دمشق – «القدس العربي» : بعد معارك كر وفر دخلت قوات النظام السوري مدينة سراقب، آخر مدينة في ريف إدلب الشرقي، بعد ظهر أمس الخميس. وقالت مصادر مقربة من النظام «إن الجيش السوري اقتحم مدينة سراقب من محورين، حيث سيطر على حي شابور شمال غرب مدينة سراقب، وعلى جسر أبو ظهور شرق المدينة، وتتقدم القوات التي أحكمت السيطرة على محيط المدينة يوم أمس».
وأكدت المصادر لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أن مسلحي المعارضة الذين لا يزالون في مدينة سراقب، لن يستطيعوا وقف تقدم الجيش السوري، وربما ينسحبون باتجاه النقاط التركية المنتشرة في جنوب المدينة، وأن السيطرة على المدينة مسألة وقت. وكانت المعارضة السورية استعادت بدعم مدفعي تركي السيطرة على مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي في وقت مبكر أمس، في حين أغارت مقاتلات حربية للنظام السوري على مطار «تفتناز» العسكري شرقي المحافظة بعد ساعات من تثبيت نقطة مراقبة تركية بداخله.
على الصعيد الدولي، طالب الاتحاد الأوروبي، أمس الخميس، بايقاف الحملة العسكرية لدمشق وموسكو على المحافظة، والسماح بإدخال المساعدات الغذائية والإنسانية إليها. وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قال عبر بيان رسمي: «إن «القصف والهجمات الأخرى ضد المدنيين شمال غربي سوريا يجب أن تتوقف، وأن الاتحاد الأوروبي يطالب كل أطراف النزاع بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عراقيل إلى الاشخاص الذين يحتاجون مساعدة».
أنقرة تعيد حساباتها فتقترب من واشنطن وتجافي موسكو تكتيكياً
وتواصلت المعارك أمس حيث كثفت المقاتلات الحربية الروسية والسورية والطائرات المروحية قصف أرياف إدلب بالصواريخ والبراميل المتفجرة، وسط اشتباكات لم تهدأ، في وقتٍ أعلنت المعارضة السورية عن تدمير غرفة عمليات مشتركة لدمشق وموسكو في منطقة معر شمارين في ريف إدلب الجنوبي.
من جانبه، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى نجاح المعارضة السورية بدعم مدفعي تركي، من طرد النظام والميليشيات الداعمة له من مدينة سراقب، وأسفرت الاشتباكات عن مقتل ما لا يقل عن 19 عنصراً من قوات النظام، كما قتل 7 من الفصائل الجهادية المهاجمة، في حين رُصدت 3 مروحيات لقوات النظام عادت إلى قواعدها بدون تنفيذ مهماتها نتيجة التشويش التركي في المنطقة.
مواقف دولية
وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو، قال: «ننتظر من روسيا إيقاف النظام باعتبارها الطرف الضامن له.. ننتظر قدوم وفد روسي، وإذا دعت الحاجة سيلتقي زعيما البلدين عقب انتهاء أعمال هذا الوفد. الهدف هو وقف الاشتباكات هناك».
روسيا، رأس الحربة في الهجوم الواسع على إدلب، التي حمّلت تركيا مسؤولية الهجمات ضد نقاط مراقبتها، لم تخف ما آلت إليه الأوضاع من تدهور الأوضاع هناك، إذ قالت وزارة الخارجية الروسية: «الوضع في إدلب يشهد توتراً خطيراً وتصاعداً للعنف في الفترة الأخيرة… العسكريون الروس والأتراك حاولوا فرض نظام التهدئة في منطقة خفض التوتر في إدلب، إلا أن الإرهابيين زادوا من هجماتهم، وتم تسجيل أكثر من ألف هجوم خلال الأسبوعين الأخيرين من كانون الثاني/يناير». وأضافت الوزارة في بيانها أن «عدد القتلى والجرحى من العسكريين السوريين والسكان المدنيين خارج مناطق خفض التصعيد بلغ المئات، وقُتل خبراء عسكريون روس وأتراك بطريقة تراجيدية».
الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يصفها البعض بميزان الأوضاع في سوريا، قال مبعوثها الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري: إن الإدارة الأمريكية تدرس فرض عقوبات جديدة، من دون أن يحدد الجهات التي ستكون مستهدفة، لكنه لمح إلى أنها قد تكون على سوريا. وأضاف جيفري في تصريحات صحافية، نقلتها وكالة رويترز: «الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتمتع، بموجب مرسوم رئاسي اعتُمد العام الماضي، بسلطة فرض عقوبات على الأشخاص الذين لا يدعمون العملية السياسية، وبخاصة وقف إطلاق النار… لذلك نحن ننظر في ما يمكننا القيام به حيال ذلك، ونحن نسأل الأتراك كيف يمكننا مساعدتهم»، معرباً عن قلقه الشديد إزاء الوضع في إدلب بشمالي سوريا.
عودة إلى الحلفاء
الباحث السياسي السوري ماهر علوش يعتقد أن تركيا بدأت تتلقى دعماً ما من الولايات المتحدة في سوريا، أو من ترامب بشكل أكثر دقة، وأن الرئيس اردوغان بحسب ما قاله المصدر لـ»القدس العربي»: لم يعد قادراً على تلبية الطموح الروسي الذي يتجاوز فكرة السيطرة على الطرق الدولية، إلى فكرة السيطرة على كامل إدلب.
السبب الأساسي في التحول الروسي عن فكرة السيطرة التدريجية والبناء على فتح الطرق الدولية، من وجهة نظر الباحث، هو أن أمريكا قامت بتدمير مسبق للآثار الإيجابية لفتح الطرق الدولية وذلك من خلال فرض قانون سيزر الذي يستهدف الاقتصاد السوري بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق ربما حدث تطور تركي في الرؤية حول المفاوضات مع روسيا، وأن ما بعد «قانون سيزر» يختلف عما قبله، وإذا افترضنا أن هناك رسالة أمريكية قامت تركيا بالتقاطها حول تدخل أكثر فاعلية في سوريا فهذا يعني أن على تركيا أن تقوم بإعادة تموضعها في سوريا بما يخدم التحولات المرتقبة، وهنا يمكن قراءة الحشد العسكري والأرتال الكبيرة التي دخلت إلى سوريا باتجاه سراقب مؤخراً، فهي من جهة تضع حجر الأساس لأي تدخل أمريكي، وأي تحول مرتقب في الحالة العسكرية في سوريا. ومن جهة أخرى تراعي عدم استفزاز روسيا إلى حدود بعيدة جداً، وتفتح الباب لقراءة الأرتال والحشود ضمن سياق الاتفاقات السابقة، وربما هذا يفسر أن نوع العتاد وحجمه يختلف عن المعتاد حيث دخلت عربات مدرعة ومجنزرات ودبابات إم 60 دفاعية وغير ذلك من العتاد.
ورأى الباحث، أن أنقرة تنتظر إلتقاط رسالة بمضمون عملي من أمريكا والناتو، ومن ثم سوف تقوم بدعم الجيش الوطني لخوض معركة متكافئة مع النظام وحلفائه، وهذا الاحتمال وارد جداً في ظل تصاعد فرص نشوب الحرب في المنطقة، طبعاً لا يلزم انهيار العلاقات بين تركيا وروسيا؛ لأن العلاقات بين البلدين تجاوزت الملف السوري إلى ملفات استراتيجية أخرى، لكن بالتأكيد سوف ينحسر التنسيق بينهما، وسوف تعود الأمور للتجاذب كما كانت عليه قبل سنوات.
استنزاف روسيا
وفي إشارة إلى دخول سوريا مرحلة جديدة من الحرب الدولية، وسط توجه دولي لإدخال الجيش الروسي ضمن دائرة حقل ألغام، أو إعادة سيناريو أفغانستان برواية أخرى، أكدت مصادر في المعارضة السورية لـ»القدس العربي»، وجود توجه دولي في هذا الإطار. وقال القيادي في الجيش الوطني المعارض مصطفى سيجري: قريباً سيدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حجم المصيبة التي أوقعه بها بشار الأسد في سوريا. وأضاف القيادي في تصريحات لـ»القدس العربي»: سوريا ستتحول إلى مستنقع ومقتل للجيش الروسي، والمعركة أطول مما يعتقد البعض، وستفتح لنا أبواباً جديدة من الدعم. كما أشار المصدر العسكري إلى هذا الدعم، ربما لن يكون الهدف منه حسم المعركة لصالح السوريين، وإنما تدور رحاه حول استنزاف روسيا في سوريا، لكن عدم احترام روسيا للمبادرات التركية لم يترك لنا خياراً آخر.
وفي أول إحصائية من هذا النوع، نشرت مصادر في المعارضة السورية المسلحة انفوغرافيك لخسائر النظام السوري والميليشيات الموالية له خلال عشرة أشهر من المعارك بين الجانبين في الشمال السوري.
ووفق ما نشرته «إدارة التوجيه المعنوي» في الجيش الوطني المعارض، فإن خسائر النظام والحلفاء المقاتلين بجواره بلغت 7 آلاف قتيل، و10 آلاف جريح، مشيرة إلى وجود ستة ضباط روس ضمن قائمة القتلى.
كما أن المعارضة السورية، تمكنت، وفق المصدر، خلال هذه الأشهر من أسر 20 عنصراً من الميليشيات، كما استحوذت على 5 دبابات و 3 عربات ناقلة للجند إلى جانب الكثير من الرشاشات والأسلحة المتوسطة، إضافة إلى تدمير وإعطاب أكثر من 570 آلية وسلاحاً ثقيلاً للميليشيات، بينها ما يزيد عن 170 دبابة و80 عربة.