المهمّة الطارئة لكسّيب الديناري

حجم الخط
0

فجأة رنّ هاتف كسّيب الديناري فقرأ على شاشته اسماً جعله يسارع الى الوقوف وترتيب ياقته كمن سيدخل عليه ضيف خطير.
– أهلا أهلا صاحب السعادة.
– أينك؟
– في بيتي، والله فكرت بك لمّا رأيت ما يحدث في الشوارع..
– ماذا تقصد؟!..
– لا لا.. مش هيك.. قصدي.. أقصد أنك بالتأكيد تشعر باشمئزاز مثلي على تمرد هؤلاء الجياع لدى جيراننا.
– كفى! تعال.
– حاضر حاضر سأخرج فوراً.
الشتيمة التي أطلقها كسّيب الديناري قبل لحظة الارتباك أعلاه، كادت تفوق حجم رصيده في البنك، علماً بأنه رصيد غير رشيق بالمرة. فقد رأى الحشود تهتف بحاجات الفقراء التافهة وهي تشلّ حركة الشوارع: خبز، حرية وعدالة اجتماعية.
لم يسرِ في ضلوعه سوى الهلع مما يمكن أن يحدث لو اعتلى هؤلاء الرعاع الحكم. وكمن يخفي عورةً، كتم بغيظ داخليّ مُحرج صورةً خاطفة برَقت في مخّه وتفشّت، لماري أنطوانيت.. تتابعت الصور والهتافات فلَوى أنفه وشلاطيفه وانزاح خدّاه المربربَان للخلف، ليتشكّل بورتريه دقيقا لمثقفٍ مرتاح مطمئنّ الوعي وقد أصابته على حين غرّة نوبة حادة من الاشمئزاز.. سوفاج!
كسّيب الديناري لم يشتم بالعربية طبعاً، بل شتم من الشّمال لليمين بأحرف انجليزية كابيتال. وهو ما يتلاءم مع رصيده العلمي الذي راكمه من عدة معاهد بعضها أجنبي، ومع رصيده الفكري الذي راكمه كمقاتل عنيد في وغى مؤتمرات الفنادق دفاعاً عن الليبرالية.
يعرف كسّيب الديناري صاحب السعادة منذ سنوات. لكن هذه كانت أول مرة يراه بهكذا مزاج. فحتى حين تلقى أكبر خسائره في انهيار البورصة لم يصل صاحب السعادة هذا الدّرَك، مع أن كسّيب خاف يومها أن يصفّي على الحديدة. لكنه ويا للمفارقة سرعان ما اكتشف أن حاله تحسّنت، إذ ألقى صاحب السعادة عليه مهمة إجراء عملية تجميل جراحية دعائية لشركاته مستفيداً من قدراته الثقافية والتحليلية بل والشعرية أيضاً، إذ أنه أصدر ديوانين حتى الآن، أحدهما بعنوان لافت هو ‘ثورة حرير في جمهورية الموز.’
‘أهؤلاء هم الذين دعمناهم؟ أبناء العاهرة’، تمتم صاحب السعادة محدّثاً نفسه وكأن كسّيب الديناري خيال ظل شفاف أمامه. ثم توجّه اليه بلهجة شبه لينينية ‘ما العمل؟’.. كسّيب حرك اللعاب في فمه كمن يشحّم آلة ستبدأ دواليبها بالدوران بعد قليل. ‘أعتقد أن هذا يهدد الأمن القومي، يجب التركيز على هذا. الأمن القومي. الأمن القومي نعم. أحب الأمن القومي. ولا يناقض هذا الأمر طروحاتنا الديمقراطية ولكن للديمقراطية أصول واضحة تحكمها مبادئ ومرجعيّات راسخة، ومن غير المعقول أن يتلوّث هذا الموروث الفكري بحشدٌ من الجياع غير الواعين أصلا لعمق تراكميّة المفهوم الديمقراطي’.
رويدا رويدا، كان صاحب السعادة كلما انسكب حرف جرّ من أشداق كسّيب الديناري، يمتلئ بالطمأنينة فيرتخي عائداً الى لزوجته الرخوة المعهودة، حتى أنه وصل مرحلة ما-قبل-الابتسام حين صعّد كسّيب الديناري دواليب حنجرته قائلا: ‘وهذا العداء للحكومة المنتخبة فقط لأنها تعتلي الدين سلّماً شرعيا لادارة الدولة، هل تعرفون ماذا يشبه؟ هل تعرفون؟ إنه جزء من العداء لأصالتنا وموروثنا وليس اختلافا مع طروحات الحكومة وأدائها. لا، هذا العداء استعلائي استعماري استشراقي استحواذي.. ثم أن ماركس تحدث باحتقار عن شعوب الشرق. نعم، قرأته بل درسْته!’. هنا بالضبط اتسعت مساحة ابتسامة صاحب السمو حتى كادت تتجاوز أذنيه فكاد يبتسم من قفاه أيضاً. ولما رأى كسّيب ما دبّ من حيوية وحياة في محيّا صاحب السعادة، رفع من وتيرة خطبته معلناً: ‘ان النظام القديم استغل الموقف، وبما أنه أصبح قضية ثانوية، بات التحالف معه ‘شرعيا’ في خدمة ما صار يعتبر القضية الرئيسية. ولكنه في الواقع ليس ثانويا، فأتباعه قوة في الوزارات وجهاز الدولة، وهو قوة تحشيد في الشارع. ويجب أن لا تغيب فكرة الشراكة في المسؤولية عن المرحلة الانتقالية. المسألة خطيرة ومتعلقة بمصير التجربة الديمقراطية.. لا يمكن لنخب سياسية حقيقية أن تقبل بالسير خلف غوغاء الشارع الذين يأخذون البلد نحو المجهول’.
‘زه.. زه’ صرخ صاحب السعادة ككسرى أنو شروان، فانتقلتْ عدوى البسمة العريضة من محيّاه الى وجه كسّيب المكتنز حتى كاد قفاه هو الآخر يبتسم، فيما راح دماغه التحليلي يتخيّل حدّة أسهم ارتفاع منسوب رصيده، المالي والمعنوي طبعاً، بفعل هذا الرضى الثمين من صاحب السعادة الغالي.
هنا، صار وجه صاحب السمو أرقّ وأرْوَق من نسيم عليل في صحراء صفراء أُغدِقَ عليها بكنز من الذهب الأسود. فقد عادت الى نفسه الثقة حتى كادت تفيض وتسيل من منخريه. ‘يجب أن تكتب هذا بسرعة، يجب اصدار تعليمات باعتماد هذه الخطة الاعلامية’ قال لكسّيب الذي لملم نفسه جذلاً مبتهجاً من نفسه كالعادة وهو يقول: ‘حاضر صاحب السعادة، سأتصل فوراً كي يفرّغوا لي الاستوديو، وسأنهي المقال في الطريق، السائق ينتظرني في السيّارة.’
حالما خرج كسّيب رنّ الهاتف الأحمر في زاوية القاعة. رفع صاحب السعادة السمّاعة فسمع صوتاً جعله يسارع الى ترتيب ياقته كمن سيدخل عليه ضيف خطير.
– أهلا أهلا صاحب السيادة.
– أينك؟
– في مكتبي، والله فكرت بك لمّا رأيت ما يحدث في الشوارع.
– ماذا تقصد؟!..
– لا لا.. مش هيك.. قصدي.. أقصد أنك بالتأكيد تشعر باشمئزاز مثلي على تمرد هؤلاء الجياع لدى جيراننا.
– كفى! تعال.
– حاضر حاضر سأخرج فوراً…
وصل صاحب السعادة الى صاحب السيادة لاهثاً وألقى عليه السلام فظلّ هذا واجماً. ظلّ على وقفته مرتبكاً للحظات ثمّ انطلق: ‘سيدي، خطتنا الاعلامية هي أنه أعتقد أن هذا يهدد الأمن القومي، يجب التركيز على هذا. الأمن القومي…’ قبل أن يقاطعه صاحب السيادة زاعقاً: ‘خطة إعلامية على إيش بالضبط يا بغل؟ خلص.. لقد خلع الجياع جماعتنا وبدّدوا كل ما صرفناه عليها يا حمار..’!

*كاتب فلسطيني مقيم في حيفا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية