من الجائز القول إن المواجهة الأخيرة مع «فرنسا ماكرون» قد لا تبدو لي مواجهة دينية، بمقدار ما هي مواجهة تقع في المجال المعرفي الحضاري، فثمة رؤية متجذرة يعاد استخدامها بخصوص الإسلام والمسلمين، تتغذى على إرث استشراقي ينظر إلى الإسلام بوصفه مجالاً جامداً، لم يجر تعديله أو تطويره، مما يعني أن ثمة قصوراً في فهم حقيقة الإسلام، وسياقاته التاريخية، فالمقولات الغربية المتعلقة بالإسلام تبدو حريصة كل الحرص على فرض مقولة نبذ الديناميكية، أو الحيوية عن الإسلام؛ ولهذا تعدّ مقولة حرية التعبير تفصيلاً صغيراً من محاولات الترويج لمقولة وجود قصور في احترام هذا المبدأ، الذي يعدّ من أهم المبادئ في الثقافة الغربية، كما ثمة ازدواجية غربية في التعامل مع مفهوم حرية التعبير، التي تتخذ صورة شديدة التشنج تجاه المسلمين تحديداً، ولكن هذا التشنج يتراجع تجاه قضايا أخرى، فالغرب قد مارس لعقود طويلة نفاقاً واضحاً في ما يتعلق بوضع خطوط حمر تجاه بعض القضايا، التي تتعلق بمعاداة السامية التي تبدو موضوعاً حساساً جداً، في حين أنه لا يمكن القول الشيء عينه عند السخرية من الأديان والمتعقدات الدينية.
إن إشكالية تصريحات الرئيس ماكرون، تعكس موقفاً ينم عن سوء تقدير سياسي في المقام الأول، مع عدم القدرة على تكوين فهم عميق للأطر التاريخية، حيث قاده الغرور، ونقص الخبرة المعرفية بخصوص فهم العلاقات الشائكة بين أوروبا والمسلمين، التي ترزح تحت وطأة قرون طويلة من الجدل والأخذ والرد، ففي كتاب «المسلمون والحداثة الأوروبية» للباحث خالد زيادة، نقع على تصورات في ما يتعلق بسوء هذا الفهم الحضاري تجاه المسلمين لدى الغرب، الذي ينطلق في فهم من الموروث الاستشراقي، الذي يرى الإسلام في سياق نماذج مغلوطة، فإذا كان الاستشراق قد انتهى، فإنه تم نقل موضوعاته إلى العلم الأوروبي، كما جاء في الكتاب.
في هذا السياق تبدو لي المواجهة على خلفية الرسوم المسيئة، وموقف الرئيس الفرنسي، إشكالاً حضاريا يتعلق بتوفر طبقة عميقة من الاستهانة بمشاعر نحو ملياري مسلم، فهي تعكس في تكوينها صيغة من صيغ الارتباك الغربي تجاه توصيف أو تعريف العالم الإسلامي، وقيمه الحقيقية، القائمة على التسامح، كون هذه الرؤية مشدودة إلى متخيل خطابي لا عن خبرة، وهكذا فإن طبيعة المعضلة تكمن في المتخيل الغربي، الذي لا يتأسس على وعي استشراقي مدعوم بتجربة استعمارية، لم يتخفف منها فحسب، إنما أيضاً نتيجة ابتناء الإسلام في صورته المعاصرة، بفعل الدعاية، ووسائل الإعلام، التي تسلط الضوء على قطاعات محددة من الفشل الحضاري في العالم الإسلامي، التي لا تعني حقيقة الإسلام، وبذلك فهي تسهم في تكوين قناعات قوامها، أن الثقافة الإسلامية ذات بعد روحي لا يتسم بأي مرجعية معرفية، أو نموذج منهجي، وبناء عليه، فهي تغذّي المواجهة التي نشطت قبل عقود مع تصاعد التيارات الدينية، ولاسيما من حيث إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، انطلاقاً من حكم – على ما يبدو- واقعاً في سياق التعميم العميق، حيث تعمد الدعاية الغربية إلى نموذج مجتزأ، وبذلك فهي لم تغادر وعيها الاستشراقي، حيث قامت بتنميط الإسلام برمته ضمن مفهوم الإرهاب، متناسية الآثار السياقية للإرث الاستعماري، ودعم الغرب للديكتاتوريات، كما تعطل بناء نموذج حضاري لدى الكثير من القطاعات في الشرق، فضلاً عن معضلة وجود إسرائيل، والأهم قصور غربي في اكتناه حقيقة الإسلام، وقيمه الإنسانية.
