الموقف البريطاني من أزمة الغواصات الفرنسية

صادق الطائي
حجم الخط
0

اعتبر المراقبون الأزمة الأخيرة التي اندلعت بين باريس وواشنطن الأخطر والأقوى في التاريخ المعاصر بين الدولتين الحليفتين. إذ شهدت العلاقات بينهما انتكاسة على المستوى السياسي والاقتصادي على خلفية أزمة الغواصات، التي كانت طلبتها أستراليا عام 2016 من مجموعة شركات «نافال غروب» الفرنسية، المملوكة جزئيا للدولة، لتوفير 12 غواصة لصالح أستراليا، بناء على نموذج غواصة «باراكودا» الفرنسية قيد التطوير بقيمة 31 مليار يورو، ثم فاجأت أستراليا الفرنسيين بإلغاء الصفقة والتحول إلى شركات أمريكية وبريطانية بديلة بدون إبداء الأسباب.
التصريحات الرسمية الفرنسية جاءت على لسان وزير خارجيتها جان ايف لودريان الذي وصف ما جرى بأنه «طعنة في الظهر» كما ندد بـ»كذب» و»ازدواجية» وتقويض كبير للثقة و»ازدراء» من جانب حلفاء فرنسا. كما قال أثناء مؤتمر صحافي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة في نيويورك «إنّ الموضوع يتعلّق في المقام الأول بانهيار الثقة بين حلفاء وهذا الأمر يستدعي من الأوروبيين التفكير مليّا بالتحالفات».
لكن الغضب الفرنسي كان منصبا بشكل أساسي على الولايات المتحدة وأستراليا، بينما عوملت بريطانيا بازدراء وإهمال، إذ قال لودريان في حوار مع القناة الفرنسية الثانية «لقد استدعينا سفيرينا من واشنطن وكانيبيرا لإعادة تقييم الوضع، وليست هناك حاجة لذلك بخصوص بريطانيا، نحن نعلم انتهازيتهم المستمرة. لذلك، ليست هناك حاجة لاستدعاء سفيرنا من لندن لشرح الأمر» وأضاف في تعليقه على دور لندن في الاتفاقيّة باستخفاف «بريطانيا ليست إلا طرفاً زائداً في كلّ هذه المعادلة».
وبدا الموقف البريطاني من أزمة الغواصات مدفوعا بمحركين وجها سلوك حكومة المحافظين، المحرك الأول هو البحث عن دور في خريطة الأحداث العالمية الكبرى تشغله المملكة المتحدة كأحد اللاعبين الكبار بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولا يوجد أفضل من ان تدير لندن ظهرها للقارة العجوز وتتجه بوجهها ناحية واشنطن باحثة عن شراكة عبر المحيط تعوضها عن فقدان دعم الاتحاد الأوروبي بعد بريكست.
بينما كان المحرك الثاني لإقدام بريطانيا على الدخول في اتفاقية «اوكوس» هو البحث عن صفقات تجارية تعالج بها وضع اقتصادها الذي تعرض لانتكاسات حادة جراء تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، يضاف إلى ذلك ما تركته جائحة كورونا من أضرار على السوق البريطاني، لذلك اندفعت حكومة بوريس جونسون باتجاه المعاهدة الجديدة، والتي باتت تعرف بأنها «اتفاق انكلوسكسوني» يجمع بين الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا. ويقوم الحلف الجديد على أسس التعاون الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي والعسكري، والهدف منه، وبكل وضوح، الوقوف بوجه التمدد الصيني، إذ يتوقع المراقبون ان يقفز الاقتصاد الصيني متجاوزا الأمريكي في غضون عشرة أعوام، وحينذاك سيكون الاقتصاد الأول في العالم، وبالتالي فإن اتفاق «اوكوس» الجديد يمثل محاولة للحد من التوسع الصيني في مختلف الساحات العالمية، وبشكل خاص في المحيطين الهندي والهادي.
قلق وانزعاج فرنسا من الموقف البريطاني دفع إلى إلغاء اجتماع وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي مع وزير الدفاع البريطاني بن والاس في لندن. إلا أن ردود الأفعال البريطانية الرسمية توزعت بين الترضية واللين من جهة، والتشدد والصرامة من جهة أخرى، إذ كان هناك نوع من توزيع الأدوار بين رئيس الوزراء بوريس جونسون، ووزيرة خارجيته ليز تروس، حيث صرح جونسون للصحافيين وهو في طريقه إلى نيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة قائلا «إن على فرنسا ألا تقلق بشأن التحالف» وأكد على أن العلاقات الأنكلو- فرنسية «لا يمكن محوها» وأضاف أن بريطانيا وفرنسا تربطهما «علاقة ودية للغاية» ووصفها بأنها «ذات أهمية كبيرة» كما قال للصحافيين «حبنا لفرنسا لا يمكن استئصاله». وبين أن «اتفاق (أوكوس) ليس المقصود منه بأي حال من الأحوال أن يكون هناك طرف رابح وطرف خاسر، ولا يُقصد أن يكون إقصائيا. انه ليس شيئًا يحتاج أي شخص للقلق بشأنه وخصوصا أصدقاؤنا الفرنسيون».

أمن المحيط الهندي والهادئ

بينما صرحت وزيرة الخارجية البريطانية الجديدة ليز تروس في مقال كتبته في صحيفة «الديلي تلغراف» بالقول «سنعمل بشكل أوثق معًا لاستخدام مجموعة واسعة من التقنيات المتطورة من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية في البداية، ثم النظر في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية». وأضافت واصفة الخطوة البريطانية أنها «تظهر استعدادنا لأن نكون حازمين في الدفاع عن مصالحنا، والتصدي للممارسات غير العادلة والأفعال الخبيثة. كما تظهر التزامنا بالأمن والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ». كما أشارت إلى أن رئيس الوزراء بوريس جونسون قد سلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية الحيوية لتلك المنطقة عندما وضع رؤيته لبريطانيا العالمية في المراجعة المتكاملة للسياسة الخارجية والأمنية والتنموية في وقت سابق من هذا العام.
موقف الاتحاد الأوروبي كان واضحا في مساندته لباريس ومهاجمته اتفاقية «اوكوس» باعتبارها ضربة لحليف استراتيجي، ففي اجتماعهما يوم 21 أيلول/سبتمبر الجاري وعلى هامش أزمة الغواصات، أكد الوزيران الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية كليمان بون والألماني للشؤون الأوروبية مايكل روث أن قرار الولايات المتحدة وأستراليا سحب صفقة غواصات من فرنسا يعد بمثابة «تنبيه» للاتحاد على ضرورة تعزيز قدراته على التحرك بشكل مستقل.
وصرح الوزير الفرنسي كليمان بون في اجتماع وزراء شؤون الاتحاد الأوروبي بالقول إن الخلاف «مسألة أوروبية» لا فرنسية فحسب، وأكد أن بلاده تتوقع الحصول على دعم من شركائها الأوروبيين. كما أفاد «لا أعتقد أن فرنسا تبالغ في ردة فعلها، ولا أعتقد أن على فرنسا أن تبالغ، لكن عندما يكون الوضع مقلقا وخطيرا، فأعتقد أن مسؤوليتنا تملي علينا قول ذلك بوضوح تام».
ويقرأ بعض المحللين أزمة الغواصات على أنها مؤشرات على تفتت حلف «الناتو» الذي طالما وصفه الرئيس ماكرون بأنه في حالة «موت دماغي» بينما تتصاعد الدعوات لحلول عسكرية وأمنية أوروبية يكون قوامها الأساسي مشتركا بين فرنسا وألمانيا. ويشير اندرياس كلوث الباحث في شؤون الأمن والدفاع إلى أن الأوروبيين شعروا بالمرارة بعد تنفيذ قرار الولايات المتحدة الفردي بالانسحاب من أفغانستان من دون التشاور مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي على آليات الانسحاب، الأمر الذي أدى إلى نتائج مخزية شاهدها العالم على شاشات التلفزيون.
ويشير كلوث في مقال له نشر في مدونة بلومبرغ إلى أن الأوروبيين شعروا أن الأمريكيين قد خانوهم، ولم يكترثوا حتى بمشاورة حلفائهم، والتنسيق معهم تنسيقاً حقيقياً وهم ينسحبون. لذلك من المنطقي أن تعود الدعوة إلى تشكيل جيش أوروبي، إذ تقوم هذه الفكرة المتكررة على أن يبدأ الجيش بوحدة أوروبية من خمسة آلاف جندي باسم «EU 5000» تتشكِّل من أفراد القوات الخاصة التي كان يمكنها أن تؤمن مطار كابول بدون مساعدة أمريكية.
ومع أن وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان كان قد حذر من أن أزمة صفقة الغواصات ستؤثر على مستقبل حلف شمال الأطلسي، وقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن لودريان قوله إن «ما جرى في قضية الغواصات سيؤثر على مستقبل حلف شمال الأطلسي» إلا أن الأدميرال روب باور رئيس اللجنة العسكرية في حلف شمال الأطلسي، صرح بدوره للصحافيين في أثينا على خلفية أزمة الغواصات وإطلاق اتفاق «اوكوس» بقوله «قد تكون هناك تداعيات أو عواقب نتيجة لهذا الاتفاق، لكنني لا أتوقع في الوقت الحالي أنه سيكون له تأثير على التماسك داخل الناتو» وأضاف «بادئ ذي بدء، أستراليا شريك، ولكنها ليست جزءا من منظمة حلف شمال الأطلسي. هناك العديد من الاتفاقيات بين الدول يمكن أن يكون لها تأثير على الناتو من الناحية السياسية» وتابع باور عقب مؤتمر للقادة العسكريين في حلف شمال الأطلسي «لكن في الوقت الحالي لا أرى أنه سيكون لذلك تأثير على التعاون العسكري داخل الناتو».
يبدو أن الأزمة وقد أوشكت على الحل بعد المكالمة الهاتفية التي تمت يوم 23 أيلول/سبتمبر الجاري بين الرئيسين جو بايدن وإيمانويل ماكرون، والتي تحدثا فيها عن إعادة إرساء الثقة التي تعرضت لاختبار بين باريس وواشنطن، وقد أقر الرئيس بايدن بأن «المشاورات المفتوحة بين الحلفاء» كان من شأنها تفادي هذه التوترات. كما نجد أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد دعا من واشنطن باريس إلى تمالك نفسها، وقال «أعطوني استراحة» مؤكدا أن الشراكة «ليست حصرية ولا تحاول إقصاء أي كان». لكن هل يعني ذلك أن خيوط الثقة بين فرنسا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لن تتعرض لهزات مقبلة؟ معطيات الأوضاع لا تقول ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية