د. شاي هار تسفي
عملية إطلاق النار التي نفذها مخربان اجتازا الحدود الأردنية إلى إسرائيل بزي عسكري للجيش الأردني أول أمس قرب البحر الميت، تعكس تعاظماً في التهديدات طرأ من الوسيط الأردني في السنة الأخيرة.
ينبغي أن تضاف إلى هذا العملية التي نفذها مواطن أردني في معبر اللنبي قبل نحو خمسة أسابيع قتل فيها ثلاثة إسرائيليين، ومحاولات من جانب إيران ومحافل الإرهاب استغلال الحدود الطويلة 308 كيلومترات والفالتة في قسم منها بين إسرائيل والأردن؛ لتهريب السلاح والوسائل القتالية إلى الضفة. منذ نشوب الحرب، بدا واضحاً أن إيران تبذل جهوداً عديدة في محاولات لضعضعة الاستقرار الداخلي في المملكة، بسبب الأهمية الجغرافية – الاستراتيجية واعتبارها الخاصرة الرخوة للمعسكر المؤيد لأمريكا في المنطقة. الفكرة الإيرانية التي تقول إن الأردن أدى دوراً فاعلاً في صد هجمة الصواريخ والمُسيرات في 13 نيسان، فاقمت التوتر بين الدولتين.
عملياً، منذ بداية عهد عبد الله كملك للأردن قبل نحو ربع قرن، برزت العلاقات المعادية بين الدولتين. وكما أسلفنا، حذر عبد الله قبل نحو عقدين، من الخطر الكامن في الجهود الإيرانية لتثبيت “الهلال الشيعي” في أرجاء الشرق الأوسط وتوزيع نفوذه بين دول المنطقة.
يبدو أن إيران تحاول استغلال الانقسام العرقي لسكان الأردن، وبخاصة أن نصف سكان المملكة الذين يعدون نحو 11 مليون نسمة هم من أصل فلسطيني ولاجئون هاجروا من العراق وسوريا في العقدين الأخيرين.
تعبير ذلك نراه في المظاهرات التي جرت في الأردن بعد تصفية يحيى السنوار، التي أطلقت فيها هتافات مؤيدة لحماس والثأر من إسرائيل. في الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأردني التي انعقدت قبل نحو شهر، فاز حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي للإخوان المسلمين بـ 31 مندوباً، يشكلون نحو خُمس المقاعد في المجلس النيابي.
حتى لو كانت قوة البرلمان محدودة للغاية وعملياته متعلقة بالملك، لكن الحديث يدور عن أحد الإنجازات الأهم للحزب منذ الأزل – إنجاز يمكن أن نعزيه في قسم منه على الأقل لتضامن أجزاء من السكان مع حماس.
يحاول الملك عبد الله منذ بداية الحرب المناورة بين الاضطرارات والضغوط الداخلية، ومصالح المملكة الاستراتيجية والأمنية. لهذا الغرض، يتخذ سياسة ثنائية؛ فمن جهة، يسمح لدوائر المعارضة بـ”التنفيس”، من خلال إعطاء إمكانية لعقد المظاهرات، وإبراز المساعدات الإنسانية التي ينقلها الأردن إلى سكان القطاع، وإعادة السفير الأردني في إسرائيل وإطلاق نقد لاذع تجاه إسرائيل من جانب كبار مسؤولي النظام، وعلى رأسهم الملكة رانيا ووزير الخارجية الصفدي. ومن جهة أخرى، يمتنع الملك عن خطوات حقيقية تمس بالعلاقات مع إسرائيل بشكل مباشر وجوهري.
يشكل الأردن في العقود الأخيرة وأساساً منذ التوقيع على اتفاق السلام، لبنة مركزية للمعمار الأمني الإقليمي لإسرائيل. في ضوء ذلك، يجب أن تركز السياسة الإسرائيلية تجاه المملكة على ثلاثة مداميك مركزية: حفظ اتفاق السلام، وتعميق التعاون الاستراتيجي متعدد الأبعاد، والمساعدة في ضمان استقرار المملكة الهاشمية.
لهذا الغرض، على إسرائيل العمل في عدة أبعاد بالتوازي:
البعد السياسي، بترميم منظومة العلاقات مع القيادة الأردنية، بخاصة في ضوء العلاقات العكرة بين رئيس الوزراء نتنياهو والملك عبد الله. وبالتوازي إبداء حساسية في التعاطي مع الملكة رانيا رغم أقوالها القاسية.
البعد الأمني، ينبغي تعزيز القوات وتحسين الحراسة متعددة الأبعاد في الحدود الشرقية، في ظل استثمار المقدرات المالية اللازمة.
البعد الاقتصادي – المدني، ينبغي أن تقدم إلى الأردن أقصى المساعدات الممكنة، خصوصاً في ضوء الضائقة الاقتصادية ونقص المياه؛ الذي قد يفاقم النقد تجاه النظام. عملياً، على إسرائيل الموافقة على الطلبات الأردنية بتمديد اتفاقات المياه لفترات طويلة.
وأخيراً البعد الديني، ينبغي الامتناع عن التصريحات التي تمس بمكانة الملك عبد الله الخاصة كحارس الأماكن المقدسة في القدس بشكل قد يضعضع شرعية الملك؛ وفي سيناريو أخطر قد يشعل حرباً دينية.
معاريف 20/10/2024