بيروت ـ «القدس العربي»: فاجأت الفنانة يمان الحاج الجميع بأغنية درامية كتبتها باللغة الإنكليزية ولحنتها ووزعتها، وأدتها بإحساس مرهف، وصدق بالغ. في إطلالتها هذه على جمهور واسع حيث تواجدت الأغنية مصوّرة على يوتيوب، لاقت ترحيباً كبيراً. وأضفى حضور والدتها الفنانة فاديا طنب على أغنية «المهاجر» والفيديو كليب حالة تكاملية، من حيث أثر الهجرة على العائلة مجتمعة وخاصة الأم.
Song The Immigran’t هو عنوان الأغنية بدت خلالها يمان الحاج جزءاً متحداً مع كلماتها ولحنها، ومكّنها أداؤها من اختراق المشاعر. وأتت فكرة مشاركة فاديا طنب في الفيديو كليب لتضفي على العمل ككل صدقاً إنسانياً، وبعداً فنياً نوعياً خاصة عندما غنّت بالعربية.
يمان الحاج فنانة تعرف طريقها جيداً. ترسم بهدوء، بعد أن تشبّعت دراسة وثقافة. هدفها النجاح وإحداث بصمة. هدفها الانتشار إلى خارج حدود الوطن العربي، لكنها ليست على عجلة من أمرها، تعطي عملها ما يستحقه من وقت، ولن تحرق المراحل.
مع يمان الحاج هذا الحوار:
○ لماذا الهجرة كأغنية أولى لك؟
• ليست أغنيتي الأولى، سبقتها أغنية «90’s Kids» الحماسية، ويعود موضوعها لمرحلة المراهقة خلال تسعينيات القرن الماضي. إنها سيرة الوقت الخصب والمزدحم بما هو مسلٍ ومفيد. بشأن تراتبية الأغنيات أهتم أولاً بالموضوع الذي يمسني من الداخل. أديت أغنية الهجرة لكون الموضوع يرافقني منذ الطفولة. أنتمي لعائلة أخذت الهجرة أكثرها، وقلّة بقيت في الوطن. أجدادي لوالديّ معاً كانت لهم هجراتهم. وعاش والديّ في ألمانيا لعشر سنوات متواصلة. وأختي الكبرى التي تسبقني ب12 سنة سافرت إلى فرنسا لدراسة الماستير ولم تعد. تفتحت مشاعري باكراً على ألم الهجرة. أعترف الآن بأني اعتدتها، وتراجعت جروحي حيالها. المؤلم أن الهجرة مستمرّة، ومفروضة قسراًعلى الشباب والعائلات، وليست خياراً. شخصياً لم أكن أتوقع استمرار حياتي في لبنان كوني أغني بالإنكليزية. وكثر مثلي تركوا مرغمين سنة 2021.
○ لماذا مرغمة؟
• سنة 2019 كنت أتابع دراستي الجامعية، وشاركت ببرنامج «ذا فويس». وفي بداية 2020 حلّ كوفيد وحوصرنا في المنازل. حينها كنت أتابع إنجاز الإجازة الجامعية والماستر معاً. أتممت دراستي، وما أن فتحت البلدان بعد الوباء تركت إلى دبي، فقد أدركت أن مستقبل الغناء الذي أرغبه ليس متاحاً في لبنان.
○ ماذا عن دراستك الجامعية؟
• بدأت دراسة العلوم الطبيعية بهدف التخصص بالطب. نلت الإجازة الجامعية وقررت أن الموسيقى هي وجهتي، فرحت إلى المعهد العالي للموسيقى. حيازة الإجازة في العلوم الطبيعية خوّلتني دراسة الماستر بـ«الطعام الآمن». ولأن الكوفيد كانت تحكم العالم تمتعت بالوقت المطلوب وأنجزت الماستر وكذلك العلوم الموسيقية في خلال ثلاث سنوات.
○ ولماذا اخترت دبي مكاناً للهجرة؟
• كنت أحتاج مكاناً أسافر إليه في أسرع وقت ممكن، وكانت دبي المكان المتاح لي كلبنانية، بخلاف الصعوبات التي تكتنف السفر إلى أوروبا. دبي الأقرب إلى لبنان، وفيها نتكلّم العربية. كما أن الإنتاج الفني فيها نشيط. وهنا وجدت أني قادرة على الانطلاق بسرعة أكبر.
○ تتضمّن أغنية الهجرة تركيزاً على فراق الأم. هل هذا ما آلمك في السفر؟
• في الأغنية ترنيمة المساء التي تؤديها الأمهات لأطفالهنّ. ويهدف هذا المقطع للقول إن الهجرة أمر نتوارثه عبر الأجيال. فنحن نعيش في منطقة من هذا العالم تفرض على أهلها فعل الهجرة المتوارث عبر الأجيال. إذاً الواقع أوحى بكتابة الترنيمة، التي تؤديها الأمهات لأطفال هم مشاريع مهاجرين للمستقبل. صيغة النص تقول بأن جدتي غنتها لوالدتي، ومن ثمّ غنّتها والدتي لي عندما قررت الهجرة. مع العلم أن والدتي شاركتني بحكاياتها ومشاعرها حيال الهجرة التي عاشتها وتعيشها في عائلتها، وعائلة والدي. ورغم ألم الهجرة أجد والدتي متماسكة وقوية، وتشكل داعماً دائماً لي. لهذا كان الحوار بين الأم وابنتها في هذه الأغنية.
○ كم شعرت بدفء وحنان فاديا طنب خلال مشاركتها لك؟
• كثيراً جداً. في الحقيقة سجلنا الأغنية في البداية على سبيل التجريب وسمعها كثيرون، وكانت الملاحظة بحاجتها للمسة شرقية، كون الموضوع يحكي عن بلادنا، ويتناول هجرات ناسها. جربت المزج بين الموسيقى الشرقية والعربية، وبالنهاية كتبت باللغة العربية.
○ وهل كتبت باللغة العربية بمساعدة والدك؟
• والدي من كتبها. أسلوبه شاعري جداً. والدتي وأنا كنا إلى جانبه في جلسة تشاور.
○ لماذا الإنكليزية لغة صوتك الغنائي؟
• رغب والديّ بأن نسمع الموسيقى وندرسها، إنما دون فرض. وجدت نفسي أتجه نحو الموسيقى الغربية. جذبتني منذ الصغر بأصوات المغنيات والمغنيين الكبار، إلى جانب الجاز. سألني الأهل أن أجرّب الغناء بالعربية. لكني أجد نفسي حقيقية في غناء الإنكليزية. لغة أفكّر فيها حين أكتب. ولو قررت الغناء بالعربية سيكون بمستوى ركيك.
○ وهل الأبواب مغلقة تماماً أمام غناءك للعربية؟
• لا شيء نهائيا. عندما أشعر أن الوقت حان لغناء العربية سأفعل. لكن تجاربي حتى الآن بالعربية كتابة وغناء لم تكن موفقة. أحتاج مجدداً لدراسة الغناء بالعربية.
○ الدروس التي تلقيتها على يد فاديا طنب وفي المعهد العالي للموسيقى ألم تتضمن تقنيات الغناء الشرقي؟
• درست في المعهد الموسيقي الكمان الكلاسيك الغربي وكذلك الأمر بالنسبة للصوت. وبالتأكيد المقرر الشرقي لتدريب الصوت موجود، وهو لم يستهوني مطلقاً. بدوري أطرح السؤال على نفسي لماذا الغربي وأنا نشأت في لبنان؟ لن أثبت حضوري في الشرقي كما المغنين الذين تشربوا الطرب الشرقي منذ طفولتهم.
○ يُعبّر المغنون بالإنكليزية عن حالات إنسانية وسياسية ونحن نحتاج أن تصل قصتنا بهذه اللغة لكل العالم. هل ستفعلين؟
• أجد غنائي بالإنكليزية أمراً إيجابياً جداً. وليس خطأً أن أمثل بصوتي قضايا المنطقة التي أعيش فيها وأنتمي إليها. صحيح أني أغني الإنكليزية وأنا ما أزال ضمن بيئتي، لكني أبني للمستقبل، وللوصول إلى كل مكان تنتشر فيه هذه اللغة.
○ ما رأيك بملايين المهاجرين والمهجّرين واللاجئين رغماً عنهم في هذا العالم؟
• لهذا في أغنيتي لم أحدد أرضاً ولا شعباً. لأني أدرك أن سماع الأغنية لن يكون محدداً بشعب بحد ذاته، فهي أغنية تمثّل شعوب العالم النامي، ومن كافة القارات. منذ البداية رغبت بأن يأتي التعبير من خلال هذه الأغنية عن جميع الشعوب المهاجرة. إنما كان ضرورياً أن أترك خصوصية للبلدان العربية، فكان صوت والدتي معبّراً بالعربية.
