الملك زميل صحافي وابن كار… والحقائب الوزارية أهم من المدرسية في التلفزيون الأردني

أيها الملك، اسمح لي أن أخاطبك كزميل، وابن كار، بعيدا عن الاعتبارات التنافسية، أو الرتب العسكرية، أو المناصب السياسية، خاصة وأنت تقتحم عالم الكتابة «المقال الصحافي» في زمن التواصل الاجتماعي، مستغنيا عن الترسانات الإعلامية، والبهرجات الباذخة في المؤتمرات الصحافية، ومتحللا من الحوارات التلفزيونية الجامدة وبروتوكولات الخطابات الرسمية الباردة، متحيزا لقلمك وعقلك وقارئك، وموسعا قاعدتك الوطنية والإبداعية والجماهيرية، بما أنك ترجلت عن برج الملوك العاجي، لتنخرط بجنود الصحافة وشهداء الكلمة وحملة القلم وما يسطرون!
القلم تاج سماوي، لا يطيح برأسه انقلابيون أو عشائريون أو قتلة أو خونة أو منافسون على العرش أو متآمرون أو غزاة… القلم هو الملك أيها الملك… فمرحبا بك بيننا، وقد انتصرت على زمنك، لأنك أدركت ما قاله يوما أحد الحكماء: «القائد العظيم ليس هو الذي ينتج متابعين أو تابعين له، بل هو الذي يقود عظماء على قدر وعيه»، والكاتب العظيم ليس هو الذي يلتقط القراء عن ناصية الطريق كسائق الحافلة، بل هو الذي يقود قارئه إلى الزمن الآتي، ولذلك تحديدا، لا يكفي أن تكون ملكا لتعرف الحقيقة، بل كاتبا لتحل المشكلة، وليس العكس، فالكاتب وحده من يستطيع أن يتجاوز صلاحيات المسؤول!

المادة الخام للتكنولوجيا

لم تصل متأخرا أبدا، بل سبقت كل من أخّرتهم التكنولوجيا عن إدراك المادة الخام للوجود: الكلمة، و«شو بدي أحكيلك» أيها الملك، لقد اخترقت الإعلام باللغة، وبريق السلطة ببارق الوعي، وأبهة القصور وسدنة البلاط، والسيارات المصفحة، والحرس الملكي، وجهاز المخابرات وخفر السواحل والحدود وشارات العسكر وامتيازات الساسة، بقلمك، وهذا وحده يكفي لأن تتفوق على مهنتك كملك، بمَلَكَة الكتابة، وأن تكون لغة مثلنا، بما يتيح لنا أن نجس إحساسك بنا، بعيدا عن الوصاية الملكية والإعلامية، لأنك ككاتب تحظى بتماس مباشر مع الناس، بتفاعل لا يحتاج إلى وسيط، ولا استهلاك إعلامي للطاقة الوطنية بمستلزمات التدرب على الأداء واعتبارات الظهور اللائق ومراسيم الخطابات، التي تقيد الملوك وتخضعهم لشروطها، وتمطمط الفجوة العاطفية بينهم وبين المواطن، بينما الكاتب صاحب فكر حر، مش صاحب سلطة، ضميره هو حارسه الشخصي، وليس موظفه الأمني، لغته رسالته، ليست لغة معدة مسبقا أو طقسا مستعارا ولا هي مهمة تنكرية كالرئاسة، إنها شحنة كهربائية مزلزلة لا تغلفها رقائق بلاستيكية، حافظة، ولا أدوات أمنية عازلة، ولذلك تبدو الكتابة هي الرهان الحقيقي على كون عبد الله الثاني بن الحسين، مواطنا معظما، أعلى درجات مسؤوليته: كلمته وليست سلطته، محددا الفارق بين منطقة الأمان والأجهزة الأمنية، لأن الكاتب لا يحتاج إلى من يحميه من قلمه، أما المسؤول فيعزز طوقه الأمني ليحمي عرشه من فقدان إحساسه بالأمان، وإلا لماذا يموت كنيدي بسهولة مطلقة، وهو يحظى بأكثر أساليب الحماية تطورا على وجه الكرة الأرضية!
في زمن الصورة، تصبح المشاهد مجانية وتصاب العيون الحلزونية بالتخمة، وتختلط الصور بالكاميرات بالشاشات بالحدقات، وتضيع الكلمات، يصبح العالم أبكما، لا يستخدم من حواسه سوى عينيه، وهذه لا تكفي لكي يرى ما خفي من الحدث، الكلمة هي عينه الناظرة، وحاسته الماكرة، وقبضته القادرة.. والبطولة في هذا الزمن للمقالة، وليست لمواقع التواصل ولا التلفزيونات ولا حتى اليوتيوب، العالم يعود إلى أصله، إلى البذرة الأولى للسماء ومعجزة الأنبياء: الكلمة!

معن قطامين ينقذ الطبيعة!

الغطاس زاهر العجالين، تقاسم البطولة في عمليات الإنقاذ الإعلامية مع الملك، خاصة في حديثه مع التلفزيون الأردني، حين أعطي الهواء كاملا لرواية ما حدث، منذ كان يقود سيارته مصادفة قرب موقع الجريمة، وحتى وصوله إلى قائمة وزراء الموت، هنا فجأة تم بتر الهواء واختطاف الكلام منه، والاكتفاء بالترحم على الملائكة، مع أطيب الأمنيات لهم بمواطنة دائمة في الجنة، وحظا أوفر للبحر، الذي كان ميتا حين جن جنون الطبيعة!
العجالين، لم يكتف بمشاهدة الطوق الأمني حول بحر الموتى، لأن الطوق الذي يسيج الغرقى لا يحميهم من الغرق، بل يكفل لهم غرقا أمنيّا لا أكثر، أليس واجب الحماة هو انتشال الضحايا لا تطويقهم؟ وإلا أصبح الأمر أقرب إلى العزل والسجن، لا الخلاص أو الإنقاذ، وربما استطاع العجالين بشهامته وشجاعته أن يفضح جبن المهمة الأمنية التي تنحصر في قانونية الفرجة عن قرب على جريمة لم ترتكبها الطبيعة، إنما ارتكبها من أهملوا عقابها لمن يستهينون بها!
ضع ما ذكرته «واشنطن بوست» عن الاستعانة بفرق إنقاذ اسرائيلية، فلهذا مقالة أخرى، وكن مع فطنة العسكري حين يمارس مهامه الوطنية خارج ساعات الدوام، فلقد تساءل العجالين عن فرق التفتيش الأمنية في هكذا مناطق؟ وتساءل عن تقصير وزارة الاشغال، قبل أن يرتجف صوت المخرج في سماعة المذيعة التي سارعت لإطباق فم الضمير، مراعاة لمعالي الوزير، والسؤال هنا، هل تغدو الحقائب الوزارية أكثر أهمية من الحقائب المدرسية الشهيدة؟ ثم كيف يبرئ الرزاز الوزير متهما المدرسة بتسليم الوزارة تقريرا عن رحلة لمدينة الأزرق وليس البحر الميت؟
الدكتور معن القطامين، كشف على قناته على «اليوتيوب» أن محافظ الأرزق علق الدراسة في ذلك اليوم كاحتراز أمني من عوامل الطقس، فهل يكفي تقرير المدرسة المزيف لتبرئة وزارة التعليم من جريمة التزييف! هل التهمت الطبيعة طلاب المدارس، لأن التقرير كان مزيفا؟ أم لأن الشروط الأمنية مفقودة ليس فقط في الرحلات المدرسية، بل في الصفوف والساحات والباصات وحتى دورات المياه!! ولن أزيد!

معكم «مهيطل الحدق»!

التلفزيون الأردني نجح مجددا في فشل جديد، فهل ستحزن على أمن التلفزيون والشعب كله في خطر؟ أم ترفع له سلاما مربعا كلما حاول «غز رايته» في حفرة انهدام جديدة، لأنه لا يكفي أن يكون البطل ضيفا على التلفزيون ليصبح التلفزيون بطلا، فليس كل من «صف الصواني حلواني يا خفيف»، إنما على الإعلام أن يعرف دية الحدث، وإلا لن ينوبه من المشهد سوى خوض مغامرة انتحار جديدة!
وهذه لا تليق سوى بالعميان، مش بالأسماك التي تسكن أعماق البحور، يظن من يشاهدها أنها عمياء، ولا يعلم أنها تتمتع بمخزون هائل من الأصباغ البصرية، لذلك لا تثق بالزئير كثيرا، إنما بمصدره، فهو صوت الأسد وذكر النعام على السواء! مع العلم أن الإعلام العظيم ليس الذي يخلق أعذارا للمسؤول، بل هو الذي يحمله المسؤولية!
يذكرك التلفزيون الأردني بعد حادثة البحر الميت، بشخصية «مهيطل الحِدِق»، في برامج الإعلامي المصري توفيق عكاشة، وللمفارقة أنه أكثر إعلامي على وجه الأرض يمقت الغباء، إلى الدرجة الذي اخترع فيها شخصية أهطل، لكي يسخر منه، فبمن استعان يا ترى لكي يبرع في هذا الاختراع؟ هل بشاشته؟ أم بحكمة المجانين؟ أم بمن عرف قدر نفسه!
لم يعد الإعلام الأردني في حاجة لإعادة تأهيل، يكفيه فقط أن يطالب برأس مهيطل، الذي تذرع بتقبيل يد وزير الإعلام «صفوت الشريف»، لكي ينتقد وزير الداخلية؟ فهل تضع الحق على زمن مهيطل، أم على شاشته، أم على تقبيل الأيادي… ويلاه!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية