تباينت المواقف الرسمية للدول العربية من الحرب في أوكرانيا، إذ دعمت بعض الدول روسيا في موقفها، بينما أدانت أخرى الغزو الروسي، لكن أغلب الدول العربية نأت بنفسها وفضلت عدم إتخاذ موقف واضح من الحرب.
وحتى بيان جامعة الدول العربية الذي جاء إثر اجتماع طارئ في القاهرة لمندوبي الدول العربية يوم 27 شباط/فبراير، جاء باهتا غير واضح المعالم، إذ قال الأمين العام المساعد للجامعة حسام زكي: «تقرر عقد دورة غير عادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين بمقر الجامعة في القاهرة بناء على طلب مصر». وأعربت الجامعة في بيانها عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع في أوكرانيا و«تدهور الأوضاع الإنسانية» فيها، ووجهت توصية إلى الدول الأعضاء من أجل حل الأزمة وضمان سلامة الرعايا العرب في المنطقة. بينما علق الأمين العام المساعد بالقول: إنّ «موقف الجامعة العربية من الأزمة الروسية-الأوكرانية يتسم بالحياد، لوجود علاقة صداقة ومصالح مشتركة تربط الدول العربية بروسيا وأوكرانيا» وأضاف «أنّ الجامعة العربية لديها رغبة لتقديم المساعدة في الأزمة القائمة، ونحن لا نلوم أو ندين أي طرف، لكننا نرغب في تقديم المساعدة ونحاول تنسيق المواقف لدعم الجاليات العربية في أوكرانيا».
ويمكننا ان نؤشر المواقف الرسمية للدول العربية بناء على عملية التصويت التي تمت في الجلسة الخاصة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت في الثاني من آذار/مارس الجاري، إذ صوتت 15 دولة عربية لصالح قرار غير ملزم، يدين الغزو الروسي ويطالب موسكو بسحب قواتها من أوكرانيا. وامتنعت ثلاث حكومات عربية عن التصويت، هي الجزائر والسودان والعراق، وعارضت القرار سوريا، فيما تجنب المغرب الإحراج وغاب ممثله عن جلسة التصويت.
مواقف فضفاضة
اتسمت مواقف الدول العربية بكونها فضفاضة، حتى تلك التي كانت تعد قريبة لواشنطن، وقد عزا المحللون السياسيون هذا الأمر إلى التأثيرات الاقتصادية الروسية في السوق العربي في قطاعات سوق الطاقة، وسوق توريدات السلاح، والمنتجات الزراعية الاستراتيجية كالقمح، بالإضافة إلى عدة تقاطعات وتوترات سياسية بين إدارة الرئيس بايدن ودول الخليج العربي، مما دفع تلك الدول إلى النأي بالنفس في الأزمة.
ومن بين الدول العربية يتميز موقف دمشق الداعم والمتماهي بشكل كامل مع سياسات موسكو في حربها على أوكرانيا، وقد صرح الرئيس السوري بشار الأسد في مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عشية بدء الغزو عن دعمه الكامل لروسيا فيما أسماه «حركة تصحيح التاريخ» وأعلن عن تأييد سوريا لموقف روسيا الرافض لتمدد حلف شمال الأطلسي شرقا وتهديد أمنها القومي والإخلال بتوازن القوى الدولي.
أما في لبنان فقد حدث صراع بين وزارة الخارجية اللبنانية من جهة ومحور المقاومة وحزب الله القريب من موسكو من جهة أخرى على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية. إذ أعلنت الخارجية اللبنانية مع بدء الحرب أن بيروت تدين اجتياح أوكرانيا وتدعو روسيا لوقف الغزو فوراً، وأيدت القرار الأممي في 2 آذار/مارس، بينما هاجم محور المقاومة المقرب من دمشق وطهران وموسكو موقف الخارجية اللبنانية، وكتب النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني إبراهيم الموسوي على تويتر: «أي سياسة خارجية يتبعها لبنان، وأين مصلحة لبنان في ذلك؟ تفضل وزير خارجيتنا، وأوضح لنا الأمر» كما جاء في بيان رئيس حزب التوحيد وئام وهاب الذي استغرب وأدان بيان الخارجية اللبنانية بقوله إن «روسيا وقفت باستمرار إلى جانب لبنان، والموقف اللبناني اليوم ينافق الغرب من دون مقابل» وأضاف «أوقفوا البيع لن يشتريكم أحد».
الموقف العراقي الرسمي أصابه التشوش والانقسام أيضا، فبينما تسعى الحكومة إلى كسب ود الولايات المتحدة والغرب في موقفهما من الغزو الروسي، نجد التيار الولائي المقرب من طهران يقف في وجه الإجراءات الحكومية، ويطالب بدعم موسكو في حربها ضد ما أسماه «الاستكبار الأمريكي» و«التهديد الأطلسي للأمن القومي الروسي». وبينما يزيد حجم التبادل التجاري بين موسكو وبغداد على 13 مليار دولار تتوزع بين قطاعات البترول والتسليح والمواد الغذائية، نجد البنك المركزي العراقي قد اقترح بوثيقة رسمية موجهة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء عدم إبرام أي عقود جديدة مع موسكو، بالإضافة إلى تعليق التعاملات المالية مع الشركات الروسية على إثر فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على موسكو، ولم يصدر أي رد من حكومة الكاظمي إزاء هذا الطلب. ولا يخفى على المتتبع للأزمة الأوكرانية أنها كانت ذات أبعاد إيجابية بالنسبة للعراق نتيجة ارتفاع أسعار البترول التي كسرت حاجز 130 دولارا للبرميل، لأن العراق يعتمد في موازنته المالية بنسبه 90 في المئة على البترول، وأن ذلك يعني ارتفاع مدخولاته بشكل كبير جراء الأزمة الأوكرانية.
