«الموريتاني» فيلم بريطاني أمريكي مشترك: تعرية الأسوأ في ذريعة الحرب على الإرهاب

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

خلال العقد الأول والثاني من القرن الواحد والعشرين كثيرا ما تناولت السينما الأمريكية في هوليوود موضوعة الحرب على الإرهاب، بعد حادثة تفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك 11 ايلول/سبتمبر 2001 الذي تسبب في انعطافة حادة في منظومة العلاقات الدولية، وأحدث تحولا عميقا في حبكة الأحداث التي سيشهدها العالم.
ولم تقتصر سيناريوهات الأفلام حول الحدث نفسه، بل تجاوزته إلى ما خلفه من تداعيات خطيرة، على مستوى العلاقات بين الغرب والمجتمعات العربية الإسلامية، حتى وجد العالم نفسه يصحو على حرب سافرة بغاية الشراسة، تخلو في كثير من أوجهها من أي اعتبارات أخلاقية، ولم تكن مقتصرة على بقعة مكانية محددة من الكرة الارضية، رغم ان طرفيها واضحين: الغرب والشرق.
كما ان المسألة لم تعد موقفا حكوميا سياسيا غربيا تجاه أنظمة عدد من الدول العربية والإسلامية، بقدر ما انسحبت على الأفراد العاديين، الذين أصبحوا بسبب اسمائهم ولون بشرتهم، والجنسية التي يحملونها، في مرمى التشكيك بسلامة نواياهم وأفكارهم، فتحولوا إلى إرهابيين مع سبق الإصرار، حتى تطور الموضوع في المجتمعات الغربية إلى ما يدعى»الإسلاموفوبيا» فأنكسر التوقع الطبيعي المعتاد لردود أفعال البشر في الأماكن العامة، وبات أي عربي ومسلم، معلقا في قائمة سوداء تضم حفنة من المشتبه بضلوعهم في أعمال إرهابية، تختزنها الذاكرة الجمعية، ليس في أمريكا والبلدان الغربية فقط، بل في معظم دول العالم.

حكاية الفيلم

«الموريتاني» إنتاج 2021 بريطاني أمريكي، إخراج كيفن ماكدونالد، سيناريو وتأليف إم. ترافن، وروري هينز وسهراب نوشيرفاني، يأتي ضمن السلسلة التي تعتمد قضية الإرهاب المرتبط بالجماعات الإسلامية، محورا مركزيا في بنية خطابها الفني، لكنه يختلف قليلا في حكايته في ان السيناريو قد تجاوز الاهتمام بأي مشاهد فيها تفجيرات ومطاردات ومواجهات بالأسلحة، مكتفيا بتتبع واحدة من القصص الحقيقية، حيث الشخصية الرئيسية فيها لشاب موريتاني يدرس في ألمانيا اسمه محمدو ولدو صلاحي، مثل شخصيته الممثل الفرنسي الجزائري الأصل طاهر رحيم، وما ان يعود لزيارة وطنه، حتى تأتي الشرطة المحلية بقيادة أحد الضباط طالبة منه ان يرافقتهم إلى المخفر للإجابة عن بعض الاستفسارات، ومن ثم بامكانه ان يعود ليكمل احتفاله مع أقاربه بزواج أحد أفراد القبيلة. لكنه ما ان ذهب برفقتهم، حتى وجد نفسه مرحلا إلى الأردن ليبقى معتقلا هناك لمدة ثلاثة أشهر، ومن بعدها يتم ترحيله إلى أفغانستان، وأخيرا ينتهي به المطاف في معسكر غوانتانامو من بعد ان ألصقت به تهمة الإرهاب، فيخضع إلى عمليات تحقيق وتعذيب بغاية القسوة، لأجل ان تنتزع منه اعترافات تثبت تورطه مع تنظيم القاعدة، ولانه كان صادقا مع نفسه، ولا يجد في تاريخه الشخصي ما يشير إلى تورطه بعمل إرهابي، لذا تعاون مع المحققين، ولم يخف عنهم أي شيء يتعلق بحياته وعلاقاته، ولا حتى قتاله في أفغانستان أيام احتلال الاتحاد السوفييتي للبلد، وهذا ما يضع المحققين في حالة من الهستيريا، لانهم لم يحصلوا منه على ما كانوا يراهنون عليه، وازاء ذلك يبقى لمدة 14 عاما رهين الاعتقال، ورغم عدم توصلهم إلى أي دليل دامغ يثبت تورطه، سوى ما كانت أجهزتهم التنصتية قد التقطته من اتصال هاتفي وحيد كان قد تلقاه من ابن عمه المنخرط في تنظيم القاعدة، وليس في الاتصال ما يشير إلى ان في حديثهما ما يدعم فكرة صلته التنظيمية بعناصر إرهابية، وفي ختام رحلته القاسية والطويلة داخل المعتقل الصحراوي الموحش، يتم الإفراج عنه لعدم وجود أي دليل يدينه.
حكاية الفيلم مأخوذة عن كتاب أصدره المعتقل السابق في معسكر غوانتانامو محمدو ولد صلاحي عام 2015 دوَّن فيه كل التفاصيل التي مرت به، منذ لحظة اعتقاله، مرورا بتجربته في السجن، وانتهاء بإطلاق سراحه.

حياة مرقَّنة

لم تكن قصة صلاحي غريبة على مسامعنا، لان هناك العشرات من القصص المؤلمة، التي تتشابه معها في تفاصيلها، حيث انتهىت حياة أصحابها في معتقل غوانتانامو، واختلطت فيها الوقائع بكل مرارتها، بصور لا تخطر إلاَّ في الخيال، فمن غير المنطقي ان تبقى الحقيقة ضائعة لسنين طويلة، بينما تبقى حياة الأبرياء مرقنة في سجل التغييب القسري عن الحرية، بعيدا عن الأهل والأحبة.
قضية صلاحي، تذهب في رمزيتها إلى طابور طويل من الضحايا يقبعون في سجون الانظمة السياسية شرقا وغربا، بدون ان يكون هناك ما يثبت تورطهم بأي عمل إرهابي، لكن حظهم العاثر وضعهم أمام عجلات مسننة لسلطات سياسية عمياء، لديها الاستعداد في ان تسحق كل شيء يقف أمامها، بدون ان تراعي أي حقوق يتمتع بها الإنسان، ويكفي ان انتماءه الديني أو القومي أو أحد أقربائه على صلة بالإرهاب، ليكون دليلا كافيا على انه شخص مشتبه به.
تشير الإحصائيات الرسمية الأمريكية التي ذكرت في التايتل الأخير للفيلم إلى ان عدد المعتقلين في سجن غوانتانامو بلغ 779 ثمانية منهم دارت حولهم شبهة التورط بأعمال إرهابية، وبعد سلسلة تحقيقات رافقتها حفلات تعذيب بشعة امتدت لسنين طويلة، كانت النتيجة ان ثلاثة منهم فقط ثبتت عليهم التهمة!!
هذه الإحصائية كافية لتكون دليلا على ان السلطات الأمريكية مارست أساليب قذرة بحق الحرية الإنسانية بذريعة محاربة الإرهاب، وقد تكون تجربة معتقل غوانتانامو وسجن ابي غريب في العراق، مثالين شاخصين على حجم انتهاكاتها بحق أعداد كبيرة من السجناء، وهذا لا يعني عدم وجود إرهابيين بينهم.
جاء اعتقال صلاحي بالتهمة الموجهة بانه تلقى اتصالا هاتفيا ولمرة واحدة من ابن عمه، الذي يعمل مع اسامة بن لادن، وكان الاتصال كافيا لان يضعه في قائمة المشتبه بهم، وبان له علاقة مع المجموعة التي فجرت برجي التجارة. بذلك تكون سلطة الولايات المتحدة قد أصدرت قرارها بتدمير صلاحي قبل ان تبدأ التحقيقات معه، وبقيت مغمضة عينيها عن الحقيقة لمدة 14 عاما تحت ذريعة الاشتباه به.

صراع على حافة الأحداث

حبكة الفيلم ركزت على الدور الذي لعبته محاميتان أمريكيتان في الدفاع عن المعتقل الموريتاني، ونجاحهما في إثبات براءته، رغم انهما كانتا في البداية تشعران بان له صلة بالإرهاب، وعلى وجه خاص المحامية الشابة تيري دنكان التي أدت شخصيتها الممثلة شايلين وودلي، حيث لعبت دور المساعدة للمحامية الرئيسية نانسي هولاندر وأدت شخصيتها الممثلة جودي فوستر، التي تتولى الدفاع عن صلاحي.
يبدأ الفيلم بالقبض على صلاحي بعد ان عاد لتوه من ألمانيا التي كان يدرس فيها، ومن ثم يتقدم البناء السردي سريعًا في عرض الحكاية لنواجه المحامية نانسي هولاندر تكلف بمهمة الدفاع عنه من قبل شركة محاماة كبيرة، فتوافق مع بعض التردد، ثم تسافر مع مساعِدتها تيري دنكان إلى المعتقل للالتقاء به.
على الجانب الآخر، تأخذ الحبكة دورها لتنمية الصراع بخطوط ثانوية مهمة، وذلك من خلال شخصية الضابط ستيوارت كوتش الذي ادى دوره الممثل بنديكت كومبرباتش، إذ يكلف بمهمة المدعي العسكري في القضية، وكوتش طيار سابق يحمل في داخله كراهية خاصة ضد المسلمين، بعد ان فقد أقرب أصدقائه على متن الطائرة التي ضربت البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، ومن هنا تأخذ المهمة التي تم تكليفه بها طابعا شخصيا. وكان من المتوقع ان يكون لهذه الشخصية في السيناريو، دورا مهما يساهم في تصعيد الأحداث دراميا، لكنها بقيت تتحرك على حافة الأحداث، دون حضور مؤثر.

علاقات غير متقاطعة

مشاهدة الفيلم تثير تساؤلات حول الجانب الفني، خاصة في ما يتعلق بحبكته، فالملاحظ ان البناء السردي، كلما ابتعد عن شخصية صلاحي وأجواء المعتقل الذي يقضي حياته فيه، كلما مال القوس العاطفي إلى الضعف، إذا لم يكن السياق الدرامي للأحداث المتعلق بشخصيتي المحاميتان يحمل في داخله عناصر درامية يمكن ان تدفع بالأحداث إلى النمو والتطور، فقد بدت معظم المشاهد التي ابتعدت عن الشخصية المحورية ضعيفة، ولم تحمل قدرا من العلاقات المتقاطعة التي قد تعمِّق البنية الدرامية للفيلم، وربما وجود ممثلة مهمة، مثل جودي فوستر تحمل ملامح قوية، وقدرة على تقديم الشخصية بأسلوب بعيد عن النمطية التي عادة ما تلتصق بالنجوم، قد أنقذ الفيلم إلى حد ما، رغم ان الشخصية التي اضطلعت بتأديتها لم تكن مكتوبة بشكل عميق، وليس فيها من السمات الخاصة ما يجعلها تمثل قطبا موازيا لشخصية السجين الموريتاني.
على المستوى السردي، كان هناك اخفاق واضح في الإشارة إلى ما تعرض له صلاحي من أذى نفسي وذهني بسبب التعذيب، حيث لم يتم تعميق هذا الجانب بما يستحقه من معالجة في السيناريو، وكان من الممكن ان تظهر شخصيته وهي تحمل وجهة نظر أعمق، في ما لو تم نسج تجربتها في السجن بخيوط أكثر حدة ونعومة، لان الواقع الوحشي الذي تعرض له، كان كافيا لان يخلق أمام كاتب السيناريو حيزا من الفضاء الدرامي، يتيح له ان يذهب بمخياله ليبتكر مشاهد تتجلى فيها انفعالات حادة، من الممكن ان تستولي على الشخصية، إذا ما مرت بمثل التجربة التي عاشها صلاحي.
جاءت اللقطات الوثائقية المصاحبة للتايتل النهائي، التي أظهرت الشخصية الحقيقية للمعتقل السابق محمدو ولدو الصلاحي، لتدعم مصداقية ما جاء في السرد الفيلمي من أحداث، وكشفت جوانب حياتية لم يتطرق إليها السيناريو مثل تكوينه لأسرة صغيرة، واستمرار العلاقة الإنسانية بينه وبين المحامية التي دافعت عنه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية