تشير الدلائل إلى أن الموضوع الروسي، الذي خيم على الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، ولعب دورا في اصطفاف القوى السياسية بواشنطن، وأحدث شرخا عميقا في صف النسق الأعلى للنخب والمؤسسات السياسية والقضائية والعسكرية الأمريكية، وكاد يطيح بالرئيس ترامب، ما زالا عالقا في جدول أعمال السياسة الأمريكية، وسيثير في بعض الأحيان التوتر في حملة الرئيس ترامب للفترة الرئاسية الثانية. فهل سينطوي على الأهمية الحاسمة في نتائج الانتخابات المقبلة، أم ثمة أولويات أكثر تأثيرا؟
وبدأ التحقيق في تدخل الجانب الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 عقب فوز دونالد ترامب مباشرة. وأعلنت أجهزة المخابرات الأمريكية تورط روسيا في اختراق أجهزة الكمبيوتر التابعة للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأمريكي. ونفت موسكو مرارا هذه الاتهامات مشيرة إلى افتقارها إلى الأدلة. وأكد المدعي العام الأمريكي رئتشارد بار أنه لا يوجد أي تواطؤ بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو غيره من مواطني أمريكا مع السلطات الروسية خلال الانتخابات في عام 2016. وقال إن روبرت مولر في تقريره بشأن تدخل الكرملين، لم يقدم أدلة كافية على ان ترامب يتواطأ مع الجانب الروسي.
ووعد دونالد ترامب خلال لقائه في بداية الشهر الحالي، مع الناخبين بتحسين علاقات واشنطن مع موسكو. ولكنه قبل شهر قال في مقابلة صحافية بأنه قاد الهجمة الإلكترونية ضد روسيا، حتى يوقف تدخلها الجديد. ووضع ترامب نفسه في مقدمة القوى التي تتصدى لروسيا وتتحداها، منوها بأن ليس هناك أحد أظهر أكثر منه الشراسة تجاه روسيا. ولهذا الغرض فإنه عزز القوات المسلحة، وفرض العقوبات على روسيا وعرض توريدات طاقة بديلة لأوروبا بأسرها، التي ستكون منافسا خطيرا لروسيا. وحسب قوله إن روسيا لا تثير قلق الديمقراطيين “ما تهمهم السلطة وحدها”.
جاءت هذه البيانات على لسان ترامب في اورلاندا حيث نظم لقاء مع الناخبين وأعلن عن خطط ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة. بيد انه سيكون من الصعب على ترامب التخلص ببساطة من المشاكل الجديدة المرتبطة بروسيا. فقد تعرضت مستشارته السابقة هولب هيكس مؤخرا للاستجواب أمام الكونغرس في موضوع تواطؤ فريق حملته الانتخابية مع موسكو. وشغلت إفادات هيكس، عن عدم وجود أية اتصالات مشبوهة مع الروس، 273 صفحة. غير أن هذا لم يكفِ كي يثق الديمقراطيون في براءة الرئيس.
الأثر الروسي
ثمة إجماع بين الخبراء على ان الملف الروسي وكالسابق سيكون عامل إزعاج لترامب. ويقول مدير “معهد أمريكا وكندا” التابع لأكاديمية العلوم الروسية فاليري جاربوزوف وهو يتحدث عن فرص ترامب في الفوز في فترة رئاسية ثانية: إن عامل السياسة الخارجية سيلعب دورا كبيرا. وعلى حد قول جاربوزوف، فإن الحزب الديمقراطي وخصوم ترامب سيواصلون اتهام الرئيس في أن التدخل الروسي ساعده في الفوز في الانتخابات السابقة، وإن الرئيس نفسه مرتبط بموسكو. وأضاف “بيد أني لا اعتقد ان هذا العامل سيكون المهيمن أو سيلحق ضررا جديا بفرص ترامب، فالموضوع بالنسبة للمواطن الأمريكي: هو الاقتصاد، وربما قضية الهجرة”. وعلى وفق استطلاعات فوكس نيوز فإن 50% من مواطني الولايات المتحدة يعتقدون إن ترامب نسق تحركاته مع روسيا خلال انتخابات 2016، و44% لا يثقون بذلك.
هناك رأي مغاير في الدور الذي سيلعبه العامل الروسي في حظوظ ترامب في الفترة الرئاسية الجديدة. وضمن هذا السياق قالت جوليا عزاري، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ماركت، إن ” التدخل الروسي” يمكن أن يلعب في آن واحد لصالح ترامب وضده، فمن ناحية، كما لاحظت الخبيرة، أن الديمقراطيين سيواصلون ممارسة الضغط على ترامب، وقد يقوض ذلك ثقة بعض الناخبين به. ومن ناحية أخرى، يمكن أن ترص هجمات خصوم الرئيس حوله أكثر، ائتلاف الناخبين، الذي يعتقد، أن ليس هناك أساس من الصحة للهجمات. كما ترى عزاري.
ولفت ترامب بنفسه في خطابه إلى أن تقرير المدعي الخاص روبرت مولر كشف أنه لم يتواطأ مع روسيا، بيد أن الحزب الديمقراطي لن يترك هذا الموضوع لاحقا. وتعليقا على تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي، قال ترامب إنه ” لا ينبغي إخضاع أي رئيس لمثل ذلك” وإن “حركتنا الوطنية تتعرض لضغوط منذ اليوم الأول.
ويعتقد رئيس تحرير مجلة “روسيا في السياسة العالمية” فيدور لوكيانوف أن التحقيق في “التدخل” المزعوم لروسيا في الانتخابات الأمريكية ومشاركة ترامب المحتملة، ولكن التي لم تبرهن على تواطأ ترامب، سيُثار في سياق السباق الرئاسي الجديد، لكنه لن يصبح محوريًا. “بالطبع، الأعصاب مرهقة، وعلاوة على ذلك، فمن المرجح أن يستمر موضوع روسيا بهذا الشكل أو ذاك، لكن هناك شعورا بأنه قد فقد بالفعل حدته السابقة، وقد تعبوا منه. ومن غير المرجح أن يكون هو موضوع الحملة الجوهري “. ورجح لوكيانوف “أن الجدل سيركز على ما تمكن الرئيس الحالي من القيام به للأمريكيين وما الذي سيقوم به لاحقا”.
ويستثمر ترامب كل مناسبة متاحة للبرهنة على عدم تواطؤه مع الروس. فبعد خطبته أمام الناخبين في اورلاندو أجرت “فوكس نيوز” حديثا مطولا معه، كرس الجزء الأكبر منه لفضح “التهم المزيفة” بصدد التواطؤ مع موسكو في حملته الانتخابية السابقة، ومن ثم تعهد بأنه يود تحسين العلاقات ببوتين، ويعتقد بان الأمور ستسير نحو ذلك. وقال انه ينوي الالتقاء ببوتين خلال قمة العشرين. ورد الكرملين على هذا البيان ببرود موضحا بانه إذا كانت لدى ترامب رغبة شديدة في الالتقاء، فإنه سيجد وقتا في جدول فلاديمير بوتين المزدحم. أما الرئيس بوتين فقد أبدى خلال “برنامج الخط المباشر مع المواطنين”، موافقته على مثل هذا اللقاء، ولمح إلى انه سيد الموقف، بينما الرئيس الأمريكي مُقَيد ” بمتطلبات الحملة الانتخابية، التي دخل فيها بالفعل، وبتآمر “جزء من النسق الأعلى الأمريكي” الذي “يضارب على العلاقات ـ الروسية ـ الأمريكية ويسعى إلى أن يصطاد في الماء العكر، شيئا ما نافعا له”.
وتسود التوقعات في موسكو بأن الرئيس ترامب يحظى بفرص طيبة كافية للفوز بفترة رئاسية ثانية. ويستند هذا التوقع إلى أن الطبقة التي تعاني من الاحتضار: الرجال البيض ستدعم ترامب، وسيصوت له أيضا المكون اليهودي، نظرا لاعترافه بالقدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، فضلا عن الاعتراف بضم هضبة الجولان السورية لإسرائيل. وسيصوت لترامب أيضا أولئك الذين يعانون من تداعيات الهجرة غير المشروعة، وثمة في الولايات المتحدة الكثير من الرافضين للزواج المثلي، كما سيحظى بدعم رجال الأعمال الذي خفض الضرائب لهم، ويحميهم من بضائع الصين. ولكن موسكو لا تتوقع أن ترامب حتى لو فاز بفترة رئاسية جديدة سيلغي العقوبات على روسيا، والتي فُرضت عليها لـ “تدخلها” في الانتخابات لصالحه.