لم تستطع المؤشرات الاقتصادية طمأنة المودعين في بريطانيا منذ انهيار أربعة بنوك أمريكية وعلى رأسها بنك سيليكون فالي وفرعة البريطاني ثم البيع الطارئ لبنك كريدي سويس السويسري لمنافسه المحلي يو.بي.إس.
الخوف على الودائع يقابله في ذات الوقت خوف من زيادة التضخم، فالجنيه الاسترليني سجل تراجعا حادا مقابل الدولار يوم الجمعة الماضي حيث هبط بنسبة 0.6 في المئة، وسبقه قبل ذلك بيومين ارتفاع مفاجئ للتضخم يوم الأربعاء في بريطانيا بلغ10.4 في المئة في ظل التوترات بشأن ما تعانيه البنوك الأوروبية أيضا، وسيطرة المخاوف من أن أسوأ المشكلات في القطاع المصرفي العالمي منذ الأزمة المالية عام 2008 لم يتم احتواؤها، بينما فشلت البيانات الاقتصادية في رفع المعنويات.
القلق في بريطانيا لا يمكن فصله عن مثيله في أوروبا، حيث طال الانخفاض الحاد أيضا سعر اليورو بأكثر من واحد في المئة مقابل الدولار الأمريكي كما تراجعت أسهم البنوك في أوروبا مع تضرر سهمي دويتشه بنك ومجموعة «يو.بي.إس». وفشلت بيانات مؤشر مديري المشتريات في رفع قيمة العملة الأوروبية الموحدة في ظل تراجع المعنويات في الأسواق مع هبوط أسهم البنوك الأوروبية بأكثر من خمسة في المئة.
وبشأن ذلك توضح جين فولي، رئيسة إستراتيجية العملات الأجنبية في رابو بنك لندن، إن «البيانات فاقت التوقعات، لكن الاتجاهات في السوق هي الاحجام عن المخاطرة، وهو ما يدعم عودة أخرى إلى الدولار كملاذ آمن». فيما قال كريستوفر وونغ، خبير العملات «إن سوق العملات الأجنبية تشير فيما يبدو إلى موجة من الخوف من المخاطرة مع تفوق وكلاء الملاذات الآمنة والذهب والين في الأداء على معظم العملات الأخرى».
وبالتوازي أكدت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين الخميس أنها مستعدة لاتخاذ مزيد من الإجراءات لضمان بقاء ودائع الأمريكيين المصرفية آمنة لتهدئة المستثمرين.
أسلوب التهدئة ذاته كان اعتمده رئيس الحكومة البريطانية ريشي سوناك عندما قال مؤخرا إنه لا يوجد «خطر منهجي» على البنوك البريطانية في أعقاب انهيار مصرف سيليكون فالي في الولايات المتحدة. وبالمقابل سعى الوزراء والمصرفيون في بريطانيا إلى استكشاف طرق لتهدئة الأسواق وتأمين أموال المودعين.
وكانت إحدى أهم الإجراءات هي قيام بنك إتش إس بي سي بالاستحواذ على وحدة الفرع البريطاني لبنك سيليكون فالي الأمريكي، ثم أتبع قراره هذا بتأكيد اعتزامه دفع ملياري جنيه إسترليني نقدا من الأموال السائلة في ذلك الفرع. وقال المدير التنفيذي للمجموعة نويل كوين وإيان ستيوارت مدير الوحدة بفرع المملكة المتحدة للمستثمرين في قطاع التكنولوجيا في لندن «إن البنك سيلتزم بضخ مليارات الجنيهات لضمان استمرارية الأنشطة التجارية بوحدة بنك سيليكون فالي في بريطانيا كالمعتاد».
واشترى مصرف اتش اس بي سي وحدة بنك سيليكون فالي في بريطانيا مقابل مبلغ رمزي بقيمة جنيه استرليني واحد يوم الاثنين الماضي، ووصف عملية الاستحواذ بأنها «منطقية من الناحية الاستراتيجية» وإنها ستساهم في تحسين مكانة البنك في قطاعي التكنولوجيا وعلوم الحياة. وأشاد ريشي سوناك بالصفقة تلك بوصفها «نتيجة جيدة» وقال إن وزير الخزانة جيريمي هانت ومحافظ بنك إنكلترا ندروبايلي كانا على حق عندما قالا «إنه ليس لديهما مخاوف بشأن خطر منهجي» يؤثر على القطاع المصرفي ككل. ونقلت وكالة بلومبرغ للأنباء عن سوناك قوله «بنوكنا لديها رأس مال جيد والسيولة قوية». ولتهدئة مخاوف المودعين باشر بنك إتش.إس.بي.سي هولدنغ البريطاني والمالك الجديد لفرع بنك سيليكون فالي بنك «إس.في.بي» التواصل مع عملاء الفرع، ونقلت وكالة بلومبرغ عن المصادر في البنك البريطاني أن اجتماعاته تشمل شركات التكنولوجيا الناشئة وشركات الاستثمار المالي في بريطانيا وأوروبا لتعميق العلاقات مع عملاء فرع سيلكون فالي. وقال متحدث باسم إتش.إس.بي.سي «لدينا علاقات قوية مع شركات الاستثمار
المالي ونلتقي معا بانتظام لمناقشة سبل تقديم الدعم لها».
وقال المتحدث باسم إتش.إس.بي.سي إن «قطاع التكنولوجيا يمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لإتش.إس.بي.سي بريطانيا منذ سنوات عديدة، والاستحواذ على إس.في.بي يتيح لنا توسيع وجودنا في هذا المجال».
ومعلوم أن إتش.إس.بي.سي يقدم قروضا بالفعل للشركات الناشئة وشركات رأس المال ذات المخاطر في بريطانيا ويعمل مع عدد كبير من شركات التكنولوجيا الرئيسية المسجلة في بريطانيا. وتخشى أوساط القطاع المصرفي من حصول حالة من الاقبال الشديد على السحوبات النقدية إذا لم تتمكن الإجراءات المتخذة من اقناع المودعين بأن ودائعهم ستبقى بمنأى عن أي خطر يتهددها بالتبخر في حال استمرار الانهيارات المالية في البنوك الأمريكية أو الأوروبية نظرا لارتباط القطاع المصرفي ببعضه البعض. وتحدث أحد المودعين في لندن لـ«القدس العربي» طالبا عدم كشف اسمه فقال «إن هناك موجة صامتة من الاقبال الشديد على السحوبات النقدية أو التحول نحو شراء الذهب، لأن الأسباب التي أدت إلى انهيارات في البنوك الأمريكية ما زالت قائمة سواء ما يتعلق منها بحالة ركود الاقتصاد العالمي أو استمرار أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعارها بفعل الحرب الروسية ضد أوكرانيا» مضيفا «أنه يبدو أن الحكومة البريطانية ليست في وارد التأمين على جميع الودائع إنما على جزء منها يتعلق بالمودعين الصغار وهم الأقل امتلاكا للإيداعات».
وعلى المقلب الآخر يخشى البريطانيون والمقيمون في بريطانيا من استمرار تآكل مدخراتهم ومعاشاتهم بفعل زيادة التضخم وارتفاع الأسعار، وأظهرت المؤشرات الاقتصادية أرتفاع التضخم في المملكة المتحدة في شباط/فبراير خلافا للتوقعات، ليبلغ أكثر من 10 في المئة، ويعود ذلك خصوصا إلى الزيادة الجديدة في أسعار المواد الغذائية وسط أزمة كلفة المعيشة. وبلغت نسبة التضخم 10.4 في المئة على أساس سنوي، مقابل 10.1 في المئة في كانون الثاني/يناير، على ما أفاد المكتب الوطني للإحصاء الأربعاء، فيما كان المحللون قد توقّعوا أن يبلغ 9.9 في المئة.
وقال الاقتصادي في المكتب الوطني للإحصاء غرانت فيتزنر «إن ارتفاع أسعار الكحول في الحانات والمطاعم ساهم إلى حد كبير في هذا الارتفاع المفاجئ، كما هي حال المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية التي ارتفعت بأسرع وتيرة منذ أكثر من 45 عاما».