أما المواقف الرسمية لكل من مصر والأردن والمغرب والجزائر فانها تكاد تكون متشابهة في محاولاتها إمساك العصا من النصف، والسعي لإدانة الغزو الروسي وفي نفس الوقت الدعوة لحلول سلمية للأزمة، لكن هذه الدول مثلما حاولت عدم إغضاب الولايات المتحدة والغرب وأيدت القرار الأممي الذي أدان روسيا، نجدها تحاول استرضاء موسكو نتيجة الارتباطات الاقتصادية بينها وبين روسيا، ونتيجة التأثيرات الروسية الكبيرة في سوق السلاح والمنتجات الغذائية الاستراتيجية كالقمح.
مواقف الحكومات الخليجية
تميز الموقف السعودي من الغزو الروسي لأوكرانيا بالنأي الواضح بالنفس عن الأزمة، وقد أعلنت الرياض مبكرا عدم قدرتها على تلبية طلب واشنطن زيادة إنتاج البترول لسد النقص الحاصل في سوق الطاقة العالمي نتيجة غياب البترول الروسي، وقالت الرياض إنها ملتزمة بسياسة «أوبك بلاس» في هذا الشأن.
كما أن توتر العلاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وإدارة الرئيس بايدن على خلفية المواقف التي اتخذتها إدارة بايدن من الصراع في اليمن ومن ملف اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي قد انعكس على الموقف السعودي من الحرب في أوكرانيا، وفي محاولة الغرب زحزحة الموقف السعودي زار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الرياض وأبو ظبي منتصف شهر آذار/مارس الجاري، وذكر تقرير لصحيفة «الغارديان» أن «السعودية والإمارات لا يريدان زيادة إنتاج النفط لأن ذلك سيفكك اتفاقهما النفطي مع روسيا المعروف باسم (أوبك بلاس)». وذكرت الصحيفة أن جونسون سيسعى لحض ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، على المساهمة في تخفيف وطأة تداعيات العقوبات المفروضة على روسيا، بعد ما أعلنت بريطانيا والولايات المتحدة حظر الواردات النفطية الروسية.
أما مواقف الكويت والبحرين وسلطنة عمان فكانت مؤيدة للقرار الأممي الذي أدان الغزو الروسي في 2 آذار/مارس الجاري، مع التأكيد على أنها «تدعم كافة الجهود الرامية إلى وقف العمليات العسكرية واللجوء إلى الحوار».
وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية، زار عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإمارتي موسكو يوم 17 آذار/مارس الجاري، وناقش مع سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي مسائل التعاون بين البلدين، وسبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية في المجالات كافة. ومع إن ابو ظبي رفضت التصويت على القرار الأممي الذي أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، نجد آل نهيان قد أكد في زيارته على تسوية الأزمة عبر الحلول السلمية وأكد على استعداد الإمارات دعم الجهود الهادفة لإيجاد حل للأزمة، بما في ذلك وقف إطلاق النار، وشدد على أهمية الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى التزام الإمارات بالدبلوماسية البناءة الهادفة إلى خفض التصعيد. من جهته، عبر لافروف عن امتنانه لموقف الإمارات وقال: «نشكر الموقف المتزن لدولة الإمارات بشأن أزمة أوكرانيا» وأضاف «لدينا تبادل تجاري مع الإمارات بما يزيد على 5 مليارات دولار، وهي من أكبر الدول المتعاونة معنا».
كما زار نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، يوم 14 آذار/مارس الجاري موسكو والتقى نظيره الروسي سيرغي لافروف، وناقشا أهمية وقف التصعيد وحل الأزمة في أوكرانيا عبر «الحوار البنّاء». وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال المؤتمر الصحافي مع نظيره القطري: «ناقشنا الوضع في أوكرانيا خلال المحادثات، ونشكر قطر على جهودها للمساعدة في حلّ هذه الأزمة» وأضاف «نقدر اهتمام قطر وسعيها للمساعدة في حل الأزمة الأوكرانية». وتجدر الإشارة إلى ان الدوحة قد اعتذرت منذ بداية الأزمة عن سد النقص الحاصل في احتياجات أوروبا للغاز الروسي نتيجة ارتباطها بعقود مسبقة مع زبائنها لعدة سنوات مقبلة، وقد صرح آل ثاني بتغريدة على حسابه في «تويتر» عن لقاء موسكو بالقول: «أكدت في لقائي مع وزير الخارجية الروسي على ضرورة تجنب التصعيد وتغليب صوت الحكمة، وحرصنا على ضمان سلامة المدنيين، واعتبار ذاك أولوية قصوى، إلى جانب الالتزام بالمبادئ الراسخة للقانون الدولي وسيادة واستقلال الدول وسلامتها الإقليمية، ورفض وإدانة كل ما يخالف ذلك».