○ وماذا عن خصوصية الإنسان الذي اجبر على الهجرة؟
• بالتأكيد هي موجودة في الأغنية. حيث أعيش في دبي لا شك بأننا نلمس فرقاً بين لبناني، وسوري، ومصري، وفلسطيني وآخر من بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة قصد دبي لتجربة حياة جديدة مهنياً ومناخياً.
○ وتحصيل مال وفير؟
• بالطبع. ولا ننسى حضور الشمس الدائم. واكتشاف تجربة جديدة. إذاً الانتقال إلى دبي بالنسبة لهؤلاء ليس أمراً اضطرارياً كما حاله عندنا.
○ وصدرت الأغنية في لحظات مارس فيها الصهاينة ضغطاً بالنار لتهجير ما تبقى من سكّان غزّة؟
• وهذا ما صار بالتزامن دون أي قصد مني. موعد صدور الأغنية والفيديو كليب كان مقرراً قبل الحرب على غزّة. رغبت أن تصدر في عيد الإستقلال في 22 تشرين الثاني/نوفمبر. وهكذا كان.
○ «نحنا طيور من السما والخير بعيد يلا نهاجر بالمدى نضوي من جديد» جملة إيجابية تشبه فاديا طنب؟
• كُتبت الكلمات لصوتها وشخصيتها. نعم هي إنسان إيجابي وصامد. تتعامل مع الأمور بكثير من الروية والهدوء. كل معضلة لها حل بالنسبة لها، ودائماً هي بانتظار الأفضل وتتأمل به. لم تنظر والدتي إلى الحياة مطلقاً من منظار المهزوم، وهي سمة تلقي فيها مع والدي أيضاً.
○ ماذا عن أحلام يمان الحاج الفنانة؟
• أي مغني يحلم بأن تُسمع موسيقاه على أوسع نطاق ممكن. وكذلك أن يتمكن من الغناء في كافة أرجاء العالم وأمام الجمهور. أنا في دبي أشتغل على أغنيات معروفة وأعيد غناءها للجمهور. حُلمي أن يكون لي ريبرتواري الخاص، أغنيه بمرافقة محبي صوتي وأغنياتي.
○ يمكن القول إنك تفرغت نهائياً للغناء وتعيشين منه؟
• صحيح.
○ هل ستكون يمان الحاج يوماً في السينما؟
• بالتأكيد أتمنى. انشغالات الدراسة المتنوعة لم تسعفني لتلقي دروس بالتمثيل. النية موجودة، وحضوري في فيديو كليب أغنيتين شكلا نوعاً من التمرين. أحيي المخرج أيلي فهد الذي أثنى على حضوري الطبيعي خلف الكاميرا. احتاج لامتلاك التقنية، ولن أتوانى عن ذلك في التوقيت المناسب.
○ اختار لك أيلي فهد حقيبة ومشواراً عبر البراري يشبه الهاربين من مجاعة سفر برلك؟
• وهذا ما أردناه فعلاً. العودة إلى بدايات الهجرة والتي قام بها أهل القرى هرباً من الجوع، يقصدون بيروت لركوب البواخر نحو العالم.
○ كنت في مشهد تسبحين في بركة لونها داكن. هو عدم قبول الهجرة؟
• صحيح وفي الأغنية جملة أقول فيها «لا أريد الرحيل ماما اتركيني قربك». وهكذا تمسكني والدتي وتغني لي. ليست الهجرة سلبيات بالكامل ولا إيجابيات بالكامل، فيها من هذا وذاك. تشكل من جهة بحراً من الاكتشاف والاكتساب على كافة الصعد. والأهم يكمن في فرص العمل التي تتاح للمرء. بالنسبة لي سلبيات الهجرة تكمن في لحظة تنفيذها، فأنا لم أكن بكامل الجهوزية كي أرحل. كثر أمثالي مسلوخين عن أوطانهم.
○ برنامج ذا فويس ماذا قال لك سنة 2019؟
• أعتبره تجربة جميلة جداً في حياتي. أصابني بالإرهاق، كنت ملتزمة بمتابعة دراستي، والبرنامج معاً، كنت المشتركة الوحيدة غير المتفرغة للبرنامج. قسوت على نفسي جداً، ولم أكن أحصل على أكثر من ساعتي نوم. ذا فويس أكبر مسرح في الدول العربية كافة، إضافة إلى شركة الإنتاج المهمة. الاحتراف كبير في هذا البرنامج ومفيد للمشترك. جاء كوفيد ومنع المشتركين من الإنطلاق المباشر بعد البرنامج، للأسف.