ردود الفعل التي تنتج عن العالم الإسلامي ربما تبدو أقرب إلى فعل لحظي، وآني مرتجل، أو غير عميق على مستوى إحداث توازن ينتج من خلال فرض احترام متبادل بين ضفتي المتوسط، خاصة مع تجاهل الوعي الغربي لقضايا مركزية تؤجج قيم الاحتراب بين الشرق والغرب.
إن رؤيتنا السابقة تنطلق من أن هذا التشكيل للتشوهات التي طالت الإسلام والعرب تحديداً، لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذه الاستهانة قد نتجت من فراغ، إنما هي حصيلة تجربة ممتدة، ولاسيما بعد مرحلة الاستقلال، حيث كانت هذه المرحلة اختباراً لهذه القطاعات، كي تستعيد تكوينها الحضاري بعد أن تحررت من تجربة الاستعمار، غير أن المحصلة تشكلت من خلال مرحلتين: الأولى مرحلة ما بعد زوال الاستعمار، وهي مرحلة بدت فوضوية أو مرتبكة، ومن ثم استقرت على شكل ديكتاتوريات أو سلطات مرتهنة، أسست في ما بعد منظومات قوية، من حيث تمكين حفظ الوجود الذاتي، في حين أن تعميق البنية الحضارية للدولة برمتها، قد بدا ضعيفاً وهشّاً، مع نتاجات من الظلم والفشل على أكثر من مستوى، ومن ثم أعقب ذلك المرحلة الثانية، أو مرحلة ما بعد الربيع العربي، أو التحولات الجديدة التي أضافت المزيد من التشوه نتيجة الاستقطاب والصراع على خلفية طائفية، أو بين نموذجين أيديولوجيين لرؤية المستقبل؛ ما أنتج انحداراً في تكوين صورة الإسلام الحضاري، فالنماذج الجديدة، ولا سيما بعد عام 2011، بدت على قدر كبير من الهشاشة الفكرية، كونها لم تتمكن من تكوين وعي استراتيجي، أضف إلى ما سبق الهرولة للتقرب من إسرائيل، بالتوازي مع غياب النموذج الحضاري القادر على فرض احترامه على الغرب، وعليه؛ فإن الأخير ما زال ينظر لنا من خلال مقولة إن العالم الإسلامي، ليس سوى دول لم تتمكن من بناء منظومة حديثة قادرة على الصمود الحضاري، فالعالم الإسلامي ما زال يراوح تحت وطأة مشكلات تجاوزها العديد من الدول، كما أن معظمها ليس منتجاً فعلياً على المستوى الحضاري، ومن ناحية أخرى فهي ذات طبيعة استهلاكية، فلا يمكنها الاستغناء عن الغرب.
إن ردود الفعل التي تنتج عن العالم الإسلامي ربما تبدو أقرب إلى فعل لحظي، وآني مرتجل، أو غير عميق على مستوى إحداث توازن ينتج من خلال فرض احترام متبادل بين ضفتي المتوسط، خاصة مع تجاهل الوعي الغربي لقضايا مركزية تؤجج قيم الاحتراب بين الشرق والغرب، ولعل أهمها استهانة الغرب بمشاعر المسلمين، لا مستوى ازدراء الأديان فحسب، وإنما على مستوى تواضع ردة الفعل تجاه ممارسات إسرائيل، وتجرؤها على المس بأحد مقدسات المسلمين ضمن مباركة غربية واضحة؛ ما يعني النظر إلى العالم الإسلامي بعين الاستهانة لعدم قدرته على اجتراح آليات لمقاومة هذا الاجتراء، من حيث تجاوز مستوى ردود الفعل الآنية، أو التي قد تبدو مسيئة، أو ذات مردود سلبي على صورة الإسلام، إنما ينبغي أن يُعمد إلى تمكين الصيغة الحضارية لتكوين موقف واضح تجاه القضايا الكبرى، التي تمس العالم الإسلامي، وأهمها القضية الفلسطينية، وحرية الشعوب العربية، وكرامتها.
٭ كاتب أردني فلسطيني