الموقف الأوروبي يُقدم المصالح التجارية على القيم الإنسانية

رشيد خشانة
حجم الخط
0

تعمق التباعد بين دول الشمال الأوروبي ودول الجنوب إزاء قضايا الحريات وحقوق الإنسان، بمناسبة ردود الفعل على مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. ففيما تحمست الأولى بزعامة ألمانيا وسويسرا لاتخاذ إجراءات عقابية ضد السعودية، أبدت دول جنوب أوروبا، وخاصة اسبانيا، تفهما نزقا للموقف السعودي، وجعلت المصالح التجارية ترتفع فوق الاعتبارات الإنسانية. أكثر من ذلك، هناك من ربط رفض معاقبة السعودية بمستقبل الصناعة العسكرية الأوروبية، إذ تعالت أصوات عدة مُحذرة من أن تجميد إرسال السلاح إلى السعودية سيُربك مشروع تطوير صناعة عسكرية أوروبية متينة وذات سمعة جيدة، بما في ذلك تطوير صناعة البحوث لكي تكون أساس الاستراتيجيا الأوروبية الموحدة في هذا المجال الحيوي.

وأتى الموقف الألماني داعيا إلى وقف بيع الأسلحة إلى السعودية في أعلى مستوى وعلى لسان المستشارة أنغيلا مركل نفسها. وقالت في تصريحات صحافية إنه لا سبيل لتصدير الأسلحة إلى السعودية في الوقت الراهن. وأضافت “في المقام الأول نستنكر تلك العملية بأشد العبارات، وفي المقام الثاني نؤكد أن هناك حاجة ماسة إلى استجلاء حقيقة ما حدث، فنحن الآن أبعد ما نكون عن محاسبة المسؤولين عنه”.

وفيما ركزت تحاليل الإعلام الفرنسي على “محاذير” إقرار عقوبات في حق السعودية، وانعكاساتها المحتملة على مبيعات السلاح، ذهب الإعلام الألماني إلى اتهام الحكومة السعودية بالبحث عن كبش فداء للتغطية على كبار المسؤولين في الدولة، على ما قال أحد كتاب صحيفة “فرانكفورتر ألغماين زايتونغ” الألمانية. وحمل كاتب آخر في الصحيفة نفسها على من قال إنهم يُغلبون المصالح على المبادئ، وإن لم يُغفل الكُتابُ والخبراءُ الألمان الإشارة إلى الأهمية الاستراتيجية والوزن الاقتصادي للسعودية في منطقة الخليج، لكنهم اعتبروا أن ثبوت ضلوع القنصل السعودي في اسطنبول في الجريمة “كاف لكي نشير بأصابعنا إلى باب الخروج (من ألمانيا) للدبلوماسيين السعوديين”.

وبلغة الأرقام حذر بعض الخبراء الفرنسيين من أن باريس قد تخسر بعض صفقاتها مع السعودية، التي هي الزبون الأول لصناعة الأسلحة الفرنسية في العالم العربي. وبلغت صادرات الأسلحة الفرنسية إلى السعودية بين 2008 و2018 نحو 11 مليار يورو. وكان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا أولاند أدى أربع زيارات للرياض كللت جميعها بالتوقيع على صفقات أسلحة وعتاد ضخمة.

هذه الخلفية التي تُفسر قيود الموقف الفرنسي في التعاطي مع ملف خاشقجي، أكدتها تصريحات وزيرة الدفاع فلورنس بارلي، التي اعتبرت أن القاعدة الصناعية والعسكرية في فرنسا تحتاج إلى الصفقات لكي تُشغل عشرات الآلاف من العاملين في هذا القطاع. وينبغي قراءة هذا الموقف في ضوء ارتفاع غير مسبوق للدين العمومي الفرنسي الذي وصل إلى 2300 مليار يورو، أي 99 في المئة من المنتوج الوطني الخام. ويشكل تكثيف الصادرات، بما فيها الأسلحة، مصدرا مهما لامتصاص تلك المديونية المتعاظمة. والأرجح أن المعارضة تنتظر وصول مستوى المديونية إلى 100 في المئة، لما لهذا الرقم من رمزية، لكي تشن حملة على سياسة ماكرون الاقتصادية التي تصفها بالفشل.

ازدهار التصنيع العسكري

تزامن الجدل حول قضية خاشقجي في فرنسا مع بث القناة التلفزيونية الخامسة شريطا وثائقيا عن مواقع تصنيع الأسلحة والطائرات الحربية والصواريخ، أظهرت من خلاله مُخرجته الصحافية أن بواري، أن هذه المواقع لا تعرف الكساد الذي تتجرع مرارته المناطق الصناعية المدنية في فرنسا. لا بل إن ازدهار قطاع التصنيع العسكري بوأ باريس الرتبة الثالثة عالميا في مبيعات الأسلحة. وفي هذا السياق أقرَ النائب جان شارل لارسونور، بأن توقف تصدير الأسلحة سيقضي على الصناعات العسكرية، واستطرادا ستخسر فرنسا سيادتها واستقلاليتها في مجال التصنيع الحربي. أكثر من ذلك أظهر الشريط الوثائقي أن النواب الفرنسيين لا يقرأون التقارير الدورية التي تصلهم عن هذا القطاع، بالرغم من أنها مقتضبة وجزئية، ما جعل هذه القضايا تُحاط بسرية كاملة ولا تُطرح للمناقشة في الفضاء العام، بما في ذلك وسائل الإعلام، التي تتحاشى الخوض فيها.

من هنا أتى الموقف الفرنسي من اغتيال خاشقجي متذبذبا بين أصوات هامشية تطالب بتقرير عقوبات في حق السعودية، وتحديدا الأشخاص الذين سيثبت تورطهم في الجريمة، وموقف رسمي تقوده الاعتبارات التجارية ويبحث عن مخرج يقيه من الحرج. ويمكن القول إن قضية خاشقجي وضعت على المحك الخطاب الرسمي ومواقف المجتمع المدني على السواء، ودللت على حدود التأثير الذي يمكن أن يلعبه النشطاء والحقوقيون، وحتى نواب الأقلية في البرلمان، في فرملة الانحدار إلى منطق تُجار السلاح.

وتجلت الازدواجية في الموقف الفرنسي أيضا لدى التعاطي مع مؤتمر “دافوس الصحراء” أو “فيوتشر إنفستمنت إينيشياتيف” في الرياض، الذي قاطعه وزير المال الفرنسي برونو لومير، وبعض رؤساء المجموعات الصناعية الكبرى، لكن رئيس مجموعة “توتال” النفطية أبى إلا أن يحضره. وبرر بعضُ الكتاب ذاك الحضور بأن رئيس المجموعة لم يفعل سوى الخضوع لقرار المساهمين.

يجوز القول إن الموقف السويسري كان الأكثر وضوحا في الاقرار بضرورة اتخاذ إجراءات عقابية في حق المسؤولين السعوديين على الرغم من المصالح الكبرى بين الطرفين، إذ دأب الملوك السعوديون على زيارة سويسرا لتمضية إجازاتهم في القصور التي يمتلكونها هناك، فضلا عن الأموال المودعة في مصارف البلد والفنادق والعقارات التي اشتروها في مدن سويسرية مختلفة. كما أن سويسرا تُمَثِّل مصالح السعودية في إيران، ومصالح إيران في السعودية منذ عام 2016، على إثر قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلديْن. ووفقاً لوزارة الاقتصاد السويسرية، بَلَغ حَجْم التجارة بين السعودية وسويسرا 2,5 مليار دولار في العام الماضي فقط.

مع ذلك أعلن وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس، أن بلاده ستُعيد تَقويم علاقاتِها السياسية مع السعودية، في أعقاب مَقَتل خاشقجي. وعزا هذا الموقف إلى “وجود أدلة واضحة على حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان وتجاهُل سيادة القانون” في قضية الصحافي المغدور. ولوحظ أن الخارجية السويسرية استدعت القائم بالأعمال السعودي في بيرن ثلاث مرات في أسبوع واحد لطلب إيضاحات في شأن ملابسات مقتل خاشقجي واختفاء جثته. كما أعلن وزير المالية السويسري أوَلي ماورَر بدوره أنه يقوم بمعاودة النظر في زيارة مُقررة إلى الرياض في العام المُقبل. وذهب بعض الأحزاب السويسرية إلى حد المطالبة بحظر فوري لتصدير الأسلحة إلى السعودية، وهو الموقف الذي دافع عنه رئيس الحزب الاشتراكي كريستيان لوفرات، وتبعه في ذلك نواب آخرون من وسط اليمين، خصوصا بعدما أعلنت المستشارة إنغيلا مركل حظرا لتصدير الأسلحة إلى السعودية. وفي هذا السياق قالت النائبة الراديكالية كورينا أيخنبرغر، وهي عضو بارز في لجنة السياسات الدفاعية “من الأفضل أن نتخذ قرارا بوقف تصدير الأسلحة إلى الرياض إلى أن ينجلي الموقف وتتوضح الصورة”.

مع ذلك لن تكون لمثل هذا القرار تأثيرات كبيرة على السعوديين إذ أظهرت إحصاءات رسمية سويسرية أن صادرات سويسرا من المعدات العسكرية للسعودية لم تتجاوز 4.8 ملايين دولار في السنة الماضية، وهو ما لا يُمثل سوى 1 في المئة من مبيعات السلاح السويسرية. والأرجح أن سويسرا ستنتظر ما إذا كانت الأمم المتحدة ستتخذ إجراءات عقابية ضد السعودية أم لا لتحذو حذوها، وهي القاعدة العامة التي دأبت عليها السياسة السويسرية.

على النقيض من موقف ألمانيا وسويسرا، أتى الموقف الاسباني متحفظا على أي إجراء من هذا النوع ضد السعودية. ولم يقتصر الأمر على قرار حكومي وإنما ترسخ القرار بتصويت في البرلمان الاسباني. واكتفت السلطات بالتعبير عن “استيائها من وفاة الصحافي خاشقجي”، لكنها توافقت مع المعارضة على رفض مذكرة برلمانية دعت الحكومة إلى وقف الصفقات مع السعودية. واللافتُ أن موقف الحزب الاشتراكي الحاكم تطابق في هذه المسألة مع الموقف الذي اتخذه غريمه حزب الشعب، وهو حزب المعارضة الرئيسي، ما سهَل استصدار قرار في هذا المعنى من البرلمان. وعلى أساس هذه الخلفية نفهم لماذا أعلنت الحكومة الاسبانية في البداية أنها ستوقف شحن 400 قنبلة موجهة بالليزر إلى الجيش السعودي، ثم تراجعت. والظاهر أن الدافع وراء التراجع هو تهديد السعودية بإلغاء عقد قيمته 2 مليار دولار مع اسبانيا لشراء سفن حربية، إذا لم تمض صفقة القنابل قدما. والمُلاحظ أن مواقف بلدان جنوب أوروبا، وخاصة ايطاليا واسبانيا وفرنسا والبرتغال متقاربة من هذه الأزمة السياسية والأخلاقية، إذ أنها وضعت مصالحها التجارية في الرتبة الأولى، فأي مصداقية ستكون لأوروبا إذا ما قامت في المستقبل بحملات للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في البلدان التي تحكمها أنظمة استبدادية؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية