشياء لابد من إخبارك بها» أشياء كانت موضوع اللقاء الذي أجراه عن بعد العالم الجزائري بلقاسم حبّة من «السلكون فالي» في الولايات المتحدة الأمريكية مع طلبة وأساتذة جامعة بشار وما استتبعه من نقاش، هذا هو حراك المقهى حين يكون من أزمنة «طونطون فيل» أو «كافيه ريش» أو «مقهى الفيشاوي» ومن جماليات الكتابة لدى إحسان عبد القدوس أنّه اختار لعموده عنوان «على مقهى في الشّارع السياسي» في مجلة «أكتوبر» حينما طلب منه أنيس منصور وبعده نجيب محفوظ أن يكتب فيها.
الزّمن: بعد عصر ذلك اليوم، الحرارة معتدلة لكنّها تجلب الرّغبة في الانتشاء تحت الهبوب البارد للمكيّف الهوائي، فضاء المقهى يسوده صمت تشوبه وشوشات غير مزعجة لمن يريد أن يكون محفوظيا أو قُدّوسيا أو فنّانا جميلا من أزمنة « دزاير» الطونطونية، لاحت لنا طاولة قرب الواجهة الزّجاجية للمقهى، طلب شريف من النّادل بأدب جمّ أن يسدل قليلا الستار الكهربائي، فتردّد بداية ووعد بأنّه سيعود بجهاز التحكم عن بعد، لكنّه لم يعد لأنّ طول السّتار لا يسمح بأن يهبط أكثر ممّا كان عليه. بمجرّد أن ارتحنا إلى الطاولة وبعد أن طلب شريف الشّاي وطبقين صغيرين احتوى أحدهما المكسّرات بأنواعها، جوز ولوز وفستق، والآخر الفول السّوداني، وقنينتي ماء وطلبت قهوة خفيفة، تذكرت جون بول سارتر وسيمون دوبوفوار و«كافيه لي دو ماغو» «وكافيه دو فلور» حين كانت تجمعهما الحوارات الفلسفية والعاطفية، وبول ريكور الذي ضرب موعدا للقائمين على برنامج «لكن ماذا يفكرون؟» في المقهى، ولمّا سُئل عن ذلك أجاب، «أنّ هذا المقهى يمثل لي مكانا أكثر من تاريخي، بل أسطوري، إنّه زمن البدايات، أظن انّه مضت ثلاثة وستون عاما على مجيئي إلى هنا لأول مرّة، وقد تكون الطاولة نفسها..» وعن سؤال: هل يمتلك معنى تعاطي الفلسفة في المقهى؟ أجاب: «ولم لا، ما دام إنّنا نفعل ذلك اليوم..».
أخبرني شريف بداية عن إحساسه العميق بفرصة الجزائر في نوبل وهو يتشرّف بحضور اللقاء عن بعد مع العالم بلقاسم حبّة، ولم ينس أن يفتتح الكلام بتداعيات حوارية تتخلّل الموقف المعرفي، قد تحوّلها بساطة العلماء إلى «نادرة» عابرة لصرامة اللحظة المنهجية، ومنها أنّ بلقاسم حبة خيّرهم في أن يكون الحديث إمّا بالإنكليزية أو بالعربية أو الفرنسية، فاضطلع أحد الأساتذة بحسم الإجابة قائلا: ثلاثون في المئة إنكليزية وما تبقى بالعامّية، فردّ بلقاسم حبّة بتواضع يفوق التصوّر: إذن أننا سواء، أي جميعا متواضعون في اكتساب اللغات، وهو المجاور لجامعة «السليكون فالي» وصاحب الألف وخمسمئة براءة اختراع.
وجّهت إليه إحدى الطالبات سؤالا بلغة إنكليزية راقية ومضبوطة إلى درجة أنها كانت تسرع في إلقاء السؤال، وبدا بلقاسم حبّة كما وصفه شريف متسارعا في متابعته لسؤالها كمن يريد أن لا تفوته شاردة ولا واردة مما تطرحه الطالبة، ولمّا انتهت كان أوّل جوابه: يا ليتني أمتلك قوّة إمساكك بزمام الإنكليزية، وذاك طبعا من تواضع العلماء. بدأ شريف الحديث متناغما مع ذاته لأنّ الموقف بالنّسبة إليه كان أكثر من معرفي، إنّه تاريخي يتعلّق بحلقة التأخر المكرّس في واقعنا كعرب وكمسلمين، فتوجّه إلى بلقاسم حبّة بسؤال يتعلق بعالِمين من العالم الثالث أحدهما باكستاني محمد عبد السلام، والآخر مصري أحمد زويل، وهل يمكن «استعادة المبادرة»؟ و«استعادة المبادرة» هو عنوان كتاب لمحمد عبد السلام يناقش فيه الأطروحات القائمة للخروج من المأزق الحضاري الراهن، لكن حسب شريف فإنّ جواب بلقاسم حبة كان متشائما، ورؤيته إنّه يلزم الكثير لكي نلحق بركب التطوّر المنطلق بسرعة خيالية.

تلك هي «فتنة» التّاريخ التي تمحق كل وعي ناهض بالدور الذي يمكن أن تلعبه الكتلة الإسلامية، وليس هذا حسب، بل تأتي على كل أمل يمكن أن يفتح أبوابا في الواقع، الواقع العلمي والمعرفي والإنجازي لدى الفواعل الذين مكّنتهم ظروفا ما كي يتبوّأوا المراكز البحثية على مستوى العالم، مثل بلقاسم حبّة وغيره، وهو ما كان ظاهرا في إجابته على سؤال شريف حول استعادة المبادرة.

يمكن قراءة جواب بلقاسم حبة من جهتين، أولاهما أنّه يريد أن يضخ في الجهود المبذولة الكثير من الحرص على الاستمرارية في العمل، وعدم الركون إلى الجمود لحظة واحدة، فالانتظار هو العدو القاتل لكل مبادرة، ومن ثمة فما هو قائم لا يكفي لكي نتأسّس في مستوى الأمم الفاعلة.
أما القراءة الثانية فيبدو أنّ جواب بلقاسم حبّة محبط، إذ كان قد بدا له أنّ الجهود حقيقة غير كافية، وإنّنا لا يمكن أن نصل، ولو حصلنا على نوبل وأسهم العقل العربي والعالم ثالثي في ترقية الوضع الحضاري العالمي، وهي رؤية منطقية في ظل ما هو كائن، لكنّها أيضا مستغربةٌ من عالِمٍ الواجب في أولوياته أن يضخ الأمل في الإرادات الفاعلة، التي مهما كان جهدها قليلا إلا أنّ ما هو قائم يمكن البناء عليه. ومن هذه الزّاوية دلف الحديث بنا إلى التّاريخ، وذلك الجرح الغائر في جسد الوعي الإسلامي وانهماكه في تناول قضايا تاريخية تفكك اللحمة والواقع الحضاريين أكثر مما تساهم في رتقه والسّير به نحو الفعل المنتج للأثر، وهنا كان شريف مهموما ومتأثرا بهذا المنحى في قراءة الواقع وانتفض قائلا: كفانا نبشاً في التّاريخ، لنعمل على الوصول إلى الحد الأدنى المتّفق عليه وتفعيله بما يمكّن الطاقات الإسلامية أن تركّز جهودها لأجل الانطلاق والتأسيس للتاريخ الذي يشهد «استعادة المبادرة» وخلق محور الاختلاف في التصورات والمفاهيم والمنجزات القائمة التي يمكن أن تساهم بها الإرادة الحضارية الثالثة، أي «الكتلة التاريخية» بتعبير غرامشي، التي لا تقف عند الطائفية المتشرّدة والمنهِكة للقوى الفاعلة على مستوى الأمة.

تلك هي «فتنة» التّاريخ التي تمحق كل وعي ناهض بالدور الذي يمكن أن تلعبه الكتلة الإسلامية، وليس هذا حسب، بل تأتي على كل أمل يمكن أن يفتح أبوابا في الواقع، الواقع العلمي والمعرفي والإنجازي لدى الفواعل الذين مكّنتهم ظروفا ما كي يتبوّأوا المراكز البحثية على مستوى العالم، مثل بلقاسم حبّة وغيره، وهو ما كان ظاهرا في إجابته على سؤال شريف حول استعادة المبادرة. أحاطت حكايتنا حول التخلّف تلك الصّور التي يتلبّسها البعض ممن يدّعون العلم والمعرفة ويتناسون ذلك الجانب الملهم والوجداني الذي يشكل أسطورة في حد ذاته، إنّه تواضع العارفين، فالادّعاء بالشّيء لا يسقط وجوب تمثل ذلك الشيء واقعا، ولهذا، فالحديث يرفع الإنسان بعد جلوسه، كما تقول العرب، أي بعد أن تختبره الإرادات المجلسية، من خلال الطروحات المؤكَّدة في الواقع، ومن خلال التّجربة، لكي يكون كلامه موزونا في وعي من يسمعه ويستطيع بسرعة أن يثبت المصداقية في ذلك من عدمها، لأنّ أوّل ما يخطف الانتباه في المجالس هو المظهر، ولهذا «لباسك يرفعك قبل جلوسك» كما يقول العرب، لأنّ العلاقة بين اللباس والانشداد إليه تكمن في التناسق الذي يبدو أوّلا معبّرا عن التناسق الشّخصاني، لكن بمجرّد الحديث يتم اختبار الصِّدقية في الطرح والتناسق مع الذّات.
زحمنا الوقت، وبدأت حركة المقهى تتجاوز حدود هدوء لحظة مجيئنا، فمازحني شريف مؤكّدا أنّه جاء على كل المكسّرات، ضحكت مؤكدا أيضا أنّني كنت مشاركا في حفلة التهام الجوز واللوز والفستق، ضحك، وكعادته توجّه إلى المحاسب، وخرجت أنتظره عند سيارته، لكن المسار كان يحتاج إلى خوض بعض المسافة راجلين كي تقع الخطى على مستوى الحركة الواقعية للذّات التي تمكّنها من حيازة الجدوى في الوجود والفعالية في الانتقال بين مظاهر الواقع المختلة والتي تحتاج إلى إعمال الوعي والعقل والفكر وكثير من الرّوح، فالخط البياني للحضارة عند مالك بن نبي يبدأ بالرّوح ويستقر صعودا عند العقل ثم ينحدر عند الغريزة.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية