الموقوفون السوريون في سجن رومية اللبناني يطلقون وكالة أنباء

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: أطلق الموقوفون السوريون في سجن رومية في لبنان وكالة إخبارية، تعمل على صناعة مواد إعلامية تتعلق بقضيتهم، وتسلط الضوء عليها، بهدف إيصال أصواتهم وقصصهم إلى الرأي العام المحلي والدولي، بعيدا عن مشاهد التمرد والعنف التي لطالما ارتبطت في الوعي العام بانتفاضات السجون.
الوكالة التي أطلق عليها فريقها اسم «سادنال» اختصارا لـ «وكالة أنباء الموقوفين السوريين في لبنان» نشرت على حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي تعريفا مختصرا، قالت فيه إنها «وكالة إعلامية متخصصة بإنتاج المحتوى الصحافي والإخباري المتعلق بالموقوفين السوريين في السجون اللبنانية» مضيفة أنها منصة «تعمل على إيصال صوت الموقوفين السوريين في لبنان لوسائل الإعلام بشكل مهني، بعيداً عن التضليل أو التهويل» قائلة إنها «تحكي قصصهم مباشرة من خلف القضبان، من خلال شبكة من المصادر الخاصة».
تواصلت «القدس العربي» مع المتحدث باسم سجناء رومية في لبنان عمر الأطرش، حيث قال في تعليقه على خبر إطلاق وكالة «سدنال»: «إن الفضاء الإعلامي «السوري واللبناني» خصوصا و «العربي والدولي» عموما، متعطش لوجود محتوى صحافي موثوق، يعكس معاناة الموقوفين ويسرد قصصهم، بعيدا عن الأجندات السياسية المتضاربة التي قد يتبناها بعض وسائل الإعلام والتي تخدم مصالح مموليها».
وتعاني السجون اللبنانية، حسب ما قال مصدر من داخل سجن رومية لـ «القدس العربي» من واقع صحي معيشي صعب، ناجم عن الاكتظاظ الشديد وتآكل الميزانيات الحكومية المخصصة للغذاء والطبابة، خاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. وتبلغ نسبة الموقوفين السوريين في لبنان أكثر من 30 ٪ من مجموع السجناء، لا يزال أكثر من 80 ٪ منهم حسب الإحصاءات الرسمية من دون محاكمات، غالبيتهم تم توقيفهم بعد عام 2011، إثر موجات اللجوء الكبير التي تعرض لها لبنان بعد اندلاع الثورة السورية.
خالد سيف، أحد مؤسسي الوكالة من بين السجناء السوريين في رومية، قال من خلف القضبان في تصريح خص به «القدس العربي»: جاءت فكرة الوكالة كتوجه للاحتجاج السلمي البعيد عن العنف.

صورة نمطية خاطئة

فهناك صورة نمطية خاطئة مفادها أن السجناء لا يعبرون عن معاناتهم إلا عبر التمرد أو العنف، لذلك اخترنا العمل الإعلامي كأداة إنسانية راقية لإيصال صوتنا وحكاياتنا، والتعبير عن واقع السجن السيئ.

ويضيف سيف أن الخطاب الإعلامي للوكالة لن يكون صداميا مع إدارة السجون اللبنانية، إذ يدرك الموقوفون أن معالجة قضيتهم تتجاوز صلاحيات وزارة الداخلية، التي تعمل وفق إمكانيات مالية ولوجستية محدودة، وأن الحل الحقيقي يحتاج إلى قرارات سياسية على مستوى مجلسي الوزراء والنواب.
وبناء على ذلك، يؤكد المتحدث من وراء القضبان «أن هدف الإعلام الذي يطلقونه يتمثل في اقتراح الحلول وتحفيز السياسيين وصناع القرار على اتخاذ خطوات شجاعة لإنهاء هذه المظالم».
ووفقا للمصدر فإن الوكالة، التي يديرها عدد من الصحافيين المتطوعين داخل سوريا، تحظى بدعم ومتابعة حثيثة من أهالي الموقوفين ومحامين وحقوقيين ناشطين في الملف، حيث يشكلون شبكة تواصل تسعى لتسليط الضوء على أوضاع السجناء.
ويؤكد سيف أن التغطية الإعلامية لن تقتصر على قضايا السوريين فقط، بل ستمتد لتشمل السجناء اللبنانيين والفلسطينيين الذين وقفوا إلى جانب الثورة السورية، إضافة إلى تسليط الضوء على واقع السجون اللبنانية عموما بوصفها بيئة واحدة تجمع الجميع، حيث قال: فنيا وتقنيا نحن نتواصل مع فريق من الأهالي والمحامين والحقوقيين الذين يتابعون هذه القضية وهم لديهم شبكة علاقات واسعة تجتهد في تسليط الضوء على قضيتنا وتنقل مطالبنا.

بهدف إيصال أصواتهم وقصصهم إلى الرأي العام المحلي والدولي

وتابع: يقوم على الوكالة صحافيون مهنيون متطوعون يعملون في دمشق وبقية المدن السورية لإيصال صوت الموقوفين السوريين عموما، وخاصة أولئك الذين تمت محاكمتهم لأسباب سياسية، لكن الوكالة ستغطي كذلك قصص وقضايا السجناء اللبنانيين والفلسطينيين الذين ناصروا الثورة السورية، كما ستهتم بأخبار السجون اللبنانية بشكل عام بحكم أنها بيئة واحدة تجمع الجميع.
وقد عقدت الوكالة وفق المتحدث، اتفاقيات تعاون مع عدد من وسائل الإعلام السورية والعربية، التي اعتبرتها شريكا في إنتاج محتوى يخص قضية الموقوفين السوريين في لبنان.

أرقام صادمة

وفق آخر إحصائية لوزارة الداخلية اللبنانية، تضم سجون لبنان نحو 7500 سجين، بينهم حوالي 2400 سوري، أي أكثر من 30٪ من إجمالي النزلاء.
ويتوزع هؤلاء على عدة سجون رئيسية مثل رومية وزحلة والقبة في طرابلس، إضافة إلى سجون أصغر في مدن كأميون وعاليه وبعلبك وصيدا وجزين، فضلا عن النظارات الأمنية والسجون العسكرية.
اللافت حسب المتحدث، أن أكثر من 80٪ من السوريين الموقوفين ما زالوا بلا محاكمة منذ سنوات طويلة، في حين تواجه البقية محاكمات توصف بالجائرة أو البطيئة، وهو ما فاقم معاناتهم الصحية والنفسية.

وأطلق الشهر الماضي أكثر من 1700 سجين سوري في لبنان ـ ممن لا يواجهون تهم الإرهاب ـ نداء استغاثة، مؤكدين أنهم «ضحايا اللجوء والتوقيف العشوائي، وليسوا مجرمين».
وجاء في البيان: «نحن السجناء السوريين في سجن رومية والسجون اللبنانية الأخرى، نتوجه إلى فخامة الرئيس أحمد الشرع بنداء إنساني عاجل، فنحن من أبناء العائلات التي لجأت إلى لبنان هرباً من بطش النظام البائد، لكننا وجدنا أنفسنا ضحايا التوقيفات الكيدية والتحقيقات تحت التعذيب، وتركنا لسنوات بلا محاكمة أو بمحاكمات غير عادلة».
وأشار إلى أن كثيراً من الموقوفين يعانون ظروفاً إنسانية كارثية، من غياب الرعاية الصحية والغذائية إلى انتشار الأمراض والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة بعضهم تحت التعذيب أو بسبب الإهمال، فيما أقدم آخرون على الانتحار يأساً من مصيرهم.
كما لفت السجناء إلى أن أكثر من 80٪ منهم لم تتم محاكمتهم حتى الآن، وأن كثيرين ممن أدينوا حصلوا على أحكام قاسية تفوق ما يستحقونه. وأكدوا أن بعض الانتهاكات ارتبطت باستخدام ملفات قضائية كأداة للضغط على اللاجئين السوريين بهدف دفعهم نحو ما تسمى بـ«العودة الطوعية» في ظل تضييق معيشي وحملات عنصرية.
وطالب الموقوفون الدولة اللبنانية باعتماد حلول استثنائية لمعالجة هذا الملف، منها تقليص مدة الأحكام الطويلة كتحديد سنوات المؤبد والإعدام، وتقليص السنة السجنية إلى ستة أشهر بشكل استثنائي. كما ناشدوا الحكومة السورية التحرك لنقل جميع السجناء السوريين من لبنان إلى سوريا، عملاً بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في زيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى دمشق عقب «التحرير».
في ختام ندائهم، توجه السجناء إلى الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة أحمد الشرع بقولهم: «هربنا من براميل النظام ووقعنا في مظلمة كبيرة في لبنان. اليوم أصبح لنا قائد يرأف بشعبه، فتح السجون وأصدر العفو، ونأمل أن تشملنا عدالته وأن نستعاد إلى وطننا لنحاكم أمام قضائنا، حيث يخرج البريء ويقضي المدان محكوميته إلى جوار أسرته».

استغاثة بعدما مات من مات وانتحر من انتحر

تزامن ذلك مع مبادرة أطلقها الموقوفون في سجن رومية تحت اسم «سوريون عبر السجون» توجهوا من خلالها برسالة إلى الوفد الحكومي السوري الذي يزور بيروت.
تحدثت الرسالة باسم 2400 مواطن سوري في السجون اللبنانية «أكثر من 70٪ منا بلا محاكمة منذ سنوات طويلة، تعرضنا للتعذيب والتوقيف العشوائي وفبركة الملفات وانتزاع الاعترافات بالإكراه. بعضنا كان ضحية لثورته على النظام، وبعضنا ضحية اللجوء، وبعضنا ضحية الفقر والعوز والعنصرية. بعد أن مات من مات وانتحر من انتحر، نوجه صرخة استغاثة للوفد السوري: لا تتركوا أحداً خلفكم، جميعنا مواطنون سوريون وآمال عائلاتنا بين أيديكم».
وختمت الرسالة بقولهم: «العدل المتأخر عدل مريض، والعدل بلا رحمة ظلم. لقد فتحتم سجون سوريا يوم النصر، وحان الدور الآن للسوريين وإخوانهم في سجون لبنان. اصنعوا التاريخ مجدداً، فالدولة العظيمة لا تترك أبناءها يموتون خلف قضبان القهر والغربة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية