المنصات الإلكترونية تُغلق دور العرض السينمائية في القاهرة

كمال القاضي
حجم الخط
0

ربما كان التصور الأول لعرض الأفلام السينمائية الحديثة عبر المنصات الإلكترونية أنه حل مؤقت لأزمة السينما المصرية لحين انتهاء جائحة كورونا. لكن يبدو أن الحل المؤقت سوف يستمر طويلاً، فالمنصات الإلكترونية قد أصبحت منافساً قوياً لدور العرض في ظل حالة الإغلاق طويلة الأمد وعدم التشجيع على إعادة تشغيلها مُجدداً خوفاً من المُستجدات الوبائية ومضاعفة حالات الإصابة.
لقد أدى الركود السينمائي الذي تسببت فيه كورونا إلى خلق آفاق جديدة ومتطورة يمكن من خلالها عرض الأفلام المُنتجة حديثاً حتى تأخذ فرصتها في العرض الجماهيري ولا يُصاب المنتجون بخسارة مالية كبرى تعوق استمرارهم في الإنتاج. وقد حدث بالفعل أن تعددت المنصات وزاد عدد المُقبلين عليها فانتعشت الصناعة السينمائية مرة أخرى بعد أن أصبح الجمهور المُستهدف هو جمهور التقنيات الحديثة القادر على التعامل بشكل سريع ومنظم مع التكنولوجيا.
وإزاء هذه الظاهرة انطفأت أنوار دور السينما وهجرها الجمهور فلم يعد هناك من يحتمل الانتظار أمام شبابيك التذاكر لحجز تذكرة لمشاهدة فيلم قد تسمح الظروف بعرضه أو لا تسمح، لا سيما أن التحذيرات من جانب وزارة الصحة المصرية لا تزال مستمرة والخطر الناتج عن المخالطة قائم بحسب البيانات والاحتمالات.
الجديد في هذا الشأن هو اتساع النشاط الفني للمنصات وتضاعف المُتعاملين معها إلى الحد الذي دفع بشركات الإنتاج إلى توجيه منتجاتها الفنية والإبداعية مباشرة إليها قبل اختبارها في دور العرض السينمائية، رغبة في الاستفادة من عنصر الوقت والحرص على جذب الجمهور بمُصنف فني جديد ومُثير لم تنته صلاحيته بعد.
وعلى ذكر بند الإثارة كأحد عوامل الاستقطاب المهمة فإن البضاعة الرائجة حالياً هي أفلام الشعوذة والخرافة المليئة بالعناصر التأثيرية والقائمة على تقليد أفلام الرعب في أمريكا ودول الغرب المهتمة بحصد الملايين من الإيرادات باستحداث وسائل الفزع والخوف التقنيين وتوظيفهما توظيفاً فنياً فائق التأثير والإبهار، مع التركيز في ذلك على ما يُثير خيال المراهقين من الجنسين الشابات والشباب بعد أن أثبتت عينات المشاهدة إقبال الشابات بنسبة متساوية مع نسب الشباب في الشرائح العمرية المتراوحة ما بين 16 إلى 18 سنة بخلاف الشرائح العمرية الأصغر والأكبر المؤثرة أيضاً في تعدادها والدالة على رواج النوعيات الفنية المُثيرة والغامضة.
وقد أرجع بعض علماء النفس ذلك الإقبال الشديد على النوعيات الفنية الشاذة والمُخيفة إلى مساحات الفراغ الواسعة في يوميات المراهقين والمراهقات ومعاناة الإحباط وعدم التحقق، لذا بدأت عمليات البحث لديهم عن البطولات الوهمية والأبطال الخارقين كنوع من الهروب من العالم الواقعي إلى عالم الخيال، ذلك بحسب الدراسات الراصدة للحالة. غير أن هناك عوامل أخرى مساعدة تتمثل في شيوع النماذج الفنية التأثيرية في القنوات الفضائية الأجنبية ومُحاكاة بعض القنوات العربية لها استغلالاً لرغبات الهواة من ذوي الميول الفنية الخاصة.
وبالعودة إلى المنصات الإلكترونية وما يُعرض عليها من مضامين، نرى أنها باتت الوسائل المُعتمدة للمُشاهدة والمأخوذ بنتائجها ومُعدلاتها في حسابات المُنتجين والموزعين وأبطال الأفلام أيضاً، فكل هؤلاء يراهنون الآن على الجمهور التقني النوعي بدلاً من الجمهور التقليدي الذي انتهى عصره وكاد يختفي تماماً من خريطة البيانات الخاصة بُمعدلات المُتابعة والفرجة بدور العرض السينمائية.
والغريب أن ظاهرة أفلام الجن والعفاريت التي بدأت منذ أكثر من نصف قرن بفيلم «الفانوس السحري» لإسماعيل يسن وامتدت لفترة غير قصيرة، عادت في فترة الثمانينيات بعدد من الأفلام لنجوم كبار كعادل إمام ويسرا ومحمود يسن وأحمد زكي، حيث تم تقديم عينات تمثلت في الجن والإنس والتعويذة والبيضة والحجر وغيرها، ثم اختفت لسنوات لتظهر بوادرها مُجدداً في الألفية الثانية بفيلم «يا أنا يا خالتي» لمحمد هنيدي بشكل كوميدي ساخر استهدف الضحك فقط. ولأن الفيلم حقق إيرادات مرتفعة في حينه اعتبر المنتجون ذلك مؤشراً للنجاح المضمون لمثل هذا الأفلام. لكن شيئاً ما حدث فغير موازين اللعبة السينمائية فاتجهت الكتابة إلى الشكل الميتافيزيقي فكان فيلم «الفيل الأزرق» بجزئيه علامة على تطور الفكرة من المستوى الخرافي المحض إلى مستوى العلم والبحث عن حل لألغاز ما وراء الطبيعة. ولأن هذه التجربة حظيت باهتمام الجمهور والنقاد كونها مثلت نمطاً سينمائياً تجريبياً، جرت محاولات فاشلة لتكرارها في أفلام تجارية كان آخرها ما قدمته نيللي كريم في فيلم «حائط دم» ذلك الذي فشل فشلاً ذريعاً لسذاجته وضعفه الفني المُخجل.
أما ما يحدث حالياً من سباق محموم على المنصات فهو ترجمة مشوشة لرغبات الجمهور في هذا الإطار ومحاولة انتهازية من جانب تجار السينما الهابطة لفرض النوع الرديء ذاته من الأفلام التي تروج للخرافة والشعوذة والسحر لاستهواء جمهور تلك المنصات وإثارة خيالهم بغرائب الأشياء في صور درامية شاذة للأشباح والأرواح والأماكن المسكونة بالجن والعفاريت وقراءة الطالع والنازل والمُعلق بين السماء والأرض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية