المنظومة الفضائية للإعلام المصري: اتجاهات ومراحل

كمال القاضي
حجم الخط
0

تتطلب عملية تقييم الأداء الإعلامي المصري خلال العقدين الماضيين، الكثير من الدقة والتأني، فلا يمكن التعرض لهذه القضية من دون الرجوع إلى الخريطة التي اشتملت خطوطها البيانية على التفاصيل الكاملة، كما لا يتسنى لأي من المعنيين بهذه المسألة أيضاً، الحديث عن فترات الزهو والإخفاق في هذا المجال بغير النظر إلى بداية المسيرة الفضائية التي قادها الوزير الراحل صفوت الشريف لمدة لا تقل عن عشرين عاماً ووضع خلالها حجر الأساس للترسانة الإعلامية ذات القنوات والنوافذ والمدارات.
والكتابة عن شخصية رجل سياسي وإعلامي في حجم صفوت الشريف مهمة جد صعبة، ذلك أن المسألة تستدعي الإحاطة بكل جوانب الشخصية، فالشريف مُتعدد الثقافات والوظائف وصاحب تجربة ثرية في مجال السياسة والإعلام والتعامل الجماهيري، ومن ثم فالدخول إلى عالمه يتطلب الكثير من التدقيق والإلمام، إذ لا يمكن الإشارة إلى ذكائه ومهاراته بعيداً عن مواهبه الأخرى، ولو أننا ركزنا على دوره المهم كوزير إعلام ومسيرته الطويلة في هذا المضمار نكون قد أغفلنا أشياءً ومزايا وخبرات اكتسبها الرجل أثناء رحلته الوظيفية قبل تصعيده للمنصب المهم وتوليه القيادة في واحدة من أهم الوزارات الفاعلة والضالعة في العمل السياسي والتعبوي والإرشادي والجماهيري، خاصة في تلك الفترة التي جلس فيها السياسي المخضرم على كرسي الوزارة وكشف عن مواهبه القيادية والإدارية.
بدأ مشوار رجل الدولة من تاريخ عمله بالوظيفة الرسمية المهمة، ولم ينته دوره ولم يتوقف سيره في الطريق الصعب عند حدود الوظيفة الأميرية، ولكنه أبدى كفاءة نادرة فاستحق أن يتدرج في المناصب والمقامات الرفيعة فحصل على فرص إضافية نظير تفوقه، فكان تولية مسؤولية رئاسة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات مكافأة له من الرئيس السادات الذي كان على دراية كاملة بدوره وخبراته وحُسن تعامله المهني والوظيفي، ولأن المسؤولية القيادية بالهيئة العامة للاستعلامات تحتاج إلى كادر إعلامي وسياسي بمواصفات خاصة فقد ظفر صفوت الشريف بالفرصة واعتلى أول درجة في سُلم الصعود إلى منصب وزير الإعلام عن جدارة واستحقاق.
وبالفعل لم يستمر التأهيل طويلاً، إذ سرعان ما جلس على كرسي الوزارة مُحصناً بخبرات الكادر المُدرب تدريباً عالي المستوى على المناورة والمحاورة وإدارة الدفة الإعلامية بما يحقق المصالح المرجوة، وقد أبلى بلاءً حسناً في السنوات الأولى للقيادة الإعلامية فصار عند حُسن الظن وبناءً عليه أصبح من المقربين للرئيس الأسبق حسني مبارك وهو ما ضاعف من ثقته في نفسه وأدى إلى زيادة صلاحياته كوزير وسياسي ورجل دولة يعرف الكثير داخل دائرة عملة وخارجها.
ولعل ذلك ما جعله يقترب اقتراباً مدروساً من رئيس الدولة ومركز صناعة القرار فيُعين بموجب ما يتمتع به من فطنه وذكاء أميناً عاماً للحزب الوطني لتزداد خبراته وتتسع دوائر اطلاعه.
وعلى أثر الثقة التي أولاها رئيس الجمهورية الراحل مبارك للوزير صفوت الشريف ازداد نشاطه الإعلامي فعمل على تشييد منظومة إعلامية ضخمة اشتملت على أقمار صناعية أطلقتها شركة «نايل سات» بالشراكة مع شركة «ماركوني» الفرنسية، حيث وفرت الأقمارعددا مأهولا من القنوات في فترة وجيزة للغاية، الأمر الذي دعا إلى استثمار تلك الثروة من القنوات التلفزيونية وتأجيرها لمن يرغب، وبرغم المكاسب الإعلامية لهذا الانفتاح الفضائي الكبير إلا أن الأمر لم يسلم من بعض الخسائر، فقد تسببت كثرة الفضائيات في حالة من الفوضى، لكن ذلك لم يؤخذ في الاعتبار وتم التقييم العام على قاعدة الانتشار والتواجد المصري في قلب العالم بالخطاب الإعلامي الموجه إلى خارج المدارات الإقليمية ووصف الانفتاح الإعلامي بأنه ثورة فضائية غير مسبوقة وأضيف إنجازها بالطبع إلى إنجازات وزير الإعلام السابقة ومُنح صفوت الشريف لقب رائد الثورة الفضائية.
وبغض النظر عن صحة ما تم ترويجه في السنوات الماضية من عدمه فإن المؤكد أن لكل مشروع عيوبه ومساوئه، وربما أدى الخلاف حول المنظومة الإعلامية المصرية الضخمة إلى إثارة القلاقل في وقت ما وطرح الكثير من الأسئلة عن الأموال التي أنفقت عليها جراء إقناع الرأي العام بأهميتها وضرورتها، لكن ذهبت الاعتراضات والاحتجاجات أدراج الرياح وبقيت الصروح الإعلامية كما هي بفعل الحماية التي فرضها الوزير على مشاريعه الكبرى بنفوذه ودهائه السياسي المعهود.
وللحق والأمانة التاريخية، لقد شهدت قطاعات الإنتاج بالإعلام المصري أزهى مراحلها في فترة تولي صفوت الشريف منصب وزير الإعلام، فقطاع الإنتاج بالتلفزيون وشركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات ومدينة الإنتاج الإعلامي مولوا الكثير من المشروعات الإنتاجية الضخمة وأبدعوا عدداً كبيراً من الأفلام التلفزيونية والمُسلسلات الدرامية بتخطيط من كوادر وشخصيات مهمة كممدوح الليثي ويحي العلمي وآخرين من القيادات الوسيطة التي كانت معنية بالإشراف والتنفيذ. ولكن مع كامل التسليم بهذه الحقيقة إلا أن الواقع الفعلي للميزانيات كان مُزرياً وعلى قدر من الخطورة والتهديد، حيث تضخمت الديون وفاقت الحدود المتوقعة وأنذرت بتوقف العملية الإنتاجية تماماً لولا محاولات التدارك التي تمت من جانب الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي النهاية لم يكن هناك بُد من استقالة الشريف أو إقالته من منصبة كوزير للإعلام وتعيين أنس الفقي بدلاً منه ليتحول مساره إلى مجلس الشورى فيتولى رئاسته ليُنهي مسيرته بالعمل السياسي كما بدأها، وذلك قبل أحداث 25 كانون الأول/يناير التي أطاحت بالقاعدة التحتية للنظام القديم كله وغيرت الوجوه والشخصيات وأعادت ترتيب الأوراق لتبدأ مرحلة أخرى من التوظيف الإعلامي في ظل متغيرات شاملة.
وقد فرضت التحديات الإعلامية العالمية على القنوات والنوافذ الفضائية المصرية سُبلا جديدة للأداء فلم يعد هناك تحجيم للدور الإعلامي، كما لم تعد آلية التعتيم التي كانت مُتبعة لائقة بالعملية التنافسية التي تشارك فيها كافة الفضائيات العربية، فقد أصبح إخفاء المعلومة أمراً مستحيلاً، ومن ثم تعين على القنوات المصرية كافة إتباع سياسة الكشف والتحلي بالديمقراطية كشرط للاستمرار والنجاح، وهي المُعطيات التي كانت غائبة ومُفتقده خلال السنوات الماضية بفعل الخوف والكبت وسيطرة القيادات الكبرى في ماسبيرو على مختلف النواصي المعرفية والمعلوماتية وعدم السماح بإذاعة أية أخبار إلا بعد تنقيحها وإعادة صياغتها بما يلاءم سياسة الإحكام والسيطرة، وهي الأدران التي تخلصت منها المنظومة الإعلامية بحكم فرضيات الواقع الفضائي والانفتاح المُطلق على العالم من جميع الاتجاهات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية