إيهود باراك اتصل ذات يوم في بداية تشرين الأول 2000، بعد بضعة أيام على موت الشاب محمد الدرة في مفترق “نتسانيم”، وحينذاك كانت المعالجة الدعائية فاشلة، وكان الضرر كبيراً. في حينه كان رئيساً للحكومة وطلب مني القدوم للمساعدة في الدعاية.
أما أنا فجئت. وسبق لوزارة الخارجية أن نشرت بنية تحتية لمركز اتصالات في مركز القدس، وقمنا بتشغيله خلال يومين أو ثلاثة. كان ذلك مفترق طرق مهماً لوسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية ولكل الجهات الحكومية والدعائية في دولة إسرائيل. في 12 تشرين الأول عندما حدثت عملية الفتك بجنديين من الجيش الإسرائيلي في رام الله عرفنا كيفية الرد. وقد شاركت خلال بضعة أشهر في جلسات الكابنت في بداية الانتفاضة الثانية. ولاحظت في حينه ظاهرة مهمة: كل وزير يمثل مكتبه ومصالحه. ولكن عندما يصلون إلى الدعاية، جميعهم يفهمون وجميعهم يعرفون كيفية إعطاء النصائح.
في السابق امتلكنا مركز اتصالات في 1967 و1973؛ في حرب لبنان وحرب الخليج. في هذه الحرب، التي يتذكروها كثيراً مؤخراً، نجحنا في الربط بين جميع عناصر الدعاية العسكرية والمدنية في عمل موحد. استعنا بطاقم من المستشارين والخبراء في الحماية، وبالأساس كان هناك دعم كامل من قبل رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان، لفكرة أن لهذه الحرب متحدثاً واحداً وناطقاً مشتركاً، ولن يتحدث أي شخص آخر. الجمهور يتوق إلى الدمية؟ ربما، لكنه في الأساس يبحث عن مصدر موثوق ومهني ومستقيم وصادق وإنساني ومدرك.
الإسرائيليون الذين كانوا يجلسون في الغرف الآمنة في بيوتهم، وهم يشخصون إلى التلفاز والمذياع، كان من الواضح لهم ما يجب فعله وما لا يجب، وكانت التعليمات حاسمة والرسالة موحدة، ففي عهد الشائعات والأنباء الكاذبة –نعم كانت هناك أمور كهذه– لا يوجد ما هو أهم من ذلك. أجلنا النقاشات واحتفظنا بالخلافات لأوقات أخرى جاءت حقاً، لكن الإسرائيليين حينها واجهوها في ظروف مختلفة. لم يكن الأمر مقتصراً على “اشربوا الماء”، بل كان أكثر بكثير. هو نموذج للدعاية في وضع الطوارئ.
إن الإدراك بوجوب العمل معاً في وقت الأزمة وإصدار دعاية مدمجة، لم يكن أمراً جديداً. لقد وجدت تأييدها في لجان التحقيق التي تشكلت في أعقاب كل حرب، بالأساس حرب لبنان الثانية. وفي تقارير ممتازة نشرها الجنرال احتياط مندي أور من مكتب مراقب الدولة. وقد أعدوا “تقرير ميمون” الذي وضع الأساسات لمنظومة الإعلام الوطنية.
لقد بنى إيهود أولمرت ذلك وواصله بنيامين نتنياهو، ولكنه قزمه ليصبح مجرد هيئة إعلامية وطنية ضيقة تابعة لمكتب رئيس الوزراء ويخدمه أولاً وقبل كل شيء. ومنذ سنتين ليس له رئيس، وظل التعيين يتأجل، هكذا وصلنا إلى الأزمة الوطنية الحالية دون منظومة إعلامية وطنية.
نتنياهو يفهم في الإعلام، وكان إعلامياً ممتازاً في وظائفه بوزارة الخارجية. أما اليوم فهو رئيس وزراء، يوجه أعمال الحكومة ويفترض به أن ينسق أعمالها. وكان ينبغي له منذ زمن بعيد أن يقرر: إنك تعلم الإسرائيليين كيف يعطسون أو تغلق الاقتصاد وتشله وتعد لليوم التالي أيضاً. وكذا، عفواً، تستغل وقت التلفزيون الحر وغير المحدود الذي يعطى لك كي تحث على إقامة حكومة طوارئ وطنية. هذا لا ينجح.
