إذا تحدثنا عن المناخ الثقافي الراهن في مصر فإن الحديث ذو شجون كثيرة، فقد تراجعت مصر ثقافيا وفكريا وفنيا، وتراجعت معها قوتها الناعمة في العالم العربي، وهذا عائد لأسباب كثيرة: سياسية، اقتصادية، اجتماعية وفكرية. وهو موضوع يطول شرح أسبابه، وتتعدد المداخلات ووجهات النظر فيه، وكم من المؤتمرات والندوات والمقالات والأبحاث ناقشته، وللأسف نحن نسير من سيئ إلى أسوأ، ولكي نعرف أبعاد الصورة، فلننظر إلى درجة اهتمام المجتمع بالثقافة والفنون والآداب.
فعلى الرغم من زيادة أعداد المتعلمين، وخريجي الجامعات، فإن هناك حالة كبرى من الانحدار الثقافي والفكري على المستوى الذهني، وأيضا على مستوى الذائقة العامة والخاصة، ويتجلى الأمر بوضوح في الأغنيات الشعبية الركيكة، وتسطيح المعاني المقدمة في الأغنيات نفسها، وساد الساحة كتّاب الأغاني السهلة مكررة الفكرة، بسيطة الكلمات، مع الإمعان في المفردات السوقية، فلم يعد قاموس الأغاني مقاربا للفصحى على نحو ما نجد في أغاني الماضي الجميل، كما في فن أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم ومحمد فوزي وفريد الأطرش وغيرهم، وإنما صارت الأغاني أشبه بما يقال في الكباريهات وشارع محمد علي قديما، بل وصل الأمر إلى شيوع الإشارات الجنسية والمخدرات وغيرها، وبشكل مبتذل وفج. ولتسمع ما يذاع في سيارات الميكروباص، والتاكسي، وغيرها، ما يجعلنا نترحم على صوت عدوية، وفاطمة عيد، وغيرهم من المطربين الشعبيين مثل الريس متقال، بل نضع زكريا الحجاوي في القمة، ونجزم بالقول إن أغنية «السح ادح أمبو»، و»سلامتها أم حسن»، من الأغاني الجيدة، قياسا بهذا الهراء المسموع، بلحن يكاد يتكرر، وكلمات يتنافس مؤلفوها في الانحدار الأخلاقي، وأعرف زميلا شاعرا عاميا، ظل مقاطعا هذه الموجة المبتذلة، بعض الوقت، وسرعان ما انخرط فيها، لزوم أكل العيش كما قال.
وغابت عن الأفراح الأغاني الجميلة مثل أغنيات شريفة فاضل وليلى نظمي، وحضرت أغاني الميكروباص، وما عليك إلا أن تحضر أي عرس من الأعراس، وتسمع ما يبثه الـ»دي جي «، لترى كم الانحطاط الذي وصلنا إليه، فالموسيقى راقصة يتمايل سامعها إجبارا معها، بل إن كل من يحضر العرس، عليه الرقص مجاملة للعريس والعروسة اللذين يرقصان أيضا، ولا عزاء للكلمة ولا اللحن ولا الخلق.
والأمر انسحب أيضا على المسلسلات والأفلام، فشاعت ألفاظ السباب والقذف والتراكيب اللغوية البذيئة المأخوذة من قاموس العشوائيات، ولا عجب أن يتسيد الساحة محمد رمضان، بملامحه القريبة من الفتوات والبلطجية، ويبرع هو نفسه في مثل هذه الأدوار، ويتباهى بها، فالعبرة لديه شباك التذاكر الذي هو المقياس الوحيد. وذات مرة، قالت الفنانة سهير البابلي بأسى: أين جمهور زمان؟ وتقصد جمهور المسرح والسينما والحفلات، الذي كان عف اللسان، راقي المشاعر والسلوكيات، بدلا مما تراه من جمهور مبتذل، يأتي لتبادل النكات مع الممثلين على المسرح، ويريد مسرحا راقصا غنائيا، وليس مسرح الفكرة والفن الراقي.
فهناك تراجع في كل شيء: مسرح وسينما وغناء وتلحين، وهذا لا يعني التقليل ولا الحط من الفنانين والمبدعين الجادين، ولكنها نظرة مجملة على الساحة الثقافية، والتي تطرح أسئلة عن سبل الحل، ومواجهة هذا التردي في الذائقة.
إذا تحدثنا عن المناخ الثقافي الراهن في مصر فإن الحديث ذو شجون كثيرة، فقد تراجعت مصر ثقافيا وفكريا وفنيا، وتراجعت معها قوتها الناعمة في العالم العربي
وتجدر الإشارة إلى أن الجمهور المتذوق موجود ومنتشر على الساحة، ولكنه آثر الجلوس في البيوت، والسماع والمشاهدة والقراءة للإبداع الجاد، وما علينا إلا استقطاب هذه الشريحة، التي ستنشر التوعية بدورها بين الناس. وأرى أن الحل سيكون بسيطا بإعمال قاعدة «النار تنفي خبث الحديد»، بنشر الفن الراقي وتقديمه بشكل جذاب وبراق ومشوق، ودعم الفنانين الجادين، وفرز الإبداع الحقيقي من الزائف، ووقف كل أشكال الانحطاط، من خلال أدوات الرقابة، التي تتغافل عن مشاهد العري والإباحية وكلماتها، وتركز على ما يمس الأمن العام والسياسة من وجهة نظرها. فاتساع مساحة الفن الراقي، ودعمه، ونشره، واحتضان مبدعيه، سيؤدي إلى انحسار قسري للفن الهابط. وما زلنا نتذكر ظاهرة «سينما المقاولات ومسرحها» التي انتشرت في السبعينيات، وحتى منتصف الثمانينيات، ووجدت دعما ماليا كبيرا من شركات الفيديو في الخليج ومصر. لقد اختفت هذه السينما، بفعل موقف الفنانين أنفسهم، وظهور جيل جديد من المنتجين والمخرجين الجادين، ودعم الحكومة ممثلة في وزارتي الإعلام والثقافة لأفلام ومسرحيات. ومن هنا، فإن التباكي ليس حلا بأي شكل، وإنما لا بد من حالة من الوعي العام الذي تدين هذا الانحدار الثقافي والفني، ومن ثم تضع رؤى وخططا لمواجهته. ونصر هنا على دور وزارة الثقافة في هذا الدعم، فلديها المقرات والمسارح والسينمات، وما عليها إلا توفير ميزانية لإنتاج أعمال جادة، ودعم المبدعين.
وهذا في مختلف مجالات النشاط الأدبي والمسرحي والموسيقي والسينمائي، ومن المهم الإشارة إلى إمكانية توفير دعم من جهات ومؤسسات وشخصيات تعتني بالثقافة الجادة، والجمهور متعطش لهذا اللون بشدة، وسنجد كل العون منه.
أما قضية السياسة الثقافية فلها بعدان ورقي وواقعي. فالورقي يبدو في المدون في الأوراق والوثائق، وهو تنظيرات جادة يمكن مناقشتها والاختلاف حول بعض بنودها، وتفصيلاتها، والبعد الواقعي لا يختص بالأوراق، وإنما بما هو كائن على الأرض، بمعنى: أن هناك بونا شاسعا بين الكلام المعسول في استراتيجية وزارة الثقافة ومراكزها، وما هو كائن على الأرض، ويشعر به المبدعون، وينعكس على الجمهور المتلقي. فالأزمة ليست أبدا أزمة نصوص مكتوبة، وإنما أزمة تطبيق وواقع معيش، الذي يحــــتاج إلى علاج الترهل الإداري في أجهزة وزارة الثقافة ومراكزها وقصــورها، والتحرك بروح الفريق، وترك عقلية الموظف المهموم بتسديد الخانات، وملء المحررات الرسمية، وإرضاء الرؤساء، فلابـــد من عملية نفض وانتفاضة في النظام الإداري.
إلا أننا ننتهز الفرصة، ونسجل تحفظنا على بعض بنود السياسة الثقافية، وأبرزها: فكرة التنفيع الذي عبّر عنه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني بمفهوم الحظيرة، بأن استقطب جل المبدعين والمثقفين إلى حظوة وزارة الثقافة، ومناصبها، والذين سكتوا في المقابل عن توجيه أي انتقاد حقيقي للسياسات الثقافية المتبعة، ولما تقدمه المراكز الثقافية، فقد صاروا جزءا من المنظومة الإدارية، ويخشون في المقابل من فقدان المزايا العديدة لهم، وهم يرون تكالب بقية المبدعين على هذه المناصب.
٭ كاتب من مصر