وأوضح مكتب الإحصاء الوطني أن النقص الأخير في الخضار ساهم في هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار المواد الغذائية الذي وصل إلى 18 في المئة في البلاد، ما أثر خصوصا على البريطانيين الأكثر ضعفا.
لكن هذا الارتفاع قابله انخفاض نسبي في أسعار الوقود.
وشدد وزير المال البريطاني جيريمي هانت في بيان أن «علينا التمسك بخطتنا لخفض التضخم بحلول نهاية العام».
وقال هانت الأربعاء «نحن ندرك مدى صعوبة الأمور بالنسبة للعائلات في جميع أنحاء البلاد، لذلك بينما نعمل من أجل السيطرة على التضخم، سنساعد العائلات من خلال دعمها في تكاليف المعيشة».
وتتوقّع الحكومة تراجع ارتفاع الأسعار إلى معدل سنوي يبلغ 2.9 في المئة بحلول نهاية العام.
ووسط هذا المشهد على المستوى المعيشي المضطرب أظهر إقرار ضريبي بأن رئيس الوزراء ريشي سوناك حقق دخلا إضافيا يقدر بالملايين من عمل خاص لاعلاقة له بالعمل السياسي، ودفع سوناك أكثر من مليون جنيه استرليني ضرائب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث تجاوزت أرباحه من الأسهم والمكاسب الرأسمالية راتبه من السياسة بفارق كبير.
وحسب وكالة بلومبرغ، أظهر الإقرار الضريبي أن سوناك حصل على 600 ألف جنيه استرليني من الدخل الاستثماري و3.8 مليون جنيه استرليني من مكاسب رأسمالية بين عامي 2019و2022. ودفع سوناك 432 ألفا و493 جنيها استرليني للضرائب في العام الماضي، ومليونا و53 ألفا و60 جنيها استرليني إجمالا على مدى ثلاثة أعوام، بعد استقطاعات بسبب ضرائب مدفوعة في الخارج.
وأضافت بلومبرغ أن الإقرار الضريبي أظهر أن الدخل غير المرتبط بالعمل السياسي لرئيس الوزراء يأتي مقارنة بـ411 ألف جنيه استرليني من راتبه كعضو في البرلمان وكوزير. كان سوناك قد تعهد في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بنشر الإقرارات الضريبية الخاصة به خلال عام، ليصبح أول رئيس وزراء يقوم بذلك منذ ديفيد كاميرون عام 2016.
وأشارت بلومبرغ إلى أنه كان هناك اهتمام بشكل خاص بالشؤون المالية الخاصة بسوناك نظرا لأنه متزوج من ابنة ملياردير هندي، وهو أول رئيس وزراء يكون أكثر ثراء من الملك.
بالتوازي يجري الحديث عن استغلال بعض شركات الطاقة حالة الطلب المرتفع لزيادة أرباحها عبر بعض الحيل، ولذا دعا حزب العمال البريطاني إلى إجراء تحقيق في تداول الطاقة، وقال إد ميليباند، الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني، إنه يجب على حكومة بلاده إجراء تحقيق فيما إذا كانت شركات الطاقة تتلاعب بأسواق الكهرباء في البلاد لتعظيم أرباحها.
وجاء ذلك في رد فعل من ميليباند على تحقيق صحافي تم الكشف فيه عن كيفية استخدام بعض شركات الطاقة في المملكة المتحدة نظاما يعتمد على التشغيل والإيقاف، وأشار تحقيق وكالة بلومبيرغ أن بعض الشركات كانت تغلق محطاتها قبل أوقات ذروة الطلب المتوقعة، ثم تقوم بتشغيلها مقابل أسعار أكبر بكثير عند زيادة الطلب عليها.
وأدت هذه الخدعة إلى تحقيق عائدات قيمتها 525 مليون جنيه استرليني في السنوات القليلة الماضية، يدفعها المستهلكون في نهاية المطاف. وغالبا ما يتم استخدام هذه الطريقة في الأيام التي تكون فيها الإمدادت المتاحة لدى شبكة الكهرباء محدودة. ووصفت هيئة تنظيم الطاقة «أوفغيم» هذه الممارسات بأنها «غير معتدلة» و«ضارة» بالمستهلكين.