إن هذا الخليط يتعارض مع كل القواعد الأساسية للإعلام. موشيه بار سمنطوف والبروفيسورة سيغال سيدتسكي هما خبيران في مجاليهما، وليس في الإعلام. في البداية نجح هذا، ولكن بعد بضعة أيام، حين تبينت حجوم المصيبة العالمية هذه، كان ينبغي سحب الإعلام من يديهما. كان ينبغي استخدام منظومة إعلامية خبيرة ومهنية وربط كل الوزارات الحكومية والجيش والشرطة والمخابرات والموساد بها، الذين أصبحوا أيضاً لاعبين إعلاميين على طريقتهم. كل من يصعد إلى البث يلقى الإرشاد، وكل إرشاد هو بروح السياسة ويتناسب معها. وليس هناك إعلاميون يتنافسون فيما بينهم في التخويف. نعم، وهذا ما نسوه، دوماً يوجد شعاع أمل، دوماً يوجد مستقبل، دوماً يوجد ما يمكن انتظاره.
الإعلام مهنة بكل معنى الكلمة. وفي هذا العصر بالذات الذي تساقطت فيه الحواجز بين الداخل والخارج، بين التخوم والحدود، وفوق كل شيء عصر تسحب فيه التكنولوجيات الجديدة الأرض من تحت مديري الإعلام وتلزمهم بوسائل كبرى ومتطورة… في هذا العصر يجب إعطاء العمل للمهنيين. هكذا في الحياة الطبيعية، فما بالك أيضاً في أوقات الطوارئ؟
ولكن الأمر لا يتم بهذه الطريقة في إسرائيل، وبدلاً من أن تسيطر عليه الأنا والسياسة تتفكك الوحدة ومعها الإعلام. وزراء لا يعيشون بسلام مع زملائهم سيسربون بلا حساب. وموظفون محبطون سيلقي الواحد منهم الحجارة على الآخر من على صفحات الجرائد وفي نشرات الأخبار. فما هذا الشقاق بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع، بين وزير الأمن الداخلي ووزير الصحة؟ ما هو روت شتاين ضد غاروتو وبالعكس؟ ما هذا.. وزارة الصحة مقابل المالية؟ هل هذه معارك ديوك أم ماذا؟
لقد تشوشتم أيها الرفاق، فمن يفكر هناك بتسعة ملايين إسرائيلي يجلسون الآن في بيوتهم، منغلقين على أنفسهم، وقلقين، وخائفين على أنفسهم وعلى أقربائهم؟ من ينبغي له أن يقول لهم الحقيقة، والحقيقة فقط؟ لا أرى هناك أي إعلام.
قريباً ستتشكل لجنة تحقيق، ودوماً ما تتشكل لجان تحقيق في النهاية. في التقرير الطويل الذي سيكتب، ولن يكون وقت لقراءته كله، سيكون هناك فصل طويل عن الإعلام والتعليمات التي للجمهور. في هذا الفصل سيكتب أنه لم يكن في ذاك الوقت منظومة إعلامية فاعلة، إذ إن كل جهة تقوم بالعمل الإعلامي بنفسها ولذاتها. وإن هيئة الإعلام الوطني التابعة لرئيس الوزراء، كانت مأهولة جزئياً ولم تقم بواجبها. وستوصي اللجنة بتشكيل هيئة كهذه وتزويدها بالصلاحيات و”الأسنان” كي تتمكن من أداء مهامها الحيوية.
إن الحرب الجديدة هي حرب على الوعي. وسيكون الجمهور، من خلال الشبكات الاجتماعية، شريكاً فاعلاً فيها.. لا توجد أسرار. والصراع على كسب ثقته صعب أكثر من أي نقطة زمنية في الماضي. ولهذا السبب بالذات، مطلوب بشكل فوري استعداد جديد للإعلام. وبدون ثقة الجمهور بالقيادة فلن يتعاون، ولن يدخل إلى بيته ولن ينعزل، بل سيتمرد.
نحن لا نزال في القسم الأول من المعركة، وبانتظارنا أيام صعبة. هذه المعركة على قلب الجمهور وعلى ثقة الجمهور ليست ضائعة. يجب أن تقام وفوراً منظومة إعلام وطنية. يجب دعوة كل اللاعبين إلى التزام النظام في هذه الساحة وإدخالها جميعها تحت سقف واحد. يجب أن يفرض عليها أن تلعب معاً. ليس لدينا وقت لانتظار التقرير التالي.
بقلم: نحمان شاي
هآرتس 14/4/2020