في روايتها «المنسيون بين ماءين» تقدم البحرينية ليلى المطوّع إطارا بنائيا خاصا، وثيق الصلة بالفكرة أو الإطار المعرفي الذي تؤسس له الرواية، وتعمل إلى الوصول إلى حدوده، وتشكيل معالمه. فالسرد ليس أحاديا وليس تصاعديا، بل هو حكايات زمنية متوالية، لكن كلها حكايات تؤسس لفكرة تاريخ المكان وهويته التي يجب أن تتعاظم على الأديان، فالأديان في هذه الرواية – وإن كانت غائبة عنها بشكل مباشر- تعدل وفقا لهوية وأدبيات الجزيرة الأساسية والجزر المحيطة. فالسرد في هذه الرواية المشدود للبحر وينابيع الماء واليابسة يشكل طبقات وحكايا متتابعة، بينها مسافات زمنية، وكل طبقة من هذه الطبقات كاشفة عن طبيعة الحياة، وكأن كل طبقة منها ترصد حجم المتغيّر في ابتعاده أو اقترابه من الثابت التي تحاول الرواية وصل المتفسّخ الآني منه بالجذور، وتعيد ترميمه مرّة أخرى.
الرواية تشتغل على اختلاف الأطر بين الطبقات الماضية والآنية من خلال حكايات تقوم بسردها، ترصد من خلالها آلية التعامل مع المكان، البحر وينابيع الماء والنخيل. هذا الشكل البنائي القائم على فكرة الطبقات المشدودة للأسطورة والخرافة والمتخيل والمحددة زمنيا من خلال إشارات دالة يتمّ استيلادها من الأسماء، وربما من فكرة الأديان، يستلزم آليات بنائية، كاشفة عن التداخل المستمر بين الطبقات، فتصبح ساردة ومسرودا عنها في آن. فخطاب أو حكاية ناديا يتداخل ويتلاحم مع كل الطبقات السابقة عليها، وذلك من خلال خطاب هذه الطبقات وارتباطها بالمخطوطات القديمة والمذكرات أو الواقعات، فالواقعة تشكل طبقة، تكشف عنها، وفي المركز منها المتخيل الجمعي.
الرواية تقدم نقدا من خلال التباين بين الطبقات المرصودة قديما والطبقة الآنية لتوجيه النظر نحو الإساءة التي يقوم بها البشر ضد الطبيعة، من خلال البحر، والردم واستحداث الجزر الصناعية، فيتم القضاء على البحر بكل ما يتجاوب معه من كائنات كانت دافقة الحضور في فترات سابقة، وتشكل جزءا من المعرفة البشرية، وعلى ينابيع المياه العذبة.
يتوحّد السرد في هذه الرواية بالماء من البداية إلى النهاية، بداية من حكاية سليمة- امرأة من المقاليت أي التي لا يعيش له ذرية بعد أن قدمت ابنتها أضحية لينابيع الماء – وارتباطها بالأسطورة في رقصها على دم طرفة، حتى تنجب ولدها، ومرورا بحكاية (إيا ناصر) وحكاية يعقوب، وحكاية درويش، وحكاية مهنّا، وانتهاء بحكاية ناديا التي تجاور الحكايات السابقة، وتتداخل معها، لأنها في سردها المعاصر تتلقى الحكايات والمخطوطات، وتتأثر بها، حتى تتوحّد ذاكرتها في النهاية بذاكرة النخل أو ذاكرة نجوى، فتصبح على دراية بتاريخ المنسيين بين الماءين، ماء البحر، وماء الينابيع.
بنية السرد وتقابل السياقات
جاءت بنية الرواية متساوقة مع المنحى الفكري الخاص بها، فالبناء الروائي يتوزع إلى خطابات عديدة، يستدعي آليات سردية ترتبط بكل خطاب، والمؤطر الأساسي والموجه لكل هذه الخطابات (ناديا) المهمومة باللحظة الآنية وسياقها، ومن خلال خطابها وتوزيع الخطابات الأخرى التي تتحكم في مكان وجودها يتشكل الكون الروائي. أولى هذه الخطابات خطاب الواقعات التي كتبتها جدتها (نجوى) بالإضافة إلى حكاية سليمة التي جاءتها بالبريد. في خطاب الواقعات القديمة يأتي ضمير الغياب ضميرا ساردا، فمنها القديم، ومنها الموغل في القدم، ومنها المحايث للخطاب الآني، مثل حكاية (مهنّا) الذي تتمّ الإشارة إليه في سرد (ناديا) بوصفه جدّها.
هذا التوزّع بين التكلّم والغياب، التكلم في السرد الآني، والغياب في سرد الطبقات السابقة، تتمّ زحزحته في إطار الجزئيات الخاصة بناديا في نهاية الرواية، خاصة في فصول محددة تبدأ (هناك شيء يسردني) أو (شيء يسردني). ففي هذه الفصول تتخلى ناديا عن منصة السرد بضمير المتكلّم، لكي تقدم الرواية سردا قائما على الغياب. فالمغايرة هنا بين ضميري السرد لها دلالتها، في إسدال الشعور بالتحول بين فرد مكتف بذاته، إلى فرد خارج عن الأطر الطبيعية، فيصبح داخلا في إطار دائرة البحر وتموجاته العديدة التي لا تنتهي منذ بدء الخليقة وفاعلية الأساطير إلى اللحظة الآنية. فحين يسرد عنها من خلال ضمير الغياب فهذا يدلّ على فقدها لكينونتها العادية، والتحامها بكينونة جماعية في اتصالها الدائم بعوالم ممتدة، فقد أصبحت امتدادا لجدتها نجوى، ولكل المنسيين الذين عاينوا الماءين، وشربوا منهما.
وإذا كانت الرواية أعطت منصة السرد لناديا للكشف عن سياقها القلق في ظل سياق مهيمن بوجهه القبيح وماديته من خلال ردم البحر، وإحداث خلل بيولوجي، وغيّرته إلى غياب ارتباطا بنسقها الفكري، فإنها أعطت السلطة نفسها (ضمير المتكلم) للزوج للكشف عن توجهه الرأسمالي والنفعي، وللإشارة إلى الواقع الجديد الذي ظهرت بوادره في نهاية حكاية مهنّا، ذلك الواقع الذي زلزل الارتباط بالتاريخ القديم. فالزوج أيوب في فصل وحيد يأتي رمزا للنسق المهيمن ووجوده اللافت. فصوته- في نهاية الرواية- يمثل الوجه المعاصر للمادية التي أصابت العالم بشكل عام، ففي قوله: (ولكن ماذا يعني البحر؟ إنه في كل مكان؟ المعجزة أن نبني يابسة عليه، وأن نسكن البحر، نطوّعه ليكون تحت خدمتنا) نظرة بها الكثير من الاستعلاء، وتوهّم القدرة في السيطرة عليه، في مقابل كل القصص والحكايات التي تعطي للبحر تقديسا خاصا. واختيار الاسم لممثل هذا النسق ليس عاريا من الدلالة، فالزوج- ومجتمعه في منطق الرواية في ظل الانفصام عن الذاكرة الماضية- مريض، وعلاجه الماء.
في ظل جدل الخطابات السابق، هناك خطاب أخير، يمكن أن نطلق عليه خطاب الرثاء الذاتي للكائنات والأشياء المتجاوبة في وجودها مع البحر. فقد أعطى السرد الروائي من خلال ضمير المتكلّم مساحة للرثاء الذاتي للمقارنة بين سياقين، وجعل العين، والطائر (مالك الحزين)، والحالة – وهي شكل من أشكال التكوّن الطبيعي للجزر الصغيرة – والنورس، وثامارا (النخل) والماء، والبحر، شخصيات وأبطالا قادرين على السرد.
الحكايا أو الواقعات التي جاءت تحت عنوان لا يخلو من قصدية (أدبيات أهل الجزر)، تشير إلى إطار زمني يمتد من اللحظة المعاصرة الآنية في حكاية ناديا الساردة وصانعة الكون الروائي، والمسرود عنها في النهاية، إلى عام 400 ق م. وربما جاء تقديم حكاية سليمة على قصة إيا ناصر لتجذير الأحداث داخل إطار روائي محدد، فطرفة بن العبد الشاعر الجاهلي المعروف الذي يشار إليه في الرواية يحدد بهذا الحضور المكان.
وبوسع القارئ في ظل هذا التراتب الزمني للواقعات من خلال مطالعة الأسماء أن يؤطر لها بسيادة دين أو مذهب محدد لفترة زمانية معينة، فشخصيتا إسحاق ويعقوب إشارة واضحة الدلالة على هذا التوجه، وكذلك في حكاية تالية شخصية درويش، فالشخصيات من خلال ذلك الارتباط واضحة الدلالة على الزمن بكل تحولاته السياسية في كل فترة. فالرواية مهمومة بتمرير فكرة من خلال هذا التوالي تتعلق بكلمة (الأدبيات). فالأدبيات هنا هي الأعراف والأطر التي تحدد نسق أو طريقة التعامل مع البحر ذلك الوجود الملتحم بالمقدّس في كل الحكايات، فكل ما قدّم في الحكايات لا يتوجّه نحو أفراد، ولكن نحو ما يتمّ الوعي به واختزانه من حكايات هذه الأفراد وقصصهم، فهي تكشف عن نمط حياة مستمر يكفل له القداسة، بالرغم من تغييرات السياسة والأديان، من الأسطوري المحرّك للبشر إلى الأوامر والنواهي الدينية.
استعادة الهوية/ الذاكرة
لشخصية ناديا في النص الروائي وجود مهيمن، ولا ترتبط هيمنتها بوجودها الدائم بالحضور الصوتي السارد بشكل متواز مع كل الحكايات السابقة، ولكن ذلك يرتبط بالتوجيه السردي الخاص الذي أسس وجودها من البداية، فقد قدمت في إطار يفرق من فاعلية النسق المهيمن، من خلال المقارنة والانحياز بين الجزيرة الأم الطبيعية والجزر الصناعية، مشيرة إلى أثر ذلك على البحر، وعلى ينابيع الماء، ومن ثم كان هناك في بداية تشكيلها تفريق بين الحقيقي والزائف في أمور عديدة، لكي يتمّ تفعيل ذلك، ونقله من الأشياء البسيطة الذاتية، إلى أشياء تتعلق بالمجموع، وتنفتح على الروح أو الهوية الجمعية.
الرواية مهمومة في عرضها بنسقين مختلفين في التعامل مع الماء (البحر والينابيع) من خلال قصص وحكايات متوالية قديمة، ولحظة آنية مغايرة في التوجه، ولكن تأمل هذين النسقين بطريقة تقديمهما في إطار جدل وتباين مستمرين، ومن خلال تأمل بعض التوازيات الدالة في النص الروائي، يكشف أفقا من التأويل، بحيث يبدو الدكتور آدم – واسمه مقصود للإشارة إلى نقاء البدايات الممتد – حارس الهوية، والكاشف عن تبدلها. وتأخذ في ظل ذلك الفهم شخصية ناديا مساحات أوسع من التأويل بعيدا عن مدلولها البنائي، وعن كونها واحدة من اللواتي تمت التضحية بهن للبحر من خلال طقس بديل.
ظلت الشخصية الرئيسة ناديا حلقة من حلقات الهوية أو الروح السارية الممتدة، يتمّ التجهيز لها بالتدريج من خلال مساحات التوازي التي تتبدى في السرد الخاص بالواقعات، وفي سردها الذي يبدو شبيها بصورة الذات الإنسانية في البحر، لأن البحر أو الماء يمثل أداة الإدراك الأولى لصورة الذات، وتبيّن ملامحها، وكذلك تمثل الواقعات أو الحكايات السابقة مساحات اكتشاف صورة الشخصية الرئيسة.
ومع النخل أو طلع النخل يجد المتلقي نفسه محاصرا ببنى دلالية لمساحات الاتصال التي تمت بين ناديا المحدودة والأبدي وذاكرته، بوصف ذلك الاتصال محاولة لعقد المصالحة بين الماضي والاني، أو بشكل يرتبط بالمنحى التأويلي للوصول إلى هوية، لا تتنكّر لأسس ماضيها، ولبدايتها. فالوصول إلى رائحة طلع النخل والتوحد معه بداية للاتصال الأبدي الذي يفقد الشخصية ذاكراتها المحدودة، ويجعلها منفتحة على ذاكرة جماعية أبدية. فأشكال التواصل كانت جزئية متدرجة، تبدأ من استحضار الشخصيات السابقة بفعل القراءة الذي يفتح بوابات التذكر والحلم، مثل التواصل مع الجني (سنان)، حين يقول لها (اتبعي الماء) في الحلم للوصول إلى ابنتها.
وهنا يتأسس التناظر بين الذاكرة والنخل، الذاكرة الخالدة الممتدة، من خلال التشابه بين النخل وأصحاب الذاكرة المنسيين، يقول درياه لإيا ناصر (أتعلم لم النخلة خالدة، لأنها شربت الماءين، ماء عذبا وماء مالحا، ويصبح هذا المنحى فاعلا في التلقي، من خلال صوت النخلة، حين تقول: (ستأتيني امرأة مثلي بلا ذاكرة، ستُصعّد على قمتي بالكرّ، وفي دمي يجري طلع النخل، ما أحتاج إليه، حتى تفك اللعنة، لعنة أن تكون بلا ذاكرة). هذا التطابق أو التوحّد بين ذاكرة النخل الأبدية الممتدة، وذاكرة ناديا إشارة لسيادة الجوهري من عناصر الهوية، المتصالح مع الماضي والتاريخ، وكأنها بهذه العودة في استعادة الذاكرة، تقوم بعملية كشط لكل ما ران عليها من تراب وعفن يخفي ملامحها.
ليلى المطوّع: «المنسيون بين ماءين»
دار رشم للنشر، عرعر (السعودية) 2024
429 صفحة.